من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
ذو المجاز ونطاة خيبر وحجر اليمامة
فإذا أهلّوا هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز، وهو قريب من عكاظ وأقاموا بها حتّى يوم التّروية، ويواتيهم حينئذ حجّاج العرب ورؤوسهم ممّن أراد الحج ممن لم يكن شهد الأسواق، وكانت العرب في أشهر الحج على ثلاثة أهواء: منهم من يفعل المنكر وهم المحلّون الذين يحلّون الحرم فيغتالون فيه ويسرقون، ومنهم من يكفّ عن ذلك ويحرّمون الأشهر الحرم، ومنهم أهل هوى شرعه، لهم صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم فإنه أحلّ قتال المحلّين.
قال أبو المنذر عن أبيه وخراش: هذا قول بني تميم، فأمّا الثبت عندنا فهو القملس الكناني وأجداده من قبله وهو الذي نسأ الشّهور- والمحلّون- طيّىء وخثعم وناس من بني
أسد بن خزيمة. وكان أشراف العرب يتوافون بتلك الأسواق مع التّجار من أجل أنّ الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكلّ شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كلّ بلد يحضر سوق بلده، إلّا عكاظ فإنّهم كانوا يتوافون بها من كل أوب ولا يوافيها شريف إلّا وعلى وجهه برقع، مخافة أن يؤسر يوما، فيكبر فداؤه، فكان أوّل من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرّسون في شمائله، قال: قبح من وطّن نفسه إلا على شرفه، ورمى بالقناع وحسر عن وجهه، قال يذكر قصته وعذره في مخالفة من قبله. شعرا:
أو كلّما وردت عكاظ قبيلةبعثوا إلى عرّيفهم يتوسّم
قال أبو المنذر عن أبيه: كان الرّجل إذا خرج من بيته حاجّا أو داجا والدّاج التّاجر في الشّهر الحرام، أهدى وأحرم، ثم قلّد وأشعر، فيكون ذلك أمانا له في المحلين. وكان الدّاج إذا انفرد وخشي على نفسه ولم يجد هديا قلّد نفسه بقلادة من شعر أو وبر، وأشعر نفسه بصوفة، فيأمن بها، وإذا صدر من مكة تقلّد من لحاء شجر الحرام. وكان الدّاج وغيره إذا أمّ البيت وليس له علم بذلك ولا هو في سيماء المحرّم أخذ المحلّون ما معه، وكانت العرب جميعا تنزع أسنّتها في الأشهر الحرم غير المحلّين والذين يقاتلونهم، فإنّهم كانوا يقاتلونهم حتى الأشهر الحرم.
وكانت الخمس تدع عرفات تهاونا بها وإخلالا، وتدع الصّفا والمروة فأنزل الله تعالى:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
الآية وأنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
الآية. هذا للمسلم:
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
فأذن لهم في الصّيد بعد أيّام التّشريق وحرّم عليهم الذي أهلّ لغير الله به مع المنخنقة بالحبل إذا لم تدرك زكاتها، فهي حرام، والموقوذة كانوا يقذون الدّابة العضل من الإبل- والبقر- والغنم- ليرخص لحمها. والمتردّية التي تردى في بئر أو من جبل. والنّطيحة التي تنطحها شاة أخرى فتموت. وما أكل السّبع إلا ما زكّيتم أدركتموه وبه حياة. وما ذبح على النّصب يعني آلهتهم التي كانوا يعبدون من دون الله.
قال أبو المنذر: وتزعم مضر أنّ أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم، يكون ذلك في أفخاذهم الموسم على حدة- وعكاظ على حدة- وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظّرب العدواني- وسعد بن زيد مناة بن تميم- وقد فخر المخبّل بذلك في شعره فقال:
ليالي سعد في عكاظ يسوقهاله كلّ شرق من عكاظ ومغرب
ثم وليه حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ثم وليه ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم وليه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ثم وليه ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، ثم وليه
معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، ثم وليه الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ثم وليه صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم. فكان آخر من اجتمع له الموسم والقضاء بعكاظ. ثم قتل رجل من محارب بعكاظ فادّعى واحد قتله في قوله:
فإن فخرت يوما رجال محاربفيا طعنة ما قد طعنت أخا حرّ
فشدّ عليه رجل من محارب بعكاظ فقتله، فقال: بؤباخي حر. وقد ذكر ذلك شعراؤهم ثم وليه سفيان بن مجاشع بن دارم، فمات فافترق الأمر فلم يجتمع القضاء والموسم لأحد منهم حتّى جاء الإسلام، فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، فمات فصار ذلك ميراثا لهم.
وكان آخر من قضى منهم ووصل إلى الإسلام الأقرع بن حابس.
وأجاز بالموسم أحد بني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان آخر من أجاز منهم كرب بن صفوان بن حباب بن شجنة بن عطارد بن عوف وهو الذي قام عليه الإسلام.
قال أبو بكر الدّريدي: لم يكن حديث الأسواق في كتاب أبي عبيدة وإنمّا ألحقه أبو حاتم فنقلناه من كتابه.
فلمّا دخلت سنة خمس وثلاثين من عام الفيل وذلك قبل المبعث بخمس سنين حضر السّوق من نراز واليمن- ما لم يروا أنّه حضر مثله في سائر السّنين فباع النّاس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد وابتاعوا أمتعة مصر- والشّام- والعراق- وفيمن حضر السّوق عمرو بن شريد السّلمي وابناه معاوية وصخر، وحضر معمر بن الحارث بن الخبيري بن ظبيان بن حن بن حزام بن كثير بن عذرة جد جميل بن عبد الله الشّاعر، فلمّا نظر إلى عمرو صافنه وأمر ولده أن يخدموه، ففعلوا فلمّا تقوّضت السّوق دعا عمرو بن الشّريد ابنيه صخرا ومعاوية فقال لهما: إنّ معمرا قد طوّقني ما لم يطوّقني أحد من العرب، وقد أحببت أن أكافئه، فقالا: افعل ما بدا لك، فدعا بكاتب وصحيفة فكتب: هذا ما منح عمرو بن الشّريد السّلمي معمر بن الحارث بن الخيبري بن ظبيان بن حن بن حزام العذري منحه ماله بالوحيدة من أخلاف يثرب أطلال ذلك ومغانيه- ورسومه- وأعراصه- ودواويه- وزحاليفه- وقريانه- وبرادغه- وقسوره- وعجرمه- وبشامه- وينعه- وتاليه- وحماطه- وشبحه- وأراكه.
وأجزته- وحذاريه- وآكامه- وبرقه- وعلجانه- وكل ما صاء وصمت فيه- وبكت السّماء عليه- وضحكت الأرض عنه- فهو لمعمر دون عمرو، وممنوح به من نيات الصّدر- لا يشوبه كدر الامتنان- ولا أمارات الامتهان- مستنزل من هضاب الجندل وجرثومة ودّ بعيد المحل، لا تخلق الأيام جدته- ولا يركد لمتنسم بارحه ما دام الزّمان- وتوقّد الحران-
وسمر ابنا سمير، وأقام حراء وثبير. وكتب لخمس وثلاثين عاما خلت من عام الفيل. ثم بعث بالكتاب مع طرف من طرائف اليمن وعدد إلى معمر. قال الأصمعي: فهي باقية إلى الآن يفض على ولده دخلها وذلك في أيام الرّشيد رحمه الله تعالى.
وقال ابن كناسة: إذا غابت الثّريا مع غيوب الشّمس لم ترها أربعين يوما وذلك أفولها، قال: وأهل الشّام يطلعونها لخمس وعشرين من غير أن تطلع أو يروها، فيقيمون أسواقهم فتقوم سوق (دير أيوب) وهي أول أسواقهم المذكورة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين يوما.
ثم تقوم سوق (بصرى) قال فأدركتها تقوم خمسا وعشرين ليلة، وأخبرت أنّها كانت تقوم بولاية بني أمية ثلاثين إلى أربعين ليلة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين ليلة.
ثم تقوم سوق (أذرعات) وهي اليوم أطولها قياما، وربما لقيت النّاس صادرين منها وأنا وارد. ثم أصدر قبل أن تقلع، يقال: قلعت السّوق خفيفة.
قال: وزاد بعضهم في الأسواق (المجنة) وهو قريب من ذي المجاز والأسقى خلف حضرموت.
قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعدّ مآثره، وأيّام قومه من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيّامها وفخرها وكانت المنابر قديمة يقول فيها حسّان ﵁ شعرا:
أولاء بنو ماء السّماء توارثوادمشق بملك كابرا بعد كابر
يؤمّون ملك الشّام حتى تمكّنواملوكا بأرض الشّام فوق المنابر
وكانوا إذا غدر الرّجل، أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل يخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إنّ فلان ابن فلان غدر فاعرفوا وجهه، ولا تصاهروه، ولا تجالسوه، ولا تسمعوا منه قولا فإن أعتب وإلّا جعل له مثل مثاله في رمح، فنصب بعكاظ فلعن ورجم وهو قول الشّماخ شعرا:
ذعرت به القطا ونفيت عنهمقام الذّئب كالرّجل اللّعين
وإنّ عامر بن جوين بن عبد الرّضى رفعت له كندة راية غدر في صنيعه بامرئ القيس بن حجر في وجهه إلى قيصر، ورفعت له فزارة راية وفاء في صنيعه بمنظور ابن سيار، حيث اقحمته السّنة فصار بماله وإبله وأهله إلى الجبلين، فأجاره ووفى وصار النّاس بين حامد له، وذام فذهبت مثلا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع