من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فَلَا تتركني بالوعيد كأننيإِلَى النَّاس مَطْلِي بِهِ القار أجرب
على أَنه قيل إِلَى فِيهِ بِمَعْنى فِي وَالْوَجْه أَن تكون على أَصْلهَا للانتهاء لِأَن قَوْله: مَطْلِي بِهِ القار مَعْنَاهُ مكره مبغض. وَهُوَ يتَعَدَّى بإلى.
وَهَذَا تَوْجِيه ابْن عُصْفُور قَالَ فِي كتاب الضرائر: إِنَّمَا وَقعت فِيهِ إِلَى موقع فِي لِأَنَّهُ إِذا كن بِمَنْزِلَة الْبَعِير الأجرب المطلي الَّذِي يخَاف عدواه فيطرد عَن الْإِبِل إِذا أَرَادَ الدُّخُول بَينهَا كَانَ مبغضاً إِلَى النَّاس فعومل مَطْلِي كَذَلِك مُعَاملَة مبغض.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: هُوَ على تضمين مَطْلِي معنى مبغض. وَلَو صَحَّ مَجِيء إِلَى بِمَعْنى فِي لجَاز زيد إِلَى الْكُوفَة. اه.
وَقَالَ بَعضهم: إِلَى مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي: مَطْلِي بالقار مُضَافا إِلَى النَّاس فَحذف وقلب الْكَلَام. وَلَا يخفى سماجته.
والوعيد: التهديد. والقار هُنَا: القطران. وَإِنَّمَا شبه نَفسه بالبعير الأجرب المطلي بالقطران لِأَن النَّاس يطردونه إِذا أَرَادَ الدُّخُول بَين إبلهم لِئَلَّا يعرها بالقطران ويعديها بدائه.
والقار نَائِب فَاعل مَطْلِي وَبِه مُتَعَلق بمطلي. وَالْأَصْل مَطْلِي بالقار فمرفوع مَطْلِي هُوَ الْمُسْتَتر لكنه قلب. وَقيل: رُوِيَ: القار بِالْجَرِّ على أَنه بدل من ضمير بِهِ فَلَا قلب.
وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ فِي شَيْء اتهمَ بِهِ عِنْده فهرب مِنْهُ إِلَى مُلُوك الشَّام بني جَفْنَة الغسانيين كَمَا تقدم بَيَانه فِي تَرْجَمته وَاعْتذر إِلَيْهِ بعدة قصائد فِي انضمامه إِلَى بني جَفْنَة والتبري مِمَّا رمي بِهِ أَوله: إِلَى أَن قَالَ:
حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَةوَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مطلب
لَئِن كنت قد بلغت عني جِنَايَةلمبلغك الواشي أغش وأكذب
)
وَلَكِنِّي كنت امْرأ لي جَانبمن الأَرْض فِيهِ مستراد وَمذهب
مُلُوك وإخوان إِذا مَا أتيتهمأحكم فِي أَمْوَالهم وَأقرب
كفعلك فِي قوم أَرَاك اصطنعتهمفَلم ترهم فِي شكر ذَلِك أذنبوا
(فَلَا تتركني بالوعيد كأنني... إِلَى النَّاس مَطْلِي بِهِ القار أجرب
)
ألم تَرَ أَن الله أَعْطَاك سُورَةترى كل ملك دونهَا يتذبذب
فَإنَّك شمس والملوك كواكبإِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب
فلست بمستبق أَخا لَا تلمهعلى شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب
فَإِن أك مَظْلُوما فعبد ظلمتهوَإِن تَكُ غضباناً فمثلك يعتب
وَقَوله: أَبيت اللَّعْن جملَة دعائية اعْتِرَاض بهَا بَين الْفِعْل وفاعله يخاطبون الْمُلُوك بهَا تَحِيَّة.
وَمَعْنَاهُ أَبيت أَن تفعل شَيْئا تلعن بِهِ.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: أَي: أَبيت أَن تَأتي من الْأَخْلَاق المذمومة مَا تلعن بِهِ.
وَكَانَت هَذِه تَحِيَّة مُلُوك لخم وجذام وَكَانَت مَنَازِلهمْ الْحيرَة وَمَا يَليهَا. وتحية مُلُوك غَسَّان: يَا خير الفتيان. وَكَانَت مَنَازِلهمْ الشَّام.
وَتلك: إِشَارَة إِلَى الْمَلَامَة المفهومة من لمتني إِذْ الْمَعْنى: أَتَتْنِي ملامتك إيَّايَ. وأهتم أصير ذَا هم.
وأنصب: نصب كفرح أَي: أتعب وأعيا.
وَقَوله: حَلَفت قسم وَجَوَابه: لَئِن كنت وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض.
والريبة: الشَّك وَجُمْلَة: وَلَيْسَ وَرَاء الله... إِلَخ جملَة مُؤَكدَة لمضمون مَا قبلهَا فَإِنَّهُ إِذا لم يكن وَرَاء الله مطلب لأحد لم يحلف بأعظم مِنْهُ فَكيف يحلف بِهِ كَاذِبًا.
وَهَذَا الْبَيْت وَمَا بعده من الأبيات الْأَرْبَعَة اسْتشْهد بِهِ أهل البديع على النَّوْع الْمُسَمّى عِنْدهم بِالْمذهبِ الكلامي وَهُوَ إِيرَاد حجَّة للمطلوب على طَريقَة أهل الْكَلَام.
وَالْجِنَايَة: الذَّنب. والوشي: النمام. وغشه: لم يخلص لَهُ النصح. ولي جَانب من الأَرْض صفة امْرأ وَفِيه إِعَادَة الضَّمِير الرابط ضمير تكلم. وَأَرَادَ بالجانب أَرض الشَّام.
والمستراد: مَوضِع يتَرَدَّد فِيهِ لطلب الرزق. وملوك وإخوان: بدل من مستراد وَمذهب أَو بِتَقْدِير: فِيهِ مُلُوك وإخوان. وَمعنى أحكم: أتصرف فِي أَمْوَالهم كَيفَ أَشَاء.
وَقَوله: كفعلك... إِلَخ قَالَ الْأَصْمَعِي: يُرِيد كَمَا فعلت أَنْت بِقوم قربتهم وأكرمتهم فتركوا)
وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْمنزلَة الرفيعة والشرف. وبالبيت اسْتشْهد الْبَيْضَاوِيّ لِمَعْنى السُّورَة. وَملك بِسُكُون اللَّام: لُغَة فِي كسرهَا. ويتذبذب: يضطرب.
وَقَوله: فَإنَّك شمس قَالَ الْمبرد: هَذَا من أعجب التَّشْبِيه.
وَأَرَادَ بِهَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله تَسْلِيَة النُّعْمَان عَمَّا حصل عِنْده من مدحه آل جَفْنَة ثمَّ كرّ معتذراً عَن زلته فَقَالَ: وَلست بمستبق أَخا إِلَخ يَقُول: أَي الرِّجَال يكون مبراً من الْعُيُوب فَإِن قطعت إخوانك بذنب لم يبْق لَك أَخ. وتلمه: تصلحه وَتصْلح مَا تشعث من أمره وَفَسَد.
وَالْبَيْت اسْتشْهد بِهِ عُلَمَاء الْبَيَان للتذييل وَهُوَ تعقيب الْكَلَام بجملة تشْتَمل على مَعْنَاهُ للتوكيد.
وَقَوله: فَإِن أك مَظْلُوما أَي: باستمرار غضبك عَليّ. جعل غَضَبه ظلما
لَهُ لِأَنَّهُ عَن غير مُوجب. فَأَنت إِنَّمَا ظلمت عبدا من عبيدك وَلَيْسَ لأحد اعْتِرَاض فِيهِ.
وَقَوله: وَإِن تَكُ غضباناً... إِلَخ رُوِيَ أَيْضا: وَإِن تَكُ ذَا عتبى فمثلك يعتب بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يرجع لَهُ إِلَى مَا يحب. وَيُقَال: لَك العتبى أَي: الرُّجُوع إِلَى مَا تحب. وَقيل: يعتب بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل أَي: يُعْطي العتبى يُقَال: أعتبه إِذا أعطَاهُ الرِّضَا وَهُوَ العتبى.
وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع