من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبهوَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان
على أَن من الثَّانِيَة مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي وَقعت فَاعِلا لنعم عِنْد أبي عَليّ والمبرد وَهُوَ: مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره مثله وَالْجُمْلَة صلَة من والمخصوص بالمدح مَحْذُوف تَقْدِيره: بشر.
وَأما قَوْله: فِي سر وإعلان فَهُوَ مُتَعَلق بنعم وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِمَحْذُوف على أَنه خبر هُوَ الْوَاقِع صلَة الْمَوْصُول لما بَينه أَبُو عَليّ.
وَقد بسط الْكَلَام على هَذَا المصراع فِي احْتِمَال وُجُوه ثَلَاثَة لمن فَلَا بَأْس بِنَقْل كَلَامه قَالَ فِي قَالَ الشَّاعِر:
وَكَيف أرهب أمرا أَو أراع لَهُوَقد زكأت إِلَى بشر بن مَرْوَان
فَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبهوَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان
القَوْل فِي الظّرْف أَنه يتَعَلَّق بنعم وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون خبر هُوَ فِي الصِّلَة أَو يكون مُتَعَلقا بنعم. فَلَا يجوز أَن يكون مُتَعَلقا بِمَحْذُوف على أَن يكون فِي مَوضِع خبر هُوَ الَّتِي فِي)
الصِّلَة لِأَن التَّقْدِير قبل كَون الْكَلَام صلَة يكون: هُوَ فِي سر وإعلان وَهَذَا لَا معنى لَهُ.
فَإِذن الْمَعْنى: كرم هَذَا الْإِنْسَان فِي سره وعلانيته أَي: لَيْسَ مَا يَفْعَله من الْخَيْر لتصنع فيفعل الْخَيْر فِي السِّرّ كَمَا يَفْعَله فِي الْعَلَانِيَة. وَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتَاجَ
" هُوَ " إِلَى جُزْء حَتَّى تستقل الصِّلَة، وَذَلِكَ الْجُزْء يَنْبَغِي أَن يكون الَّذِي هُوَ مثله، وَلَا يكون الَّذِي هُوَ هُوَ، لتَكون الصِّلَة شائعة فَلَا تكون مَخْصُوصَة، لِأَنَّهَا فَاعل نعم. فَإِن قدرت الَّذِي هُوَ هُوَ، وَأَنت تُرِيدُ الَّذِي هُوَ مثله، فتحذف الْمُضَاف، فَيصير الَّذِي هُوَ هُوَ مَعْنَاهُ مثله، جَازَ أَيْضا. وَقد يجوز فِي الْقيَاس أَن تجْعَل " من " نكرَة. فَإِذا جعلت نكرَة احْتَاجَت إِلَى صفة، فَتكون الْجُمْلَة الَّتِي قدرتها صلَة لَهَا مقدرَة صفة، وَيكون الْمَقْصُود بالمدح مضمراً، لِأَن ذكره قد جرى، كَمَا جرى ذكر أَيُّوب قبل قَوْله تَعَالَى: " نعم العَبْد " فاستغني بذلك عَن ذكر مَا يَخُصُّهُ بالمدح وإظهاره. وَيجوز فِي الْقيَاس أَن تجْعَل من نكرَة وَلَا تجْعَل لَهُ صفة كَمَا فعل ذَلِك بِمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: " فَنعما هِيَ ". فَإِذا جَعلتهَا كَذَلِك كَانَ كَأَن قَالَ: فَنعم رجلا، فَيكون مَوضِع " من " نصبا، وَيكون هُوَ كِنَايَة عَن الْمَقْصُود بالمدح. وَوجه الْقيَاس فِي الحكم على " من " أَنَّهَا نكرَة غير مَوْصُوفَة: أَنهم جعلُوا " مَا " بِمَنْزِلَة شَيْء، وَهُوَ أَشد إِشَاعَة، وإبهاماً من " من ". فَإِذا جَازَ أَن لَا تُوصَف مَعَ أَنَّهَا أَشد إبهاماً من " من " كَانَ أَن لَا تُوصَف " من " أجوز، لِأَنَّهَا أخص مِنْهَا، فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ: نعم رجلا هُوَ، لِأَنَّهَا تخص النَّاس، وَمن أشبههم، كَمَا كَانَت مَا تعم الْأَشْيَاء، إِلَّا أَنا لم نعلمهُمْ فِي الِاسْتِعْمَال تركُوا من بِغَيْر صفة، كَمَا تركُوا مَا غير مَوْصُوفَة فِي الْخَبَر، نَحْو التَّعَجُّب وَالْآيَة الَّتِي تلوناها. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقد نسب ابْن هِشَام فِي " الْمُغنِي " هَذَا التَّخْرِيج الْأَخير إِلَى أبي عَليّ، وَنسب الأول إِلَى غَيره. قَالَ فِي بحث " من "، وَفِي الْبَاب الثَّالِث: إِن من تَأتي نكرَة تَامَّة عِنْد أبي عَليّ، قَالَه فِي قَوْله:
وَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان
فَزعم أَن الْفَاعِل مستتر، وَمن تَمْيِيز، وَقَوله هُوَ: مَخْصُوص بالمدح، فَهُوَ: مُبْتَدأ،
وَخَبره مَا قبله أَو خبر لمبتدأ مَحْذُوف. وَقَالَ غَيره: من مَوْصُول فَاعل وَقَوله: هُوَ مُبْتَدأ خَبره هُوَ آخر مَحْذُوف على حد قَوْله: والظرف مُتَعَلق بالمحذوف لِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل أَي: وَنعم من هُوَ الثَّابِت فِي حالتي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة. قلت: ويحتادج إِلَى تَقْدِير هُوَ ثَالِث يكون مَخْصُوصًا بالمدح. انْتهى.) وَصَاحب هَذَا القَوْل هُوَ ابْن مَالك قَالَ فِي شرح الكافية: هُوَ مُبْتَدأ خَبره هُوَ آخر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: وَنعم من هُوَ هُوَ فِي سر وإعلان. وَفِي مُتَعَلق بهو الْمَحْذُوف لِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل. اه.
وَعرف ضعف تَقْدِيره هُوَ هُوَ من كَلَام أبي عَليّ.
وَقد رد ابْن مَالك فِي شرح التسهيل الْوَجْه الثَّالِث قَالَ: لَا يَصح لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التَّمْيِيز لَا يَقع فِي الْكَلَام بالاسقتراء إِلَّا نكرَة صَالِحَة للألف وَاللَّام ومَنْ بِخِلَاف ذَلِك فَلَا يجوز كَونهَا تمييزاً.
الثَّانِي: أَن الحكم عَلَيْهَا بالتمييز عِنْد الْقَائِل بِهِ مُرَتّب على كَون من نكرَة غير مَوْصُوفَة وَذَلِكَ مُنْتَفٍ بِإِجْمَاع فِي غير مَحل النزاع فَلَا يُصَار إِلَيْهِ بِلَا دَلِيل عَلَيْهِ. فصح القَوْل بِأَن مَنْ فِي مَوضِع رفع بنعم إِذْ لَا قَائِل بقول ثَالِث. اه.
ورفعها بنعم عِنْده إِنَّمَا يكون على جعلهَا مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي لِأَنَّهُ الَّذِي ذكره. وَأما جعلهَا نكرَة مَوْصُوفَة بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بعْدهَا كَمَا هُوَ الْوَجْه الثَّانِي فِي كَلَام أبي
عَليّ فَلَا. وَهُوَ وَارِد على قَوْله: إِذْ لَا قَائِل بقول ثَالِث فَتَأمل. وَيكون هَذَا من لُغَة من يرفع بنعم النكرَة كَمَا يَأْتِي بعد هَذَا.
وَأجَاب التبريزي فِي شرح الكافية بِأَن نَحْو نعم غُلَام رجل زيد بِنصب الْغُلَام تَمْيِيز. وَلم يقبل اللَّام. وَأَيْضًا كَونه فعلا لَا يَصح إِلَّا إِذا كَانَ مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَى الْمُعَرّف بِاللَّامِ. وَمن لَيْسَ شَيْئا من ذَلِك.
وَأما الثَّانِي فمعارض بِمثلِهِ فِي هَذِه الصُّورَة فِيمَا تقدم. أما فِي هَذِه الصُّورَة إِنَّمَا يجوز أَن يَقع فَاعِلا إِذا كَانَ مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك.
وَأما فِي غير هَذِه الصُّورَة إِنَّمَا تقع مَا فَاعِلا معرفَة إِذا كَانَ فِي غير صُورَة: نعما هِيَ ثَبت كَونهَا معرفَة غير مَوْصُولَة وَلَا يُصَار إِلَيْهِ من غير دَلِيل.
وَأما المصراع الَّذِي قبل هَذَا وَهُوَ: وَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبه فقد قَالَ ابْن مَالك: إِن مَن فِيهِ مَوْصُولَة أَيْضا قَالَ فِي شرح تسهيله: وَمِمَّا يدل على أَن فَاعل نعم قد يكون مَوْصُولا ومضافاً إِلَى مَوْصُول قَول الشَّاعِر: وَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبه............... الْبَيْت قَالَ: فَلَو لم يكن فِي هَذَا إِلَّا إِسْنَاد نعم إِلَى الْمُضَاف إِلَى مَن لَكَانَ فِيهِ حجَّة على صِحَة إِسْنَاد)
نعم إِلَى مَن لِأَن فَاعل نعم لَا يُضَاف فِي غير ندور إِلَى مَا يصلح إِسْنَاد نعم إِلَيْهِ فَكيف وَفِيه نعم قَالَ الْمرَادِي: وَلَا حجَّة فِي الْبَيْت لاحْتِمَال أَن تكون من فِي قَوْله: مزكأ مَن نكرَة مَوْصُوفَة وَتَكون نعم قد رفعت الْمُضَاف إِلَى النكرَة على مَا تقدم نَقله عَن الْأَخْفَش. اه.
وَقَوله: وَكَيف أرهب... إِلَخ الرهب محركة: الْخَوْف. وأراع بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الروع وَهُوَ الْفَزع. وزكأ بالزاي الْمُعْجَمَة والهمز فِي آخِره
أَي: لَجأ. يُقَال: زكأت إِلَيْهِ: لجأت إِلَيْهِ. والمزكأ مفعل اسْم مَكَان مِنْهُ بِمَعْنى الملجأ.
وَبشر هُوَ ابْن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة الْقرشِي العبشمي الْأمَوِي. كَانَ سَمحا جواداً. ولي إمرة العراقين لِأَخِيهِ عبد الْملك وَهُوَ أول أَمِير مَاتَ بِالْبَصْرَةِ وَذَلِكَ سنة خمس وَسبعين عَن نَيف وَأَرْبَعين سنة.
والبيتان لم أَقف على قائلهما. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع