تجاوز إلى المحتوى

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)

ذكر ما جاء في العربدة

شرب الحسين بن الضحاك الخليع يوماً عند إبراهيم بن المهدي فجرت بينهما ملاحاة في الدِّين والمذهب، فدعا إبراهيم بالنطع والسيف وقد أخذ منه الشراب، فانصرف الحسين غضبان، فكتب إليه إبراهيم يعتذر من ذلك وسأله أن يجيبه فكتب إليه الحسين:

نديمي ليس منسوباًإلى شيءٍ من الحيفِ

سقاني مثل ما يشرب فِعلَ الضيف بالضَّيفِ

فلما دارت الكأسدعا بالنطع والسيفِ
للشاعر الحلاج، من قصيدة «نديمي غير منسوب»

كذا من يشرب الراح مع التنِّين في الصيف

ولم يعد إلى منادمته [ثم أن إبراهيم تحمَّل عليه ووصله فعاد إلى منادمته].

وكان إبراهيم بن المهدي يلقب بهذا البيت أو لقب به من قبل.

ويقال أن عمر بن هبيرة الفزاري كان إذا سكر عربد على ندمائه وكان قصيراً، فقال يوماً لنديم له يقال له غيداق وكان طويلاً: أينا أطول، أنا أم أنت؟ فقلت: وقعت والله في شرٍّ، إن قلت أنت قال تهزأ بي، وإن قلت أنا، قال تحقرني، فقلت: أيها الأمير أنا أقصر منك ظهراً وأنت أطول مني ساقاً وفخذاً، فقال لي: ما أحسن ما خلصت منها.

وقال محمد بن خالد الأصفهاني:

لعمري بالنبيذ وشاربيهإذا شربوه زادهُم سكونا
وحيّا بعضهم بعضاً عليهولم يُلفوا عليه مُعربدينا
فإياك النبيذ أحال بعديفأورث من يعاقره جنونا
أرى الندماء قد رذلوا فليسواكما كان النِّدام الأولونا

ومرَّ إبراهيم الموصلي بصبية تُسلي الناس على الجسر اسمها (نَظْم) فسمع لها صوتاً عجيباً أطربه فأمر بحملها إلى منزله وتزوجها وعلّمها الغناء فبرعت فيه، وطرب الرشيد ذات ليلة وقد أخذ منه النبيذ، فركب حماراً وسار إلى دار إبراهيم متنكراً، فأخرج إليه إبراهيم جواريه خلف ستارة، وفيهن نظم، فغنَّت أحلى صوتٍ وأنغمه وأملحه، فقال لإبراهيم: من هذه الجارية؟ فقال: صبيَّة اشتريتها، فأفردها وأمرها فغنَّت مفدرة غناءً أطربه، فوثب إلى الستارة فهتكها، فإذا صبيةٌ ملفوفة، فضحك وقال لإبراهيم: ويلك ما هذه، فأخبره بقصتها، فشرب على غنائها حتى سكر ومكثت في دار إبراهيم إلى خلافة المعتصم، وكانت لها نوبةٌ في داره، وكانت شديدة العربدة، فكلمت المعتصم ذات ليلةٍ بكلام غليظ، قالت له في بعضه: إني أُمٌّ من أُمهاتك تعرَّض لها الرشيد وقد وطِئها؛ فأمر المعتصم بنفيها إلى السند فنُفيت إلى السند.

وكان عمر بن موسى البرمكي يلي السند، فعربدت عليه ليلةً فقتلها.

قال الشاعر:

ونديم معربدمفسدٍ كلَّ مقعَدِ

إن تعاتبه باللِّسان يعاتبك باليَد

وقال آخر:

لا تشربن ومعربداً في مجلسٍإلا وعندك من دَمِ الأخوين
ريحانُهُ بدمِ الشجاع مخضَّبٌوتحيَّة الندمان لطم العين

وقال آخر:

رأيت القلب كاد يطير لمَّارأيت معربداً يَهوِي إلينا
فقلت وقد سمعت له نخيراًحوالينا الصدود ولا علينا

وقالت الحكماء: استعذ بالله من جليس السوء فإن الشرَّ منه لا يكاد يخطئك.

وحكى عمرو بن بحر الجاحظ عن الأصمعي قال: عربد بعض المجَّان على القمر فقال له: والله إنك لتغيِّر الألوان، وتصفر الأسنان وتخدِّر الأبدان وتفضح السكران وتظهر الكتمان وتبيض الأُرجوان وتلحس الزعفران وتهزل الحيتان وتمحق الأدمغة في النقصان. وقالوا: إن سبب العربدة لا يكون ممَّن بلغ به السُّكر ولا ممن لم يشرب، ولكن يكون ممن توسط هاتين الحالتين لأن من بلغ منه السكر لم تكن له حركة صحيحة ولا إرادة تامة. وأما من لم يشرب فإن عقله ثابت وحكمه، فيما يحكم به، على الصواب، وأما المتوسط، فليس في حدّ من عقله ثابت وتمييزه صحيح، ولا في حدِّ من بلغ في سكره مبلغ من قد بطلت معرفتُهُ. فعند ذلك يكثر فكره ويسوءُ ظنُهُ ويتخيل أشياءَ على غير ما هي عليه في الحقيقة، فيستخف ببعض أصحابه أن بعضهم قد استخف به فيعربد حينئذس من غير أصل. فما وجدت لمن كانت هذه حاله واخترت في مثلها أفعاله إلا كما قال بعضهم:

لذتي في اثنتين ليمن بديع التمرُّدِ

صفع من تاه بالغناء وضرب المعربد

ولذلك اختار بعضهم التفرد على الصاحب السوء والخدين المعربد للمثل السابق في قولهم: الوحدة خير من خدين السوء.

وكان بالبصرة مجنون يقال [له] عبَّاس، فدعا أصحاباً من المجانين وأطعمهم وسقاهم نبيذاً، فعربد أحدهم، فأخذ بيده وأخرجه وأغلق بابه دونه ثم دخل وهو يقول:

ومعربدٍ أخرجتهلما تعرَّض للندامى
أغلقت بابي دونهوتركته يرعى الخُزامى
يرنو بمقلةِ مغضبٍنظر الوصيِّ إلى اليتامى

وعربد فتىً من بني هاشم على قومٍ فأراد عمُّه أن يعاقبه فقال: يا عم إني أسأت وليس معي عقلي فلا تسيء بي ومعك عقلك.

وحضر مغن مع قوم فعربدوا، فقام ليصلح بينهم فأخذوا بحلقه فجعل يصيح: معيشتي يا قوم، الله الله في معيشتي، يريد أن معاشه من حلقه. وحكى المدائني قال: شرب رجل من بني ثعلبة يقال له المعدل، ورجل من بني عجل، وكانا يتنادمان ويدمنان الشرب، فقال العجلي يوماً وقد سكر:

ألا فاسقياني على لذةٍبفضل لُجَيمٍ على ثعلبة

فقال المعدل:

ومخزية قالها فاسقلئيم القفا معرق الأرنبة
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

وضرب العجلي فقتله وهرب فاستجار بنهش بن ربيعة العتكي فأجاره وطلبه بنو عجل فمنعته العتيك وحملوا عند الدية. فقال المعدل:

جزى الله فتيان العتيك وإن نأتبي الدار عنهم، خير ما كان جازيا
خلطوني بالنفوس وأحسنواالثواية، لما حُمَّ ما كان آتيا
كأن دنانيراً على قسماتهمإذا الموت في الأبطال كان تحاسيا

وقال عبد الصَّمد المعذَّل يهجو المبرِّد:

يا رب إن كنت ترى المُبرِّدا

إن قاس في النحو قياساً أفسدا

ويكسر الشعر إذا ما أنشدا

وإن تحسَّةى الكأس يوماً عربدا

فاقدُدْ له حيَّة قُفٍّ أسودا

أنيابه عوج كأمثال المدى

لو نكز الفيل العظيم الأربدا

بنابه جرَّعه كأس الرَّدى

قال: فقلت له: أتهجوني؟ فقال: ما هجوتك، إنما قلت: إن قاس في النحو قياساً أفسدا. وأنت لا تفسد القياس. وقلتُ: يكسر الشعر، وأنت لا تكسره، وقلت: وإن تحسَّى الكأس يوماً عربدا، وأنت لا تعربد، فما الذي يلزمك من هجائي؟ قال المبرِّد: فعزمت أن أُعربد عليه، فاجتمعنا يوماً، فقام ليبول، فقلت: إلى أين؟ قال: أبول، فقلت منتهراً: وكأنك فضلت البول علينا، فقبَّل رأسي وقال: أنا أعربد منذ ثلاثين سنة ما أحسنت قطّ مثل هذا.

ويروى أن سبب تحريم الخمر في أوَّل الإسلام كان من حمزة بن عبد المطلب وعقره بعيري عليّ (رض) وقد تقدمت هذه الحكاية مشروحة في صدر هذا الكتاب.

وكان النعمان بن المنذر شديد العربدة قتالاً للندامى، وكان له نديم يقال له عمرو بن عمار الطائي، من أعلم الناس وآدبهم، فنهاه أبو قردودة عن منادمته فلم ينته حتى عربد عليه ليلةً فقتله، فقال يرثيه:

إني نهيتُ ابن عمار وقلت لهلا تأمنن أحمر العينين والشَّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهمتطر بثوبك من نيرانهم شرره
يا جفنة بإزاء الحوض قد هدمواومنطقاً مثل وشي اليمنة الحبِرة

وقد تقدم خبر جذيمة الوضاح وعربدته على نديميه، ملك وعقيل، حتى قتلهما بعد أن نادماه أربعين سنة ما أعادا عليه فيها حديثاً، وقد تقدم فيما مضى في بدءِ الكتاب.

وقالوا: كان بالبصرة رجل شديد العربدة، وكان له إخوان ظراف صابرون عليه، وهو لا يدع العربدة على حالٍ، فقالوا يوماً: تعالوا نحترز منه ما استطعنا، ولا نجعل له طريقاً إلى العربدة، قال: فأخذوا في تجنبه ومسارعته فساعدوه على كل ما أحب فضاق صدرُه، ولم يجد ما يتوسل به، إذ سمع صائحاً في الدار يقول: يا أبا روح، فنخر وقال: أبو [روح] كنية فرج، وفرج إذا صُحِّف فهو فَرْخ، وفرخ هو ولد زنا، وأنا والله المراد بذلك، ثم أخذ في أخلاقه من العربدة وكسر الماعون وضرب القوم، فعلموا أنه لا يملك الصبر عن أخلاقه فانقطعوا عن عشرته.

وكان للنعمان بن المنذر نديم يقال له سعد، فقال له بعض الندماء يا سعد لقد خضمك الهُمام بشرابه حتى لقد كدت تنقد شحماً وتقطر دماً، قال: ذاك لأني آخذ ولا أُعطي، ولا أُلام ولا أُخطي، وأنا الدهر جذلٌ مسرور، وفرحٌ محبور، فسمعه النعمان من حيث لا يعلم، فجرَّد السيف ودخل عليه، فقال: أنت القائلك أُخطي ولا أُلام، فخبطه حتى مات.

وكان المتوكل قد دعا أبا يوسف يعقوب بن السكيت إلى منادمته، فشاور بعض إخوانه من العلماء، فكل حذره وأشار عليه ببعد السلطان في تلك الحال، فغلبه هواه، ونادمه أياماً، فسكر المتوكل يوماً ونظر إلى المنتصر والمعتز ولديه قائمين على رأسه، فالتفت إلى ابن السكيت فقال: أيهما أفضل، هذان أم الحسين والحسن ابنا فاطمة، فقال: بل قنبر عبدهما أفضل من هذين ومن أمهما، فقال: خذوا برجل ابن الفاعلة، فجُرَّ برجله من بين يديه وكان آخر العهد به.

وأنشد لأبي نواس:

وإذا رام نديمي عربدةفاقرعن بالكأس من كبده
كرِّر الخمر عليه بحْتةًكي تقيم الخمر منه أوده
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وإذا رام نديم عربده»
ثم وسده، إذا ما غلبتسورة الكأس عليه، عضُده
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وإذا رام نديم عربده»
خصلتا سوءٍ تشينان الفتىحيثما كان، الخنا والعربدة
وشياطين من الأُنس هُمُأحدثوا الفتك، غواة مردة
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وإذا رام نديم عربده»
قد سَقيت الخمر حتى ثملواليلةً ذات رياح حَرِدة
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وإذا رام نديم عربده»

وقال آخر:

ونديم إن أنت نادمته مُتَّ بالندم

حجر المنجنيق ليس يبالي بمن صدم

وقال آخر:

لا تقعدن ومعربداً في مجلسٍإلا وترسٌ في شمالك واقِ
وبكفك اليمنى حُسامٌ صارمٌعضبٌ يقط جماجم الأعناقِ
فبذاك تنجو إن نجوت وخير منهذا اجتنابُ مجالسِ الفساق

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.