من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)
باب أدب السقاة
يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ساقي القوم آخرهم شرباً. وأُتي ﵊ بإناءٍ من لبنٍ فشرب منه، وكان على يمينه غلامٌ حديث السن، وعن يساره أبو بكر " رض " ودفعه إلى الغلام، وقال: الأيمن فالأيمن. ومما دلَّ على مذهب الجاهلية في إدارة الكأس على اليمين قول عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنَّا أُمَّ عمرٍووكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرُّ الثلاثة أُم عمرٍوبصاحبك الذي لا تصبحينا
قالوا: ولا ينبغي أن يكون الساقي إلا مليح الوجه نظيف الثوب طيب الرائحة أديباً ظريفاً إن سكر أحدٌ من الشراب فأشار إليه بالإعفاء من النبيذ، فعل، ولم يُكره أحداً على الشراب، وأدار الكأس عن يمينه، فإن الأدب فيه موافقة سنَّةِ الإسلام لمذهب الجاهلية.
قال عبد الله بن المعتز بالله:
قد حثَّني بالكأس أ، َّل فجرهساقٍ علامةُ دينه في خصره
وكأنَّ حُمرة خدِّه من لونهاوكأن طيب نسيمها من نشرِهِ
حتى إذا صبَّ المزاج تبسمتعن ثغرها فحسبتها من ثغِهِ
وقال أبو نواس:
لا نَستَخِفُّ بساقينا لغِرَّتِهِولا يَرُدُّ عليه حكمه أحد
وقال أبو نواس أيضاً:
عوجا بنا نصطبح معتَّقةمن كفِّ ظبي يسقيكها، فَطِنِ
يخبر عن طيبه مُجالسُهمكتحلُ المقلتين بالفِتَنِ
قال له الله كن على قدرٍفكان بين الهزال والسِّمَنِ
حتى إذا ما الجمال تمَّ لهوالظرف، قالا له كذا فكُن
ما تنظر العين منه ناحيةإلاَّ أقامت به على حَسَنِ
وقال ابن المعتز:
يطوف بالراح بيننا رشُمُحكم في القوب والمُقّلِ
أفرغَ نوراً في قشر لؤلؤةٍفحِلَّ عن قيمةٍ وعن مثل
يكاد لحظ العيون حين بدايسفِك من خدِّه دمَ الخَجَلِ
وحضر قوم من أهل الأدب عند عليٍّ بن محمد العلوي فأبرز غلاماً له نفيساً في قراطقه فجعل يسقيهم ويستحثهم فأخذت عيونهم منه مأخذها، فلما رأى ذلك مولاه أمره بالانصراف وتولى هو سقيهم وخدمتهم وأنشأ يقول:
كأنما يسعى، لوجدي به،من بينهم في ثِني أحشائي
أغار من وقفته كُلَّماقال لحاسي الكأس مولائي
حتى لقد أمسوا، وهم إخوتيمن شدةِ الغيرة أعدائي
واصطبح أبو تمام يوماً عند الحسن بن وهب، وكان مع أبي تمام غلامٌ له رومي يحبه حباً شديداً، وعلى رأس الحسن غلام آخر كأنه الشمس، فطفق الحسن يلحُّ بالنظر إلى الرومي، فلما أدمَن ذلك؛ دعا أبو تمام بدواة وقرطاس وكتب فيها:
سبحان من سبّحته كلُّ جارحةٍما فيك من طمح العينينِ والنظر
إن أنت لم تدع السير الحثيث إلىجآذر الرُّوم أعنقنا إلى الخزر
فاستحيا الحسن بن وهب، ووهب له الغلام.
وقال أبو نواس:
غادِ المدام بكفِّ ظبيٍ أهيفِيسقيكها صرفاً وغير مُصَرَّفِ
وشت العُقار بوجنتيه فأبدتاللناس وردَ حديقةٍ لم تُقطف
فالق الحرامَ، إذ لقيت، بمثلهوامزج سلافة ريقه بالقرقف
وقال أيضاً:
لا تبكِ ربعاً أقوى ولا طللاولا تصف ناقة ولا جملا
وعاطني قهوةً إذا مُزجتأرتك منها في نفسها شُغُلا
بكف ساقٍ يُزهى على غصنِ البانِ إذا ما انثنى وما اعتدلا
إذا سقاني العُقار جمَّشهُطرفي فيحمر خدُّه خجلا
وقال أيضاً:
طاف في قرطقٍ وقد عقد الزنار من فوق خصره تسعينا
بعقار تنفي الهموم وتستخرج شوقاً من الفؤاد دفينا
طاف سعياً بها فخلت طلوع الشمس ليلاً والبدرمما يلينا
ولقد راع ذاك قوماً على بعدٍ فصاحوا: الصلاة يا غافلينا
وقال أيضاً:
وقائلٍ لي: أفق يوماً، فقلت لهمن سكرة الحب أو من سكرة الكاسِ
لا أشرب الراح إلا من يدَيْ رشإٍمهفهف كقضيب البان ميَّاسِ
قل للذي لام فيه هل ترى كَلِفاًبأملح الناسِ إلا أملح الناسِ
ومن الناس من يختار سقي الوصائف المقرطقات المنصَّقات المتشبهات بالغلمان رشاقةً وخفةً.
قال أبو نواس:
من كفِ ذات حِرٍ، في زيِّ ذي ذكرٍلها محبَّان لوطيٌّ وزنَّاءُ
قامت بإبريقها والليل معتكرفلاح من وجهها في البيت لألاءُ
فأفرغت من فم الإبريق صافيةًكأنما أخذها بالعقل إغفاءُ
رقّت عن الماء حتى يمازجهالطافةً، وجفا عن شكلها الماءُ
وقال ابن المعتز:
لا شرب إلا بكفِّ ساقيةٍذات دلالٍ في طرفها مَرَض
كأن في الكأسِ حين تمزجهانجوم درٍّ، تعلو وتنخفض
وقال الصنوبري:
عاتِقٌ في الدِنان بكرٌ أدارتها علينا عواتِقٌ أبكارُ
كل مجدولةٍ يجول الوشاحان على خصرها ويشجى السِوار
يُقطف الياسمينُ من جسمها الرَّطب ويُجنى من خدِّها الجُلنارُ
وقال ابن المعتز:
قد سقتني خمراً وريقاً كخمرٍبنت عشرٍ في كفّها بنت عشر
ذرَّ في وجهها الملاحة ذَرًّاخالقٌ هزَّ غصنها تحت بدرِ
وقال آخر:
وساقٍ صبيحٍ دعوتهفقام وفي أجفانه سنة الغمضِ
يطوف بكاساتٍ علينا كأنجمٍفمِن بين منقضٍّ وغير منقضِّ
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاًعلى الجواد دُكنا وهي خضرٌ على الأرض
يطرِّزها قوسُ السماءِ بحمرةٍعلى أخضرِ في أصفرٍ وسط مبيضِّ
كأذيال خوْدٍ أقبلتفي لائلٍمصبَّغةٍ والبعضُ أقصَرُ من بعضِ
وقال ابن المعتز:
لبسنا إلى الخمار والنجم غائرٌغلالة ليلٍ طُرِّزت بصباح
فظلت تدير الكأس أيدي جآذرٍعتاق دنانير الوجوه ملاح
وقال:
درى كيف يطرد أوجالهفروى من الخمر أوصاله
وبادرها قهوةً مُرَّةتُقرب للمرءِ آمالهُ
بكفٍّ هضيم الحشا كالهلالأوفى به السعدُ إكمالهُ
ولولا مخافة ربِّي لقلتُ لم يخلق الله أمثالهُ وقال:
تدور علينا الكأ من كفٍّ شادِنٍله لحظ عين يشتكي السُّقم مُدنفُ
كأن سُلاف الخمر من ماء خدِّهزعنقودها من شعرها الجعد يُقطف
وقال البحتري:
ألا ربَّ كأسٍ قد سقاني سلافهارهيفُ التثنِّ، واضح الثغر أشنبُ
إذا اختضبت أطرافه من شعاعهارأيت لجيناً بالمدامة يُذهب
وقال أبو نواس:
ومهفهف يجري الوِشاح بخصرِهِويضيق عنه دملُجٌ وسِوارُ
نازعته صهباء تحسب أَنَّهابرقٌ تأَلَق ضَوءُه أو نار
وقال الصنوبري:
وهضيم الحشى يجول وشاحاه ويشجى الردفين منه الإزار
ثغره لُؤلُؤٌ، وريقته خمر شمولٌ وخدُّه جُلنار
هو كالبدر بل إن نورَ البدر من نور وجهه يستعارُ
صَرَعتني عُقار عينيه سُكراًقبل تسطو براحتيه العُقار
وقال ابن المعتز:
وندامايَ في شبابٍ وعيشٍأتلفت ما لهم نفوسٌ كِرامُ
بين أقداحِهِم حديثٌ قصيرٌوهو سحرٌ وما عداه كلام
وكأن السُّقاة بين الندامىألفاتٌ على السُّطور قيام
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع