تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة

فيه ٩ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الطَّوِيل بدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء

على أَن بداء فَاعل بدا وَهُوَ مصدر بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل وَالتَّقْدِير: بدا لَك رَأْي باد وَلما كَانَ ظَاهر هَذَا الشّعْر على طبق ثَبت الثُّبُوت بِجعْل الْمصدر فَاعِلا لفعله وَهُوَ مِمَّا لَا معنى لَهُ أجَاب عَنهُ بِمَا ذكره.

وَلَا يخفى أَنه تكلّف. والجيد مَا قَالَه أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر قَالَ: أضمر البداء فِي قَوْله تَعَالَى: ثمَّ بدا لَهُم من بعد مَا رَأَوْا الْآيَات ليسجننه لِأَن البداء الَّذِي هُوَ الْمصدر قد صَار بِمَنْزِلَة الْعلم والرأي. أَلا ترى أَن الشَّاعِر قد أظهره فِي قَوْله:

لَعَلَّك والموعود حق لقاؤهبدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لعلك والموعود حق لقاؤه»

وَكَذَلِكَ صنع ابْن الشجري فِي الْآيَة وَالْبَيْت وَقَالَ: ألسن الْعَرَب متداولة فِي قَوْلهم: بدا لي فِي هَذَا الْأَمر بداء أَي: تغير رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَيُقَال: فلَان ذُو بدوات ذَا بدا لَهُ الرَّأْي بعد الرَّأْي. انْتهى.

وَقد وَقع هَذَا التَّرْكِيب فِي سيرة ابْن هِشَام وَنَصه: قَالَ ابْن إِسْحَاق: ظن رَسُول الله ﷺ َ أَن قد بدا لِعَمِّهِ بداء.

قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض: أَي: ظهر لَهُ رَأْي فَسُمي بداء لِأَنَّهُ شَيْء يَبْدُو بَعْدَمَا خفى والمصدر البدو وَالِاسْم البداء. وَلَا يُقَال فِي الْمصدر: بدا لَهُ بَدو كَمَا لَا يُقَال: ظهر لَهُ ظُهُور بِالرَّفْع لِأَن الَّذِي يظْهر ويبدو هَاهُنَا هُوَ الِاسْم نَحْو البداء.

وَمن أجل أَن البدو هُوَ الظُّهُور كَانَ البداء فِي وصف الْبَارِي سُبْحَانَهُ محالاً لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو لَهُ شَيْء كَانَ غَائِبا عَنهُ. والنسخ للْحكم لَيْسَ ببدو كَمَا توهمه جمَاعَة من الرافضة وَالْيَهُود وَإِنَّمَا هُوَ تَبْدِيل حكم بِحكم بِقدر قدره وَعلم قديم علمه.

وَقد يجوز أَن يُقَال: بدا لَهُ أَن يفعل كَذَا وَيكون مَعْنَاهُ أَرَادَ. وَهَذَا من الْمجَاز الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى إِطْلَاقه إِلَّا بِإِذن من صَاحب الشَّرْع.

وَقد صَحَّ فِي ذَلِك مَا خرجه البُخَارِيّ فِي حَدِيث الثَّلَاثَة: الْأَعْمَى والأقرع والأبرص وَأَنه عَلَيْهِ)

السَّلَام قَالَ: بدا لله أَن يبتليهم. فَبَدَا هَاهُنَا بِمَعْنى: أَرَادَ.

وَابْن أعين وَمن اتبعهُ يجيزون البداء على الله ويجعلونه والنسخ شَيْئا وَاحِدًا وَالْيَهُود لَا تجيز النّسخ يَحْسبُونَهُ بداء. وَمِنْهُم من أجَاز البداء.

وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن رجلا وعد مُحَمَّد بن بشير الْخَارِجِي بقلوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة ومطله فقاله فِيهِ يذمه ويمدح زيد بن الْحسن بن عَليّ ابْن أبي طَالب:

لَعَلَّك والموعود حق لقاؤهبدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لعلك والموعود حق لقاؤه»
فَإِن الَّذِي ألْقى إِذا قَالَ قَائِلمن النَّاس: هَل أحسستها لعناء
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة
أول الَّذِي يُبْدِي الشمات وَإِنَّهَاعَليّ وإشماتُ الْعَدو سَوَاء
دَعَوْت وَقد أخلفتني الْوَعْد دَعْوَةبزيد فَلم يضلل هُنَاكَ دُعَاء
بأبيض مثل الْبَدْر عظم حَقهرجال من آل الْمُصْطَفى وَنسَاء
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة

فبلغت هَذِه الأبيات زيد بن الْحسن فَبعث إِلَيْهِ بقلوص من جِيَاد إبِله فَقَالَ يمدحه:

إِذا نزل ابْن الْمُصْطَفى بطن تلعةنفى جدبها واخضر بالنبت عودهَا
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة
وَزيد ربيع النَّاس فِي كل شتوةإِذا أخلفت أنواؤها ورعودها
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة
حمول لأشتات الدِّيات كَأَنَّهُسراج الدجى إِذا قارنته سعودها
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة

انْتهى.

وَقَوله: لَعَلَّك والموعود... إِلَخ أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْبَاب الثَّانِي على أَن قَوْله: والموعود حق لقاؤه جملَة اعتراضية بَين مَا أَصله الْمُبْتَدَأ وَبَين خَبره.

وأحسستها: استفدتها. وأحسست الشَّيْء: وجدت حسه. وَقَوله: لعناء خبر إِن الَّذِي ألْقى.

يَقُول: إِن قلت للسَّائِل الشامت إِنِّي أفدتها فقد كذبت وكذبي وإشمات الْعود سَوَاء.

وَقَوله: بزيد الْبَاء زَائِدَة أَي: ناديته مرّة. وَجُمْلَة: وَقد أخلفتني الْوَعْد اعتراضية.

وَقَائِل هَذِه الأبيات مُحَمَّد بن بشير بن عبد الله بن عقيل الْخَارِجِي من بني خَارِجَة بن عدوان بن عَمْرو بن قيس بن عيلان بن مُضر ويكنى أَبَا سُلَيْمَان. وَهُوَ شَاعِر فصيح حجاي من شعراء الدولة الأموية وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى أبي

عُبَيْدَة بن عبد الله بن ربيعَة الْقرشِي أحد بني أَسد بن عبد الْعُزَّى. وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة فِي الأغاني.)

وانشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»