من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَكَانَ مجني دون من كنت أتقيثَلَاث شخوصٍ: كاعبان ومعصر
على أَنه يجوز اعْتِبَار الْمَعْنى فتجرد عَلامَة التَّأْنِيث من عدد الْمُؤَنَّث الْمَعْنَوِيّ كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ جرد ثَلَاثًا من التَّاء لكَون شخوص بِمَعْنى نسَاء بِدَلِيل الْإِبْدَال عَنهُ بِمَا بعده.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم يُونُس عَن رؤبة أَنه قَالَ: ثَلَاث أنفس على تَأْنِيث النَّفس كَمَا تَقول: ثَلَاث أعين للعين من النَّاس.
قَالَ الحطيئة:
ثَلَاثَة أنفسٍ وَثَلَاث ذودٍلقد جَار الزَّمَان على عيالي
وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة:
فَكَانَ مجني دون من كنت أتقيثَلَاث شخوصٍ: كاعبان ومعصر
فأنث الشَّخْص إِذْ كَانَ فِي الْمَعْنى أُنْثَى. انْتهى.
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: قَرَأت على أبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد هَذَا الْبَيْت.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لما اضْطر جعل الشَّخْص بَدَلا من امْرَأَة إِذْ كَانَ يقصدها بِهِ وَلذَلِك قَالَ: كاعبان ومعصر فأبان.
وَمن ذَلِك قَول الله ﷿: من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا لِأَن الْمَعْنى واقعٌ على حَسَنَات وأمثال نعتٌ لما وَقع عَلَيْهِ الْعدَد.
وَكَذَلِكَ: وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً لِأَن الْمَعْنى واقعٌ على جماعات.
وعَلى هَذَا تَقول: عِنْدِي عشرَة نسابات لِأَنَّك تُرِيدُ الرِّجَال وَإِنَّمَا نسابات نعت. وَتقول: إِذا عنيت الْمُذكر: عِنْدِي ثَلَاثَة دوابٌ يَا فَتى لِأَن الدَّوَابّ نعت فكأنك قلت: عِنْدِي ثَلَاثَة براذين دَوَاب.
وَتقول: عِنْدِي خمسٌ من الشَّاء لِأَن الْوَاحِدَة شاةٌ لذكر كَانَ أَو أُنْثَى. انْتهى.
وَمَا نَقله عَن الْمبرد هُوَ مسطور فِي الْكَامِل قَالَ فِيهِ: قَوْله: ثَلَاث شخوص الْوَجْه ثَلَاثَة شخوص وَلكنه قصد إِلَى نساءٍ أنث على الْمَعْنى. وَأَبَان مَا أَرَادَ بقوله: كاعبان ومعصر.
وَمثله قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل)
فَإِن كلاباً هَذِه عشر أبطنٍوَأَنت برئٌ من قبائلها الْعشْر
فَقَالَ: عشر أبطن لِأَن الْبَطن قَبيلَة وَأَبَان ذَلِك فِي قَوْله: من قبائلها الْعشْر. وَقَالَ الله ﷿: من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا لِأَن الْمَعْنى حَسَنَات. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار اللُّصُوص قَالَ: كَانَ يجب أَن يَقُول: ثَلَاثَة لِأَن الشخوص مذكرة وَلكنه ذهب إِلَى أَعْيَان النِّسَاء لِأَنَّهُنَّ مؤنثات وَإِن كَانَ سَبَب اللَّفْظ مذكراً.
وَقد أدرج ابْن جني فِي الخصائص هَذَا فِي فصل سَمَّاهُ الْحمل على الْمَعْنى قَالَ: اعْلَم أَن هَذَا الشرج غورٌ من الْعَرَبيَّة بعيد وَمذهب نازح فصيح قد ورد بِهِ الْقُرْآن وفصيح الْكَلَام منثوراً ومنظوماً كتأنيث الْمُذكر وتذكير الْمُؤَنَّث وتصور معنى الْوَاحِد فِي الْجَمَاعَة وَالْجَمَاعَة فِي الْوَاحِد.
ثمَّ قَالَ: فَمن تذكير الْمُؤَنَّث قَول الحطيئة: ثَلَاثَة أنفس ذهب بِالنَّفسِ إِلَى الْإِنْسَان فَذكر. وَقَالَ عمر: ثَلَاث شخوص أَنْت الشَّخْص لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَرْأَة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كتاب الْمُذكر والمؤنث: أَنْت الشخوص لِأَنَّهَا شخوص إناث. فَلَو قلت: ثَلَاثَة شخوص كَانَ أَجود لِأَن الشَّخْص ذكر وَإِن كَانَ لأنثى.
وَمِمَّا اجْتمعت عَلَيْهِ الْعَرَب لإيثار الْمُضمر على الظَّاهِر قَوْلهم: ثَلَاثَة أنفس وَثَلَاثَة أَعْيَان.
والخليل يخْتَار: ثَلَاث أعين. وَالْعين وَالنَّفس أنثيان فَذَهَبُوا إِلَى أَعْيَان الرِّجَال وأنفس الرِّجَال.
فَإِذا وجهت النَّفس إِلَى الرجل أَو الْمَرْأَة ذهبت بهما جَمِيعًا إِلَى التَّذْكِير لِأَنَّهُ غير مؤنث فَتَصِير النَّفس تُؤدِّي عَن الْإِنْسَان وَيُؤَدِّي الْإِنْسَان عَن الذّكر وَالْأُنْثَى فَتَقول: ثَلَاثَة أنفس كَمَا تَقول: ثَلَاثَة من النَّاس وَإِن عنيت نسَاء.
فَإِن أردْت الزَّوْج كَانَت النَّفس أُنْثَى وَإِذا أفردتها بِفعل أَو وصفتها بِهِ عاملتها مُعَاملَة التَّأْنِيث كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَلم يقل وَاحِد وَهُوَ آدم.
وَقد يجوز لَك أَن تذْهب إِلَى الْمَعْنى فَإِن كَانَت أُنْثَى أنثت وَإِن كَانَ ذكرا ذكرت. وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ. انْتهى.
والْمِجَن بِكَسْر الْمِيم: الترس. قَالَ الْعَيْنِيّ: ويروى: فَكَانَ نصيري
بدل مجني وَمَعْنَاهُ: مانعي وَقَالَ ابْن سَيّده: يُؤَيّدهُ رِوَايَة من روى: فَكَانَ مجني. قَالَ: وَأكْثر النَّاس يرونه: نصيري بالنُّون.
وَهُوَ تَصْحِيف.
وَقَالَ أَبُو الْحجَّاج: هَذَا القَوْل فِيهِ إفراط وَرِوَايَة النُّون غير بعيدَة من الصَّوَاب وَإِن كَانَ رِوَايَة)
الْبَاء أظهر لقَوْله: دون وَلم يقل: على المستعملة مَعَ النَّصْر فِي مثل هَذَا النَّحْو. انْتهى. والكاعب قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الْجَارِيَة الَّتِي يَبْدُو ثديها للنهود. وَقد كعبت تكعب بِالضَّمِّ كعوباً وكعبت بِالتَّشْدِيدِ تكعيباً مثله. ومعصر بِضَم الْمِيم وَكسر الصَّاد هِيَ الْجَارِيَة أول مَا أدْركْت وحاضت. يُقَال: قد أعصرت كَأَنَّهَا دخلت عصر شبابها أَو بلغته.
قَالَ الراجز:
جَارِيَة بسفوان دارهايرتج عَن مثل النقا إزَارهَا
قد أعصرت أَو قد دنا إعصارها وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لعمر بن أبي ربيعَة تقدم نقلهَا فِي الشَّاهِد التسعين بعد الثلثمائة.
وَهَذِه أَبْيَات قبله:
فَلَمَّا تقضى اللَّيْل إِلَّا أَقَلهوكادت توالي نجمه تتغور
أشارت بِأَن الْحَيّ قد حَان مِنْهُمهبوبٌ وَلَكِن موعدٌ لَك عزور
فَقلت: أباديهم فإمَّا أفوتهموَإِمَّا ينَال السَّيْف ثأراً فيثأر
فَقَالَت: أتحقيقاً لما قَالَ اكشحٌعلينا وَتَصْدِيقًا لما كَانَ يُؤثر
فَإِن كَانَ مَا لَا بُد مِنْهُ فَغَيرهمن الْأَمر أدنى للخفاء وأستر
أقص على أُخْتِي بَدْء حديثناوَمَالِي من أَن تعلما مُتَأَخّر
لعلهما أَن تبغيا لَك مخرجاوَأَن ترحبا سرباً بِمَا كنت أحْصر
فَقَالَت لأختيها: أعينا على فَتىأَتَى زَائِرًا وَالْأَمر لِلْأَمْرِ يقدر
فأقبلتا فارتاعتا ثمَّ قَالَتَا:أقلي عَلَيْك اللوم فالخطب أيسر
يقوم فَيَمْشِي بَيْننَا متنكراًفَلَا سرنا يفشو وَلَا هُوَ يبصر
فَكَانَ مجني دون من كنت أتقيثَلَاث شخوصٍ كاعبان ومعصر
التوالي: التَّتَابُع. وتتغور: تغور فتذهب وَهُوَ مَأْخُوذ من الْغَوْر. والهبوب: الانتباه يُقَال: هَب من نَومه إِذا اسْتَيْقَظَ. وعزور بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي الْمُعْجَمَة بعْدهَا وَاو مَفْتُوحَة قَالَ أَبُو عَليّ: هِيَ ثنية الْجحْفَة.
وَقَالَ السكونِي: عزور: جبلٌ بَينه وَبَين جبل رضوى قدر شوط الْفرس. وهما جبلان شاهقان)
ورضوى من يَنْبع على يَوْم وَمن الْمَدِينَة على سبع مراحل ميامنةً طَرِيق الْمَدِينَة ومياسرة طَرِيق الْبر لمن كَانَ مصعداً إِلَى مَكَّة وعَلى لَيْلَتَيْنِ من الْبَحْر. كَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم للبكري.
وأيقاظ: جمع يقظ بِفَتْح الْيَاء وَضم الْقَاف بِمَعْنى يقظان.
وَقَوله: فَقَالَت أتحقيقاً من كَلَام الْعَرَب: أكل هَذَا بخلا. وَذَلِكَ أَنه رَآهُ يفعل شَيْئا يكره فَقَالَ: أكل هَذَا تفعل بخلا.
وَقَوله: أباديهم يُرِيد أظهر لَهُم غير مَهْمُوز. يُقَال بدا يَبْدُو غير مَهْمُوز إِذا ظهر.
وَقَوله: بَدْء حديثنا: يُرِيد أول حديثنا.
وَقَوله: وَأَن ترحبا يُرِيد أَن تتسعا أَي: تتسع صدورهما من قَوْلك: فلَان رحيب الصَّدْر.
وَقَوله: أحْصر أَي: أضيق بِهِ ذرعا يُقَال حصر صَدره بمهملات من بَاب فَرح إِذا ضَاقَ.
والسرب بِالْفَتْح: الطَّرِيق.
وَقَوله: فَكَانَ مجني إِلَخ أَي: وقايتي. وَدون بِمَعْنى قُدَّام. ومجنى اسْم كَانَ وَثَلَاث بِالنّصب خَبَرهَا وَمن موصوله والعائد مَحْذُوف أَي: أتقيه.
ويروى أَن يزِيد بن مُعَاوِيَة لما أَرَادَ تَوْجِيه مُسلم بن عقبَة إِلَى الْمَدِينَة اعْترض النَّاس فَمر بِهِ رجلٌ من أهل الشَّام وَمَعَهُ ترسٌ قَبِيح فَقَالَ: يَا أَخا أهل الشَّام مجن ابْن أبي ربيعَة أحسن من مجنك.
وترجمة عمر بن أبي ربيعَة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع