من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
فَكيف إِذا مَرَرْت بدار قوموجيران لنا كَانُوا كرام
على أَن كَانَ فِيهِ نَاقِصَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمبرد الْوَاو اسْمهَا وَلنَا: خَبَرهَا وَلَيْسَت زَائِدَة كَمَا وَشبهه بقول الشَّاعِر:
فَكيف إِذا رَأَيْت ديار قوموجيران لنا كَانُوا كرام
اه.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِلْغَاء كَانَ وزيادتها توكيداً وتبييناً لِمَعْنى الْمُضِيّ
وَالتَّقْدِير: وجيران لنا كرام كَانُوا كَذَلِك.
وَقد رد الْمبرد هَذَا التَّأْوِيل وَجعل قَوْله: لنا خَبرا لَهَا وَالصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه من زيادتها لِأَن قَوْله: لنا من صلَة الْجِيرَان وَلَا يجوز أَن تكون خَبرا لَكَانَ إِلَّا أَن تردي معنى الْملك وَلَا يَصح الْملك هَاهُنَا لأَنهم لم يَكُونُوا لَهُم ملكا إِنَّمَا كَانُوا لَهُم جيرة. انْتهى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا تعسف مِنْهُ وَلَا فرق بَين قَوْلك: جيران لنا وَبَين كَانُوا لنا فَإِن الْوَاو فِي كَانُوا ضمير الْجِيرَان وَاللَّام للاختصاص لَا للْملك.
وَقد نسب الزّجاج فِي تَفْسِيره زِيَادَة كَانَ فِي الْبَيْت إِلَى الْمبرد وَنقل عَنهُ غلطة لم يغلطها أصاغر الطّلبَة قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتاً. قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد: جَائِز أَن تكون كَانَ زَائِدَة فَالْمَعْنى على هَذَا إِنَّه فَاحِشَة ومقت.
وَأنْشد فِي ذَلِك قَول الشَّاعِر:
وَهَذَا غلط من أبي الْعَبَّاس لِأَن كَانَ لَو كَانَت زَائِدَة لم تنصب خَبَرهَا. انْتهى.
وَهَذَا نقل شَاذ وَكلهمْ أَجمعُوا على أَن زِيَادَة كَانَ فِي الْبَيْت إِنَّمَا قَالَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ. لَكِن الزّجاج تلميذ الْمبرد وَهُوَ أدرى بِمذهب شَيْخه. وَالله أعلم.
وتجويز الْمبرد زِيَادَة كَانَ فِي الْآيَة مَعَ نصب خَبَرهَا خطأ ظَاهر.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد يمْتَنع
من زِيَادَة كَانَ فِي الْبَيْت وَيَقُول: إِنَّمَا تلغى إِذا كَانَت مُجَرّدَة لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر وَأما فِي الْبَيْت فالواو اسْمهَا وَلنَا:)
الْخَبَر وكرام: صفة لجيران.
وَقد رد النَّاس هَذَا وَقَالُوا: يجوز أَن تكون الْوَاو حرفا دَالا على الْجمع يُؤَكد بِهِ الْجِيرَان كالواو فِي أكلوني البراغيث. وَهَذَا مَذْهَب كثير من الْبَصرِيين وَبَعض الْكُوفِيّين. وَلِأَنَّهُ يقدر بلنا التَّأْخِير وَهُوَ صفة لجيران وَقد حل مَحَله من حَيْثُ تبع الْمَوْصُوف وَلَا حَاجَة تَدْعُو إِلَى انْتِزَاعه من مَوْضِعه وَتَقْدِيره مُؤَخرا. وَهَذَا حجَّة أبي عَليّ. انْتهى.
أَقُول: هَذَا التَّوْجِيه ضَعِيف جدا فَإِن القَوْل بحرفية وَاو الْجمع إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ بعْدهَا جمع مَرْفُوع كَمَا فِي الْمِثَال وَأما إِذا لم يَأْتِ بعْدهَا جمع مَرْفُوع فَلم يقل أحد إِنَّهَا تَأتي حرفا دَالا على الْجمع.
وَالصَّوَاب مَا وَجه بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق وَهُوَ أَن كَانَ زيدت مَعَ الْفَاعِل لِأَنَّهُ كالجزء مِنْهَا لأَنهم قَالُوا: وَالْفَاعِل كالجزء من الْفِعْل.
وَاسْتدلَّ صَاحب اللّبَاب على أَنَّهُمَا كالكلمة الْوَاحِدَة بِاثْنَيْ عشر وَجها مِنْهَا زِيَادَة الْفِعْل مَعَ الْفَاعِل فِي نَحْو هَذَا الْبَيْت. قَالَ شَارِحه الفالي: تَقْرِيره أَنهم حكمُوا بِأَن كَانُوا زَائِدَة وَإِن كَانَ الْفِعْل وَهُوَ كَانَ وَحده زَائِدا وَلَكِن لما كَانَ الْفَاعِل كالجزء لم يفكوه عَن الْفِعْل فحكموا بزيادتهما جَمِيعًا. انْتهى.
وَأَبُو عَليّ لم يَجْعَل الْوَاو فَاعل كَانَ وَإِنَّمَا جعلهَا ضميراً مؤكداً للضمير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف الْوَاقِع صفة لجيران أَعنِي قَوْله: لنا قَالَ: لنا فِي مَوضِع الصّفة لجيران وَفِيه ضميرهم مستتر على مَا عهد من حكم الْجَار وَالْمَجْرُور إِذا وَقع صفة وَالضَّمِير الْمُتَّصِل بكان تَأْكِيد لَهُ وَلم يكن بُد من اتِّصَاله لِأَنَّهُ لَا يقوم بِنَفسِهِ.
وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الشَّاعِر:
نَحن بغرس الودي أعلمنَامنا بطعن الكماة فِي السدف
قَالَ: ف نَا من أعلمنَا لَا حَاجَة إِلَيْهِ لِأَن أعلم أفعل وأفعل إِمَّا أَن يُضَاف وَإِمَّا أَن يتَّصل بِمن وَيمْنَع من إِضَافَته. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا بُد من تَخْرِيج يَصح عَلَيْهِ الْإِعْرَاب وَذَلِكَ أَنه تَأْكِيد ولقوة تنَاوله قدموه ليدلوا على شدَّة اتِّصَاله. وَإِذا جَازَ ذَلِك فِي أعلم مَعَ مَا بعده كَانَ فِي كَانَ أولى وَأحسن.
هَذَا كَلَامه وَنَقله عَنهُ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل.) وَقد جمع ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد جَمِيع مَا للْعُلَمَاء من التخاريج فِي هَذَا الْبَيْت قَالَ: لنا قيل: خبر مقدم ثمَّ اخْتلف على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه خبر مُبْتَدأ وَالْأَصْل لنا هم ثمَّ زيدت كَانَ بَينهمَا فَصَارَ لنا كَانَ هم ثمَّ وصل الضَّمِير إصلاحاً للفظ لِأَنَّهُ لَا يَصح وُقُوعه مُنْفَصِلا إِلَى جَانب فعل غير مشتغل بمعمول.
وَالثَّانِي: أَنه خبر لَكَانَ وَأَنَّهَا نَاقِصَة وَهُوَ قَول الْمبرد وَجَمَاعَة وَعَلِيهِ فالجملة صفة لجيران وَتَقَدَّمت على الصّفة المفردة وَالْأَكْثَر فِي الْكَلَام تَقْدِيم المفردة.
وَقيل: لنا صفة لجيران ثمَّ اخْتلف على قَوْلَيْنِ أَيْضا: أَحدهمَا: أَن كَانَ تَامَّة وَالضَّمِير فَاعل أَي: وجد. ورد بِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الْكَلَام على هَذَا القَوْل.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا زئدة ثمَّ اخْتلف فِي الِاعْتِذَار عَن الضَّمِير على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الزِّيَادَة لَا تمنع الْعَمَل فِي الضَّمِير كَمَا لم يمْنَع إِلْغَاء ظن عَملهَا فِي الْفَاعِل مُطلقًا. قَالَه ابْن السَّيِّد وَابْن مَالك. وَفِيه نظر لِأَن الْفِعْل الملغى لم ينزل
منزلَة الْحُرُوف حَتَّى لَا يَلِيق الْإِسْنَاد إِلَى الْفَاعِل وَإِنَّمَا هُوَ فعل صَحِيح وضع لقصد الْإِسْنَاد.
وَالثَّانِي: أَن الأَصْل: كَانَ هم على أَن الضَّمِير توكيد للضمير الْمُسْتَتر فِي لنا ثمَّ زيدت كَانَ بَينهمَا وَوصل الضَّمِير للإصلاح. انْتهى.
وَقد لخصه فِي الْمُغنِي فِي بحث لَعَلَّ.
وَقَوله: على تَقْدِير كَونهَا تَامَّة مَعَ فاعلها أَنه لَا فَائِدَة فِي الْكَلَام مَمْنُوع فَإِنَّهَا صفة لجيران بِمَعْنى ثبتوا وحصلوا. وَمَا أوردهُ أَولا من أَن الأَصْل لنا هم ثمَّ زيدت كَانَ بَينهمَا فاتصل بهَا الضَّمِير هُوَ قَول صَاحب الْكَشَّاف قَالَ فِي قَوْله تعال: وَإِن كَانَت لكبيرة: وَقَرَأَ اليزيدي: لكبيرة بِالرَّفْع ووجهها أَن تكون كَانَ مزيدة كَمَا فِي قَوْله: وجيران لنا كَانُوا كرام. الأَصْل: وَإِن هِيَ لكبيرة كَقَوْلِك: إِن زيد لمنطلق ثمَّ وَإِن كَانَت لكبيرة. انْتهى.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ اللّغَوِيّ فِي كتاب التَّنْبِيه على أغلاط أبي زِيَاد الْكلابِي فِي نوادره: روى أَبُو أَحْمد عبد الْعَزِيز بن يحيى بن أَحْمد بن عِيسَى بن يزِيد الجلودي فِي أَخْبَار الفرزدق بِإِسْنَاد مُتَّصِل ذكره أَن الفرزدق حضر عِنْد الْحسن الْبَصْرِيّ فأنشده:)
فَقَالَ لَهُ الْحسن: كراماً يَا أَبَا فراس. فَقَالَ الفرزدق: مَا ولدتني إِلَّا ميسانية إِن جَازَ مَا تَقول يَا أَبَا سعيد قَالَ: وَأم الْحسن من ميسَان. فَهَذَا رد الفرزدق عَن نَفسه. وَقد أصَاب وتقدر قَوْله: وجيران كرام كَانُوا لنا. انْتهى.
وميسان: قَرْيَة من قرى الْعرَاق. يُرِيد: إِنِّي لم أكن من الْعَرَب العرباء بل من المولدين إِن صَحَّ مَا لحنتني فِيهِ.
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا هِشَام بن عبد الْملك ويهجو جَرِيرًا وأولها:
ألستم عائجين بِنَا لعنانرى العرصات أَو أثر الْخيام
فَقَالُوا إِن عرضت فأغن عَنَّادموعاً غير راقئة السجام
فَكيف إِذا مَرَرْت بدار قوموجيران لنا كَانُوا كرام
أكفكف عِبْرَة الْعَينَيْنِ منيوَمَا بعد المدامع من لمام
قَوْله: ألستم عائجين..... إِلَخ الْهمزَة للاستفهام التقريري وروى: هَل أَنْتُم بدله.
وعائجون: جمع عائج اسْم فَاعل من عدت الْبَعِير أعوجه عوجا: إِذا عطفت رَأسه بالزمام.
وَالْبَاء فِي بِنَا بِمَعْنى مَعَ. وروى الْعَيْنِيّ فَقَط: عالجون بِاللَّامِ وَقَالَ: أَي: داخلون فِي عالج وَهُوَ اسْم مَوضِع. وَلم أره لغيره. وَلَيْسَ فِي الصِّحَاح عالج بِمَعْنى دخل فِي عالج.
ولعنا أَي: لَعَلَّنَا. وَلعن لُغَة فِي لَعَلَّ. وعرصة الدَّار: ساحتها وَهِي الْبقْعَة الواسعة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَسميت عَرصَة لِأَن الصّبيان يعرصون فِيهَا أَي: يَلْعَبُونَ ويمرحون.
وَقَوله: إِن عرضت كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب: قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَعرض الرجل إِذا أَتَى الرَّوْض وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَمَا حولهما.
قَالَ: فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن وَقَول الْكُمَيْت: فأبلغ يزِيد إِن عرضت ومنذراً يَعْنِي إِن مَرَرْت بِهِ. انْتهى.
وَمَا هُنَا يحْتَمل كلا مِنْهُمَا. وروى أَيْضا: إِن فعلت بدله أَي: فعلت العوج وَهُوَ عطف رَأس النَّاقة بالزمام.)
وَقَوله: فأغن عَنَّا هُوَ أَمر من قَوْلهم: أغنيت عَنْك أَي: أَجْزَأت مجزأَة. يُرِيد أَن أَصْحَابه لم يرفقوه على عطف الزِّمَام.
وَقَوله: دموعاً أَصله بدموع فَلَمَّا حذفت الْبَاء نصب. وراقئة بِالْهَمْزَةِ من رقأ الدمع رقئاً وَقَوله: فَكيف إِذا مَرَرْت... إِلَخ كَيفَ: اسْتِفْهَام وفيهَا معنى التَّعَجُّب وَهِي هُنَا ظرف وَالْعَامِل فِيهَا مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام وَهُوَ أكون وَهُوَ مُقَدّر بعْدهَا لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله.
وَالتَّقْدِير: على أَي حَال أكون إِذا مَرَرْت بدار قوم إِلَخ وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف لدلَالَة مَا تقدم عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَامِل فِيهَا. كَذَا قَالَ اللَّخْمِيّ.
وَقَالَ ابْن هِشَام: كَيفَ: ظرف لأكفكف. وَفِيه نظر. وَالتَّاء فِي مَرَرْت للمكلم بِدَلِيل لنا وأكفكف. وروى بدله: رَأَيْت. وَقَوله: أكفكف: أحبس.
وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة. واللمام بِكَسْر اللَّام بعْدهَا مِيم. كَذَا فِي مُنْتَهى الطّلب وَالْمَشْهُور من ملام.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع