من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد السبعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الْخَفِيف مَا بكاء الْكَبِير بالأطلال على أَن الْبَاء فِيهِ للظرفية أَي: فِي الأطلال.
وَهَذَا صدر وعجزه: وسؤالي وَمَا يرد سُؤَالِي وَهَذَا مطلع قصيدة للأعشى مَيْمُون مدح بهَا الْأسود بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ أَخا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَسَيَأْتِي بعض مِنْهَا فِي رب.
وَبعده:
(دمنة قفرة تعاورها الصي... يَفِ بريحين من صبا وشمال )
أَرَادَ بالكبير نَفسه وعذلها بِالْوُقُوفِ على الأطلال وسؤاله إِيَّاهَا ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ: وَمَا ترد سُؤَالِي يَقُول: مَا بكاء شيخ كَبِير مثلي فِي طلل. والطلل: مَا شخص من بقايا الْمنزل.
والدمنة: مَا اجْتمع من التُّرَاب والأبعار وَغير ذَلِك. فتعاوره الصَّيف بريحين مُخْتَلفين وهما الصِّبَا ومهبها من نَاحيَة الْمشرق وَالشمَال ومهبها من القطب الشمالي إِلَى الْجنُوب. والجنوب من ريَاح الْيمن.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر: اعْلَم أَن قَوْله: سُؤَالِي بعد قَوْله: مَا بكاء الْكَبِير حمل للْكَلَام على الْمَعْنى وَذَلِكَ أَن الْكَبِير لما كَانَ الْمُتَكَلّم فِي الْمَعْنى حمل سُؤَالِي عَلَيْهِ.
أَلا ترى أَن مَا بكاء الْكَبِير إِنَّمَا هُوَ مَا بُكَائِي وَأَنا كَبِير وبكاء الْكَبِير بالأطلال مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ لِأَنَّهُ اهتياج لصباً أَو تصاب وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بالكبير. وَمن ثمَّ قَالَ الآخر:
أتجزع إِن دَار تحمل أَهلهَاوَأَنت امْرُؤ قد حَملتك العشائر
فَحمل سُؤَالِي على الْمَعْنى. فَأَما قَوْله: وَمَا يُرِيد سُؤَالِي دمنة قفرة فَإِن مَا تحْتَمل ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون استفهاماً فِي مَوضِع نصب كَأَنَّهُ قَالَ: أَي شَيْء يرجع عَلَيْك سؤالك من النَّفْع وَقد يَقُول: عَاد عَليّ نفع من كَذَا ورد عَليّ كَذَا نفعا وَرجع عَليّ مِنْهُ نفع.
وَيكون دمنة منتصباً بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ سُؤَالِي. وَالْبَيْت على هَذَا مضمن.
وَالْآخر: أَن يكون نفيا كَأَنَّهُ قَالَ: مَا يرد سُؤَالِي أَي: جَوَاب سُؤَالِي دمنة فالدمنة فَاعل قَوْله:)
ترد.
وَمثل هَذَا قَوْله: وقمنا فسلمنا فَردَّتْ تَحِيَّة إِنَّمَا هُوَ جَوَاب تَحِيَّة. وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ: فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا أَي: ردوا جوابها.
وَقد قيل فِي قَوْله: فَردَّتْ تَحِيَّة قَولَانِ: أَحدهمَا: ردَّتْ التَّحِيَّة أَي: لم تقبلهَا. وَالْآخر: ردَّتْ تَحِيَّة أَي: جوابها كَمَا تقدم. وَذَلِكَ لما رَأينَا فِي وَجههَا من البشاشة وَإِن لم تَتَكَلَّم. فالتقدير: وَمَا يرد جَوَاب سُؤَالِي دمنة.
وَالْبَيْت على هَذَا مضمن أَيْضا لِأَن الْفَاعِل الَّذِي هُوَ دمنة فعله فِي الْبَيْت الَّذِي هُوَ قبل الْبَيْت الثَّانِي. فَيجوز أَن يَقُول: وَمَا ترد فيؤنث على لفظ الدمنة وَيذكر على الْمَعْنى. انْتهى.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح أدب الْكَاتِب: وسؤالي فَهَل ترد سُؤَالِي ويروى: فَمَا ترد وَلَا ترد.
ويروى: بِالتَّاءِ وَالْيَاء. فَمن روى فَهَل ترد على لفظ التَّأْنِيث رفع الدمنة وَجعلهَا فَاعِلا وَجعل وَمن روى: فَهَل يرد بِلَفْظ التَّذْكِير نصب دمنة مَفْعُولا وَجعل سُؤَالِي فَاعِلا وَمَعْنَاهُ: إِن سُؤَالِي لَا يرد الدمنة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ. وَمن روى: وَمَا واعتقد أَنَّهَا نفي جَازَ أَن يَقُول ترد بِلَفْظ التَّأْنِيث وَيرْفَع الدمنة لَا غير وَجَاز أَن يَقُول: يرد بِلَفْظ التَّذْكِير وَينصب الدمنة إِن شَاءَ ويرفعها إِن شَاءَ. ون اعْتقد أَن مَا اسْتِفْهَام قَالَ: يرد على لفظ التَّذْكِير وَجعل مَا فِي مَوضِع نصب بيرد وسؤالي فِي مَوضِع رفع وَنصب دمنة بسؤالي لَا غير.
وَمن روى: وَلَا يرد سُؤَالِي على لفظ التَّذْكِير نصب الدمنة وَإِن شَاءَ رَفعهَا. وَمن روى: وَلَا ترد على لفظ التَّأْنِيث رفع الدمنة لَا غير.
ثمَّ قَالَ ابْن السَّيِّد: وَرويت فِي هَذَا الْبَيْت حِكَايَة مستظرفة رَأَيْت إِثْبَاتهَا فِي هَذَا الْموضع.
روى نَقله الْأَخْبَار أَن طليحة الْأَسدي كَانَ شريفاً وَكَانَ يفد على كسْرَى فيكرمه ويدني مَجْلِسه.
قَالَ طليحة: فوفدت عَلَيْهِ مرّة فَوَافَقت عيداً من أعياد الْفرس فَحَضَرت عِنْد كسْرَى فِي جملَة من حضر من أَصْحَابه فَلَمَّا طعمنا وضع الشَّرَاب فطفقنا نشرب فغنى الْمُغنِي: الْبَسِيط)
لَا يتأرى لما فِي الْقدر يَطْلُبهُ فَقَالَ كسْرَى لِترْجُمَانِهِ: مَا يَقُول ففسره لَهُ فَقَالَ كسْرَى: هَذَا قَبِيح. ثمَّ غناهُ الْمُغنِي:
فَقَالَ كسْرَى لِترْجُمَانِهِ: مَا يَقُول فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ بعض جُلَسَائِهِ: شاهانشاه أشتراف أُفٍّ مَعْنَاهُ: يَا ملك الْمُلُوك هَذَا جمل ينْفخ. واشتر بلغتهم: الْجمل وأف: حِكَايَة النفخ.
قَالَ طليحة: فأضحكني تَفْسِيره الْعَرَبيَّة بِالْفَارِسِيَّةِ. قَالَ: ثمَّ غناهُ الْمُغنِي بِشعر فَارسي لم أفهمهُ فطرب كسْرَى وملئت لَهُ كأس وَقَامَ فَشربهَا قَائِما ودارت الكأس على جَمِيع الجلساء.
قَالَ طليحة: وَكَانَ الترجمان إِلَى جَانِبي فَقلت لَهُ: مَا هَذَا الشّعْر الَّذِي أطرب الْملك هَذَا الطَّرب فَقَالَ: خرج يَوْمًا متنزهاً فلقي غُلَاما حسن الصُّورَة وَفِي يَمِينه ورد فَاسْتَحْسَنَهُ وَأمر أَن يصنع لَهُ فِيهِ شعر فَإِذا غناهُ الْمُغنِي ذَلِك الشّعْر طرب وَفعل مَا رَأَيْت.
فَقلت: مَا فِي هَذَا مِمَّا يطرب حَتَّى يبلغ فِيهِ هَذَا الْمبلغ فَسَأَلَ كسْرَى الترجمان عَمَّا حاورني فِيهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ: قل لَهُ: إِذا كَانَ هَذَا لَا يطرب فَمَا الَّذِي يطربك أَنْت فَأدى إِلَيّ الترجمان قَوْله فَقلت: قَول الْأَعْشَى: مَا بكاء الْكَبِير بالأطلال الْبَيْت فَأخْبرهُ الترجمان بذلك فَقَالَ كسْرَى: وَمَا معنى هَذَا فَقلت: هَذَا شيخ مر بمنزل محبوبته فَوَجَدَهُ خَالِيا قد عَفا وَتغَير وَجعل يبكي. فَضَحِك كسْرَى وَقَالَ: وَمَا الَّذِي يطربك من شيخ وَاقِف فِي خربة وَهُوَ يبكي أوليس الَّذِي أطربنا نَحن أولى بِأَن يطرب لَهُ قَالَ طليحة: فثقل عَلَيْهِ جَانِبي بعد ذَلِك.
وَقَوله: لات هُنَا ذكري جبيرَة بِضَم الْجِيم: اسْم امْرَأَة وَهُوَ من شَوَاهِد النَّحْوِيين وَتقدم تَوْجِيهه فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع