من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)
ذكر ما جاء من الاختلاف في الأشربة
أما تحريم الخمر فمُجمَعٌ عليه، لا اختلاف فيه بين اثنين من الأئمة والعلماء وتحريم النبيذ مختلفٌ فيه بين الأكابر من أصحاب رسول الله (ص) والتابعين بإحسان حتى لقد اضطر محمد بن سيرين مع علمه وورعه، أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ، فقال له عبيدة: اختلف علينا في النبيذ. وكان عبيدة ممن أدرك أبا بكرٍ وعمر، فما ظنُّك بشيءٍ اختلف فيه الناس وأصحاب النبي (ص) متوافرون، فمن بين مطلِقٍ وكاره، وكلٌّ يقيم الحجة لمذهبه والشاهد على قوله، والنبيذ كل ما نبذ في الدباء والمزفِّت فاشتد حتى يسكر كثيره، وما لم يشتد فليس يسمّى نبيذاً، كما أنه ما لم يغل من عصير العنب فليس يسمى خمراً. قال الشاعر:
نبيذ إذا مرَّ الذباب بدنِّهِتقطَّر أو خرَّ الذُّبابُ وقيذا
وقيل لسفيان الثوري، وقد دعا بنبيذ فشرب منه، ووضعه بين يديه: أبا عبد الله، لو غطيته لئلا يقع فيه الذباب فقال: قبَّحه الله، إذا لم يذبَّ عن نفسِهِ.
قال حفص بن غياث: كنت عند الأعمش، وبين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قومٌ من طلبة الحديث فسترته فقال: لم سترته؟ فكرهت أن أقول لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب، فقال لي: هيهات هو أمنع من ذلك جانباً، ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرَّمها الله في الكتاب ما اختلف في تحريمه اثنان.
قال محمد بن وضاح: سألت سحنوناً فقلت له: ما تقول فيمن حلف بطلاق امرأته، إن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرَّمها الله ﷿ في كتابه، قال: بانت منه زوجته.
قال أبو محمد بن قتيبة: أما الذين ذهبوا إلى تحريمه كله ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر وبين ما طبخ وبين ما نُقع وبين ما اشتد وما سَهُل، فإنهم غَلوا في القول واشتدوا في الحذر ونحلوا قوماً من البدريين ومن خيار التابعين وأئمة السلف المقتدى بهم في الدين شُرْب الخمر، وزيَّفوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل، فاتهموا القوم ولم يتهموا نظرهم، ونحلوهم الخطأ وبرَّؤوا منه أنفسهم.
وقد كان قوم من الصحابة يرون المتعة بالنساء جائزة ويفتون بها، منهم ابن مسعود وابن عباس، وجماعة غيرهما، ومن التابعين عطاء وطاووس وسعيد بن جبير وهي عند غيرهم زنى، فهل يجوز أن يقال: هؤلاء زَنوا، وأفتوا به على التأويل. وأما الآخرون الذين ذهبوا إلى تحليل ما دون السُّكر منه، فإنهم أفرطوا في الإطلاق كما أفرط الأولون في الحظر، ولو كان ما احتجوا به في حديث ابن مسعود، في نسخ تحريم المسكر بتحليله، وأنه حضر من التحليل ما غاب القوم عنه، صحيحاً لما عدلنا عن القول به إلى غيره ولرأيناه شبيهاً بالمتعة لأن الله جلَّ ثناؤه رخص فيها فقال: لا جناح عليكم فيما استمتعتم به منهنَّ، فأذن رسول الله (ص) بها فاستمتع المسلمون، ثم حرَّمها رسول الله " ص " إلى يوم القيامة، ولم يحضر التحريم إلا ال من الصحابة، وقُبض رسول الله " ص " فأقام كثير منهم على الفتيا بها، فاتبعهم على ذلك قوم من التابعين، وشبيهاً بالظروف التي كان نهى عن الانتباذ فيها ثم أذن في ذلك فقال: انتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً، وفي حديث آخر: ولا تسكروا. وكما نهى عن زيارة القبور ثم رخَّص في ذلك فقال: زوروها ولا تقولوا هجراً. وكما نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وأطلق ذلك، فقال: كلوا وادخروا ما بدا لكم. ولكنا لم نرَ أهل الأثر يثبتونه عندهم، وهم عندنا القدوة في معرفة صحيح الأخبار وسقيمها، وإذا كان ذلك لا يصح فكيف يجوز لنا أن نُحِلَّ المسكر وقد حرَّمه رسول الله " ص " بالأخبار الصحاح [و] الطرق الممتنعة عن حيَل الناس، فإن قال قائل: إن السُّكر هو الشربة المسكرة والقدح المنيم أكذبه النظر، لأن القدح الآخر إنما أسكر بالأول وكذلك اللقمة الأُخرى، إنما أشبعت باللقمة الأُولى، والجرعة الأُخرى إنما أروت بالجرعة الأُولى، وتلك الشربة التي أسكرت المعاقر عندهم لو جعلت [أول] شربة لآخره لم تسكره. وقوى الحبل إذا اجتمعت وأُمرت ثم اتخذ منها مرس يوثق به البعير لم تكن قوة منها أولى بحبس البعير وضبطه من الأُخرى، فكيف يعرِف القدح المسكر [من شرب] فيجتنبه إلا بالظن الذي قد يخطئُ ويصيب.
وأما من قال إن الحديث: كل مسكرٍ حرام، وفي بعضها، كل مسكر خمر، فهل يجوز أن يكون كل مسكر خمراً، وإنما كان له أن يُعارض هذه الأخبار، بهذا التأويل لو وجد له أصلاً في الروايات الصحاح فيجعله شاهداً، لما قال وتوهم على الناقلين لِما خالف مذهبه الغلط، ومن قال أن السكر حرامٌ فإنما ذلك مجاز من القول، والحقيقة، ما يكون منه السكر حرام، ومثل ذلك التخمة، حرام، وإنما يريد أن أكلك ما تكون منه التخمة حرام.
وأما الفرقة التي أحلت بالنار، فإنها أيضاً غلت في القول فشربت الشديد والعتيق الذي يسكر بعضُه وحَرَّموا الفقاع لأن النار لم تمسه، وهذا الذي أحلوه أشدُّ إسكاراً من الخمر وأصعب خماراً وأبطأ تحللاً، وأما الذين حرموا بالظروف وأحلوا بها فرأوا الحلوَ والنقيع في الجر حراماً، و ﴿ا، االصلب الشديد في السقاء حلالاً والظروف لا تَحِلُّ ولا تُحَرَّم، وإن ما ذكره رسول الله " ص "، الظروف المزفتة والحنتم، لأن النبيذ يشتد فيهما ويتصلب فنهى عنها، ثم أذن فيها فقال: اشربوا في كل ظرفٍ ولا تسكروا.
قال ابن قتيبة: وأما ما نذهب إليه ونراه عدلاً من القول خارجاً عن الإفراط [والتقصير]، فتحريم الخمر بالكتاب وتحريم المسكر بالسنة، والمحرم ما حرَّمه الله تعالى نصاً في القرآن نحو، الميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا فرض على المسلمين أن يجتنبوه، فمن طعم شيئاً منه عامداً غير مستغفر منه ولا نادم عليه كانت النار مثواه إلاَّ أن تلحقه رحمة الله التي وسعت كل شيء وعفوه الذي لا ييأس منه إلا الكافرون؛ وترك الفرائض، نحو الصلوات الخمس وزكاة المال وصوم شهر رمضان، فمن ترك شيئاً من هذا ثم لقي الله غير مستغفرٍ منه ولا نادم عليه فهو بحال الأول.
ومحرَّم آخر حرَّمه رسول الله " ص "، كسباع الطير والوحش ولحوم الحمر الأهلية، وكتحريمه الحرير والديباج، وهذا واجب على المسلمين أن يحرموه، وليس كوجوب الأول، ولا التغليظ فيه على من خالف كالتغليظ في الأول، وقد أتت الرخصة في بعضه كالقليل من الديباج يكون في الثوب والقليل من الحرير. واستأذن عبد الرحمن بن عوف رسول الله " ص " في لبس الحرير لعله كانت به فأذن له. ولا بأس إذا خالطه في نسجه القطن إذا لم يكن بحتاً، وكان كالتفريط في صلاة الوتر وركعتي الفجر، فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر والعصر.
وروي أن البراء بن عازب تختَّم بالذهب، وأُصيب أَنف عرفجة بن سعد يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أَنفاً من ورق فأنتن فأمره النبي " ص " أن يتخذ أنفاً من ذهب.
وكان شريح يقضي بين الناس على جلد أسد، وقد أجمع الناس على أن من أكل لحم ثعلب ليس كمن أكل لحم ميتة، ومن لبس جلد سمور ليس كمن لبس جلد خنزير، ومما يدل على هذا أيضاً حديث رفعه إلى مدرك بن عمَّار قال: دخل النبي " ص " حائط رجل من الأنصار فرأى رجلاً معه نبيذ في نقير فقال: أهرقه، فقال: أو تأذن لي فأشربه ثم لا أعود فقال " ع " فاشربهُ ثم لا تعد.
وروي في حديث يرفعه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني رجل مسقام فأذن لي في جرة أنتبذ فيها فأذن له. وكان ذلك قبل أن يأذن في الظروف. وهذا يدل على أنَّ ما يحرمه النبي " ص " قد يجوز أن يرخِّص فيه لمن شاء وعلى حسب العلة والعذر، ولا يجوز له [الترخص] فيما حظر الله له إلاَّ في الموضع الذي أطلقه. ونهى رسول الله " ص " عن شيءٍ، وأمر بشيءٍ، على جهة التأديب، فالعمل به فضيلة ومثوبة وليس على تاركه عقوبة كنهيه عن لحوم الجلاَّلة وعن كسب الحجام، وليس هذا مما حرَّم الله ولا مما حرَّم رسول.
والأشربة بهذا السبيل وأحدها الخمر وهي محرمة بكتاب الله ﷿ كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل منها قليل ولا كثير حتى يفسد ويفارقها العرض الذي حرمها.
والخمر نوعان، أحدهما مجمعٌ عليه، والآخر مختلف فيه، فأما المجمع عليه فهو ما غُلي من عصير العنب من غير أن تمسه النار، وأجمع المسلمون جميعاً أن هذه الخمر لا يحل منها قليل ولا كثير ولا يستعمل في طعام ولا شراب ولا دواء حتى ينقلب فيصير حلاًّ.
والجنس الآخر المختلف فيه، نقيع الزبيب والتمر، إذا اشتد وصلب، ونبيذ التمر هو المسكر. وقال آخرون هو خمر، وهذا القول هو الأولى، لأن تحريم الخمر نزل وخمور الناس مختلفة وكلها يقع عليه هذا الاسم في ذلك لبوقت.
قال أبو موسى الأشعري: خمر أهل المدينة من البُسر والتمر وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن البتع وخمر الحبشة السُّكركة وهو من الذرة والمزر من الحنطة والشعير.
وقال عمر " رض " الخمر من خمسة أشياء: البُرّ والشعير والتمر والزبيب والعسل، والخمر كل ما خامر العقل، فأما ما شربه النبي " ص " وأصحابه من نبيذ السقاية وهو نقيع فإن نبيذ السقاية يتخذ قبل يوم التروية بيوم أو يويمن فيشربه الناس حلواً وربما دخله شيءٌ من عَرَض النبيذ كالرائحة من حرارة البلد وسرعة تغير الأطعمة والأشربة فيه، فليس يكون في شيءٍ من هاتين الحالتين حراماً، وإنما يُحرم إذا دخله عرض الخمر واعترته النشوة وصَلُب. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يُنقع له التمر والزبيب فيشربه ثلاثاً، فإذا جاوز ذلك أمر فسُكب أو سقاه الخدم لأنه بعد ثلاث يتغير شيئاً فيتنزه عنه لا لأنه حرامٌ، ولو كان حراماً ما سقاه أحداً. وهذا كتركه أكل الثوم تنزهاً عنه وصوناً للوحي وإذنه للمسلمين في أكله إذا طبخ. والثاني من الأشربة، المسكر وهو محرَّم بسنة رسول الله " ص " كما حرمت لحوم السباع ولحوم الحمر الأهلية ولحوم ذوات المخالب من الطير وليس التغليظ في الخمر وإن كانت حراماً ولا يكون من شَرِبَ نبيذ زبيبٍ أو نبيذ تمرٍ، وإن أسكر كثيرهما، كمن شرب خمراً، كما أن أكل لحم الحمار الأهلي ليس كأكل لحم الخنزير، على ما مثلت لك [من] تشبيه المحرم في كتاب الله ﷿ بالفروض وتشبيه المحرم بسنة رسول الله " ص " بالسنن.
والمسكر من الشراب كل ما صَلُب واشتد وازداد على مرَّ الأيام جودة من نبيذ الزبيب المطبوخ ونبيذ التمر المطبوخ مفردين وخليطين، والطِلاء غير ذلك، وإنما سُمِّي مسكراً لأنه مدخل في السكر [والسكر] ذهاب العقل.
وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء فيه، في باب السكر من هذا الكتاب، وأما قول رسول الله " ص ": كل مسكر خمر، فعلى مجاز اللغة، يريد أنه بمنزلة الخمر لأنه حرَّمه بالسُّنة، كما حرم الله الخمر بالكتاب، كما قال ابن شبرمة:
يا أخلاَّيَ إنما الخمر ذيبوأبو جعدة الطلاء الممريب
ونبيذ الزبيب ما اشتد منهفهو للخمر والطلاءِ نسيب
أخذه من قول عبيد الأبرص:
هي الخمر يكنونها بالطلاءِكما الذيب يكنى أبا جعدةِ
وسئل أبو الأسود عن نبيذ الزبيب فقال:
فإلاَّ يكنها أو تكنه فإنهأخوها غذته أُمُّه بلبانها
أما قولهم أن خياراً من الصحابة شربوا الصُّلب، وشربوا النبيذ فتوهموا أنهم شربوا المسكر ووجدوا محبَّة من النفوس لذلك يتبعها الهوى، فإذا الصلب الذي شربوا ما زايلته الحلاوة فصار صلباً لمفارقة الحلاوة وعذوبتها، وهو في نفسه رقيق ضعيف لا يكون منه إذا شرب الرجل ما في وسعه أن يشرب مثله، إطباقٌ على العقل وإنما يكون في الإكثار منة خدرٌ وفتور. وخيرٌ لك، إن كنت تخاف أن يدعوك ما رخَّص الله فيه إلى ما حرَّمَ عليك، أن تدعه كله، كما قالوا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وقال آخرون: قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالٌ وكثيره حرام، والشربة المسكرة هي المحرمة ومثل الأربعة الأقداح التي يُسكر منها الرابع مَثلُ أربعة رجال اجتمعوا على رجل فشجَّه أحدهم [شجة] مُوضِحة ثم شجه الآخر منقِّلة ثم شجَّه الثالث مأمومة، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه، فلا نقول إن الأول قاتله، ولا امتنع الثاني ولا الثالث، وإنما قتله الرابع الذي أجهز عليه، [وعليه] القوَد. وقال آخرون من أهل النظر إن الخمر إنما حرمت لإسكاهرا وجرائمها على شاربها فالعلة التي حرِّمت لها الخمر من الإسكار والصداع والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة قائمة بعينهافي النبيذ كله فسبيله سبيل الخمر لا فرق بينهما في لالدليل الواضح والقياس الصحيح.
وقالوا لِمن أجاز قليل ما أسكر كثيره، إنه ليس بين شارب امسكر ومواقعة السكر حدٌّ ينتهي إليه ولا يقف عنده، ولا يعلم متى يسكر حتَّى يسكر، كما لا علم للناعس متى يرقد حتى يرقد.
من الشراب المسكر أقداحاً كثيرة ولا يسكرر، وقد يشرب منه غير القليل فيسكر، وقال المُحِلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ، إنما حرمت الخمر بعينها، خمر العنب خاصة، بالكتاب، وهي معقولة مفهومة لايمتري فيها أحد من المسلمين، وإنما حرَّمها الله تعبداً لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، ولا لأنها رجس ولو كان ذلك كذلك، لما أحلها الله للأنبياء والمتقدمين والأُمم السالفين، ولا شربها أصحاب النبي " ص " في صدر الإسلام.
وأما قولكم إنها رجس فقد صدقتم في اللفظ، وغلطتم في المعنى إن كنتم إنما أردتم أنها نَتَنٌ لأن الخمر ليست بمنتنة ولا قذرة، ولا وصفها أح بذلك، وإنما جعلها الله رجساً بالتحريم، وكذلك سمى الله تعالى المحرمات كلها خبائث، وسمي المحللات كلها طيبات، وقد ذكر الله الخمر فيما امتنَّ به على عباده قبل تحريمها فقال: ومنثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سُكراً ورزقاً حسناً. ولو أنها رجس على ما تأولتم، ما جعلها الله في جنته وسمّاها: لذة للشاربين، فإن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا وإن الله نفى عنها عيوب خمر الدنيا، فقال: لا يُصدعون عنها ولا يُنزفون. وكذلك قوله في فاكهة الجنة: لا مقطوعة ولا ممنوعة، فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا لأنها تأتي في وقت، وتنقطع في وقت. وما سمعنا أحداً وصف الخمر إلا بضدّ ما ذكرتم، من طيب النسيم وذكاء الرائحة، قال الأخطل:
كأنما المسك نهباً بين أرجلناإذا تضوع من ناجودها الجاري
وقال الحسن:
فتنفست في البيت إذ مُزجتكتنفس الريحان في الأنف
وقال:
نحن نخفيها ويأبىطيب عَرفٍ فتفوح
وإنما قوله: رجس، كقوله: فأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم. أي كفراً إلى كفرهم. وأما منافعها التي ذكرها الله ﷿ في قوله: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، فإنها كثيرة لا تحصى، قدَّمنا منها في صدر كتابنا ما فيه كفاية. واحتجوا في قول رسول الله " ص ": كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، وهو ستة عشر رطلاً، فملء الكف منه حرام.
مما رواه مالك بن أنس عن أبي سعيد الخدري أنه قدم من سفرٍ فقُدِّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: ألم يكن رسول الله ﷺ قد ناهكم عن هذا بعد ثلاثة أيام، فقالوا: قد كان بعدك من رسول الله " ص " فيها أمر، فخرج إلى الناس، فسألهم، فأخبروه، أن رسول الله " ص " قال " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا وتصدقوا، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هُجراً.
والحديثان صحيحان رواهما مالك وأثبتهما في موطئه، وإنما هما ناسخ ومنسوخ [وإنما] نهينا عن النبيذ الشديد وأن نشربه حتى نسكر، ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكراً أما أباح لنا منه شيئاً. وقد شرب رسول الله " ص " من سقاية العباس فوجده شديداً فقطَّب بين عينيه، ودعا بذنوب من ماءِ زمزم فصبَّ عليه، وقال: إذا كان هكذا فاكسروه بالماء. ولو كان حراماً لأراقه وما صبَّ عليه من ماء ثم شربه، فقد نسخ بشربه الصُّلب في حجة الوداع ما كان قبله. والدليل على ذلك أنه كان نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثم وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرةً ألوانهم، سيئة حالهم، فسألهم عن قصتهم، فأعلموه: أنهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه، فأذن لهم في شربه. وأن ابن مسعود قال: شهدنا التحريم وشهدتم، وشهدنا التحليل وغبتم، وأنه كان يشرب الصلب من نبيذ الجر، حتى كثرت الروايات به عنه وشُهرت وأُذيعت واتبعه عليها التابعون من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم: قال في ذلك شاعرهم:
من ذا يُحرِّم ماء المزن خالطهفي جوف خابيةٍ ماء العناقيد
إني لأكره تشديد الرواة لنافيها ويعجبني قولُ ابن مسعود
وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرب الذي قد ذهب ثلثاه فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه ثم يشربونه.
وكان عمر يشرب على طعامه الصلب ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا. وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة خمرٍ فحدَّه عمر للسكر لا للشرب. ودخل عمر على قوم يشربون فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم وهمَّ بتأديبهم، فقالوا: مهلاً يا أمير المؤمنين، نهاك الله عن التجسس فتجسستَ، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلتَ، فانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عُمر.
وإنما نهاهم عن المعاقرة، وإدمان الشراب حتى يسكروا ولم ينههم عن الشرب. وأصل المعاقرة من عقر الحوض وهو مقام الشاربة، ولو كان عنده، ما شربوا، خمراً، لحدهم.
وقيل لسعيد بن سالم: أتشرب النبيذ؟ قال: لا، قيل: ولِمَ؟ قال: أترك كثيره لله وقليله للناس. وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصُّلب الذي تحمر منه وجنتاه. واحتجوا من جهة النظر أن الأشياء كلها حلال إلا ما حرم الله، قالوا: فلا نزيل يقين الحلال باختلاف ولو كان المختلفون أكثر الناس.
وأهل الكوفة فقد أجمعوا على التحليل لايختلفون فيه، وتلوا قول الله ﷿: أفرأيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون.
قال عبد الله بن مُصعب لشريك بن عبد الله: يا أبا عبد الله، أتشرب النبيذ، قال: نعم. فقال: سبحان الله، وكيف تشربه وقد جاء في الحديث: ما أسكركثيره فقليله حرام، قال شريك: اختلف الناس فيه، فشربنا ما اختلفوا فيه، فليتك تدعُ ما أجمعوا على تحريمه.
واحتجوا في تحليل قليله بحديث علي بن أبي طالب " رض ": أن القوم يجلسون على الشراب وهو حلال فلا يزالون حتى يكون عليهم حراماً. وقال بعض أهل النظر، قال الله ﷿: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. فنصَّ على الخمر ولم يذكر غيرها مع كثرته وشهرته، فعلم أنه قد تركه على إباحته، ولو كان أراد تحريمه لذكره ونصَّ عليه، فوجب أن القليل من هذه الأشربة الذي لا يكون منه سكرٌ، حلالٌ، للإجماع على تحريم السكر.
ويُروى عن ابن مسعود أنه قال: رأيت رسول الله " ص " يطوف بالبيت فاستسقى فأُتي بقدح من نبيذ فشمَّه، وقطب، ثم دعا بماءٍ من زمزم فصبَّه فيه وشرب ثم قال: إذا اشتد عليكم نبيذكم فاكسروه بالماء.
وما تقدَّم من قول ابن قتيبة أقرب إلى الصواب في التأويل. وقد قال القوم من أهل النظر: إن السكر حرام، وما كان دون السكر أو بعيداً منه فلا بأس به. واحتجوا أن عصير العنب، ما دام حلواً، فهو حلال مطلق، وكذلك إذا استحال وصار خلاً، وإنما يُحرم منه ما أسكر بالسبب المتوسط بين الحالين.
وقال بعض أهل النظر: إذا انقلبت العين بطبخٍ أو مزج ماءٍ أو غيره فقد زال التحريم على القياس. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا كان الإنسان منتهى سكره من هذا النبيذ عشرة أقداح فشرب ثمانية أقداح أو تسعة فلم يسكر فهو رُخصة في ذلك لقول رسول الله " ص " كل مسكر حرام وفي رواية أُخرى: كل سكرٍ حرام.
وروي عن عثمان بن أبي العاص أن عمر " رض " لما فطر قال: أعندكم من شرابكم شيء، قالوا: نعم، فأتوه به فشمه فسطع في خياشيمه فكسره بالماءِ وشربه.
وعن أبي هريرة أن عمر شرب في جفنةٍ لناسٍ من أهل الطائف، فلما ذاقه قطَّب وقال: إذا اشتد متنه فاكسروه بالماءِ، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عرامٌ، ثم شربه.
وعن حسان بن مخارق أن رجلاً كان صائماً فأهوى، حين أفطر إلى قربةٍ فشرب منها فسكر، فأُتي به عمر ﵀، فقال الرجل: إنما شربتُ من قربتك، فقال عمر: إنما أجلدك لسكرك لا لشربك وقال: من رابه ريبٌ فليُسبحه بالماءِ. وروي عن عمرو ابن ميمون أن عمر قال: إنا لنشرب من النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا، قال: وشربت مما عُمِل له فكان نبيذاً شديداً. وعنه قال: شهدت عمر حين طُعن فجاءه الطبيب فقال: أيُّ الشراب أَحبُّ إليك؟ قال: النبيذ، فأتي بالنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعنتيه.
وروى الأعمش عن النخعي عن علقمة قال: شربت عند ابن مسعود نبيذاً صُلباً آخره يسكر.
وعن ربعيٍّ بن حراش أن عمر " رض " أتى قوماً فأخرجوا إليه نبيذاً حلواً، فقال: أعندكم ما هو أشد من هذا؟ قالوا: نعم ولكن كرهنا أن نأتيك به، فأتوه به فكسره بالماء وشرب حتى روي، ثم أعطاه الذي عن يمينه.
وكتب يعلى بن أُمية إلى عمر " رض " إنا نؤتى بقوم شربوا الشراب، فكتب إليه: من أُتيت به فاستقرئه أُم الكتاب وألقِ رِداءَه وأردية [أُخرى] فإن لم يعرف رداءه فأقم عليه الحد.
وروى نافع بن الحارث: أن عمر قال: اشربوا هذا النبيذ فإنه يقيم الصُّلب ويهضم ما في البطن وإنه لن يغلبكم ما وجدتم الماء.
وروى الأعمش 'ن موسى بن طريف عن أبيه، أن علياً " رض " كان يشرل النبيذ في الجرِّ الأخضر. وسأل رجلٌ علياً قال: أفتني في النبيذ، قال: إشرب ولا تسكر. وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: تعشيت عند علي " رض " فسقاني طلاءً فلما قمت لأخرج، كان الطريق يمنةً فأخذت يسرة، فدعاني عليّ فقال: لعل شرابنا أخذ برأسك. يا جارية، خذي معه قبساً.
وروي أن رجلاً شرب من إداوةِ عليّ فسكر فجلده عليّ وقال: حدُّ النبيذ إذا أسكر ثمانون كجلد الخمر.
وروي عن الحسين بن عليّ أن رجلاً سأله عن النبيذ قال: اشربه فإن خفت أن تسكر فدعه.
وعن العمش عن المنذر قال: رأيت محمد بن الحنفية يشرب من نبيذ الدنِّ وكان يشرب الطلاءض الشديد.
وروي عن أبي جعفر أن علي بن الحسين كان رجلاً ممعوداً وكان يوافقه انبيذ الصلب فيشربه.
وقال عاصم: أدركت أقواماً يتخذون هذا الليل جملاً كانوا يلبسون المعصفر، ويشربون نبيذ الجر، لا يرون به بأساً، منهم، زِر بن حبيش وأبو وائل شقيق بن سَلَمة، وكانا يشربان نبيذ الخوابي.
وكان شريح يشرب الطلاء الشديد. وروى الأعمش عن أبي إسحق قال: عرَّست فدعا أبي أصحاب عليّ وعبد الله بن مسعود، فشربوا نبيذ الخوابي وهم يرونها يسقي منها بالزواريق. والأحاديث عن هذه الطبقة من أصحاب علي " رض " كثيرة جداً. وعن غيلان ابن زيد قال: رأيت أبا عبيدة بن عبد الله يشرب النبيذ في جرٍ أخضر ويقول: إن محرم ما أحل الله كمستحل ما حرَّم الله ﷿، وكان يشرب الطلاء حتى تحمر عيناه.
وقال مكحول: إذا شرب الرجل النبيذ فطابت نفسه وطرب فليحرم بقيته عليه فإنه ليس بعد الطرب إلا السكر. وكان إبراهيم النخعي وعامر الشعبي يشربان المسكر من النبيذ، وكان يقول لا خير في النبيذ إلا الشديد منه. وقال: أفسد الناسُ النبيذ بميم زادوها في الحديث، قالوا: كل مسكر حرامٌ، وإنما هو كل سكرٍ حرام. وقال: الشربة التي تسكر من النبيذ حرام، ولم يكن يرى بنقيع الزبيب بأساً، ولم يكن يرى على سكران النبيذ حدًّا، ويقول اكتموه عن أصحاب النبيذ. وعن إسماعيل بن عبد الله قال: رأيت سعيد بن جبير يشرب نبيذ الخوابي. وحضر الحسن البصري وليمةً ومعه عشرة من أصحابه فأُتوا بطعامٍ فأكل ثم أُتي الحسنُ بنبيذ شديدٍ فشرب منه ثم ناول القوم فشربوا فقال أحدهم: الماءُ أحبُّ إليَّ، فقال الحسن: إن ذلك عليك لبيِّن. وسئل مطرف بن عبد الله بن الشخِّير عن النبيذ فقال: اشرب ما لا يهلك فيه مالك أو يذهب منه عقلك. وعن أنسٍ قال: كانت أُم سُليم تنبذ نبيذاً لها في جرٍّ أخضر، فكان رسول الله " ص " يجيءُ فيشرب منه. وسئل الضحاك بن مزاحم عن نبيذ الجرِّ فقال: لا بأس به. وسئل أبو بكر الهُذلي عن النبيذ فقال: تمادى فيه السفهاءُ حتى كرهه العلماءُ. وقال أبو بكر بن عباس المنتوف: أجمع الفقهاء على أن المسكر والخمر حرام وإذا اشتد النبيذ كُسِر بالماء وهذا لا بأس به، والله لو كان النبيذ حراماً ما اختلف فيه اثنان. وكانوا يرون ما اشتد من الأشربة التي قد طبخت على النار، حلالاً، إلا ما كان من عصير العنب فإنهم تحرجوا منه إلا ما ذهب ثلثاه وبقي عسلاً لا يشتد فإنهم أجازوا ثلثه. وكان أبو حنيفة يرى أن شرب النبيذ من السنة. وقال ابن المبارك: أما النبيذ الذي كثيره [حرام] فلو أن رجلاً شدد فيه لم أُنكر عليه ولو أن رجلاً رَخَصَ فيه لم أُنكر عليه.
قال ابن المبارك: روي عن ثقات أهل الكوفة عن عمر " رض " تحليله، وروي عن ثقات أهل المدينة تحريمه، فمثله عندي كمثل رجلين تنازعا في سلعةٍ في يد أحدهما، كل واحد يقول: هي لي، وليس لواحد منهما بينة، فأقضي بينهما، فلا أقول حلالاً ولا حراماً. وقد فرقَتِ العرب بين الخمر وبين سائر الأشربة، قال الفرزدق:
إن الأخامرة الثلاثة أهلكتمالي وكنت بها قديماً مولعاً
الخمر واللحم السمين أحبُّهوالزعفران به أروح من وعا
وقال حسَّان:
إذا ما الأشربات ذُكرن يوماًفهنَّ لطِّيب الراحِ الفِداء
ونشربها فتتركنا ملوكاًوأسداً ما ينهنهنا اللقاء
وقال القلمس:
نهاني امرؤٌ عن لذتي أن أنالهافقلت دع التقييد في الشرب للخمرِ
تقضت لذاذاتي فلم تبقَ لذةٌسوى شربها صهباءَ طيِّبة النشرِ
إذا ما حساها المرءُ ظلَّ مرنحاً بسورتها يهذي مراراً ولا يدري
أروي بها نفسي فتحيا بشربهاولا أشتهي شرب النبيذ من التمر
ففرق بينها وبين النبيذ.
وقال سوادة بن الصامت:
الكأس همي والندى هِمَّتيوالموت عندي شرب صفو النقيع
والعيش صفوُ الراحِ صرفاً إذانادى المنادي بصلاةِ الجميع
ففرق بينها وبين النقيع ولم يعدَّه خمراً.
وقد جاء أبو الأسود الدُّؤلي بأوضح من هذا فقال:
دعِ الخمر يشربها الغُواة فإننيرأيتُ أخاها مغنياً بمكانها
فإلاَّ يكنها، أو تكنه، فإنهأخوها، غذته أمه بلبانها
فهؤلاء فُصحاء العرب، فرَّقوا بين عصير العنب وغيره فسمَّوه خمراً دون سائر الأشربة، وهكذا صفتها بكل لسان وعند كل أُمةٍ. وقد أجمعوا أن قليل الخمر وكثيره حرامٌ. وأكثرهم يشرب ما دون السكر من سائر الأشربة لأنها لا تُعرف عندهم بخمر، ولو كانت خمراً لكان القليل منها حراماً. وقد رووا عن ابن عباس، عن النبي " ص " أنه قال: حرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب. فلو أن الأشربة الشديدة كلها محرمة لما كان لقوله: حُرمت الخمر بعينها، معنىً، لأن ذلك إنما يقال لما حُرِّم وحده، فإن قال قائل: قد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله " ص " منهم عمر " رض " أنهم قالوا: إن الخمر من الزبيب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، وأن الخمر ما خامر العقل. وما رُوي عن أنس أنه كان يسقي عمومته من الأنصار، حتى دخل عليهم داخل فقال: إن الخمر قد حُرِّمت فأمروه بإراقتها ولم يكن خمرهم يومئذٍ إلا الفضيخ. وما شابه ذلك من الأخبار. قيل له إن هذه أخبار آحادٍ لا يثبت بها أن يُطبقوا على تحريم سائر الأشربة الشديدة لوجود اسم الخمر لها عندهم، فلما لم تُجمع المسلمون على هذه التسمية ولا اشتهرت عن العرب وجب بطلان ما ادعاه من سمَّى هذه الأشربة خمراً إذ كانت الأسماء لا تؤخذ بالقياس. وقد صحَّ بالأخبار المتواترة أن نبيذ التمر كان فاشياً بالمدينة يشربه أهلها غنيهم وفقيرهم ويجري عندهم مجرى أقواتهم، فلولا أنه أراد إطلاق الأشربة لهم لنصَّ عليه كما نص على الخمر لأن النص عليه أولى لشهرته وكثرة متناوليه ولقلة الخمر، فإنها لا تكاد توجد عندهم.
العلماءُ في هذه الأشربة طبقتان: طبقة تحلُّها وطبقة تحرِّمها، وتذهب في تحريمها إلى القياس على الخمر وإلى أخبار آحادٍ جاءَت بتحريمها، نحو الخبر: بأن كلَّ مسكرٍ حرام، والخبر الآخر: ما أسكر كثيره فقليله حرام. ولم يذهب أحد في تحريمها إلى أن اسمها خمر، وقد اضطربت الرواية في هذا المعنى واختلفت اختلافاً يدل على فسادها. وهو أن بعضهم روى أن الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة. وروى آخر أنه، ﵇، قال: كل مسكرٍ خمراً، فقد صارت الخمر من مائة شيءٍ مثلاً، ومن قال أنها من شيئين كان قوله فاسداً، وكذلك من قال أنها من خمسة أشياء. ووجه آخر يوجب بطلان قول من حمل هذه الأحاديث على ظاهرها وهو أن كل مسكرٍ حرام، منها أن اللبن الرائب يسكر كثيره كقول بشر بن أبي خازم:
فأما تميم، تميم بن مُرٍّفألفاهُم القوم روبي نياماً
قال: شربوا الرائب حتى سكروا، وليس أحد من المسلمين يُسمي اللبن خمراً. والبنج يسكر، والنوم يسكر، وإذا جاز أن تخرج هذه الأشياء من جملة قوله: كل مسكر خمر، جاز أن تخرج سائر الأشربة الشديدة التي من عصير العنب، من جملة الخمر.
ومنها ما جاء بأن الخمر ما خامر العقل، وقد يخامر العقل النوم، والبنج، والإغراق في الفكر، والغشي، وما أشبه هذا مما يعرض للدماغ، فظاهر الخبر يوجب أنه خمر. وقد روى ابن عباس قوله " ع ": حُرِّمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب، فقد أباح بقوله هذا القليل مما لا يسكر كثيره، وأوجب أنها لا تكون خمراً، إذ قليل الخمر وكثيرها حرام بالإجماع.
ورووا عن عليٍّ (رض) أنه قال: ما أُبالي أخمراً شربت أم مسكراً، ففرق بين الخمر والمسكر، ولو كان الخمر عنده ما أسكر، لما كان لقوله هذا معنى لأنه قال: ما أُبالي شربت خمراً أو شربت مسكراً، وهذا من قول عليٍّ، مع سائر الأخبار المروية في تحليل النبيذ الشديد، يدل على أن هذه الأشربة لم تكن خمراً عند أحدٍ، ولو كانت خمراً في الحقيقة، ما أقدموا على شرب قليلها وإنما أراد القائل منهم، حُرِّمت، وهي من خمسة أشياء، إلى ما يقيمونه مقامها من خمسة أشياء، وما يتناولونه عَرَضاً منها، من خمسة أشياء تفعل فعلها كقول القائل: فلان يأكل الخبيص، وما خبيصنا إلا التمر، وكذا قول عائشة (رض) وقد ذكرت الطيِّب فقالت: وما كان طيبهم إلا الماء. وكذلك قوله (ص): كل مسكر حرام، أي يقوم مقام الخمر ويكون فيه من الصد عن ذكر الله، وفساد العقل ما يكون في الخمر، وكذلك قوله: ما خمرته فهو خمر، أي هو في معنى الخمر لشدته، ومعنى قول النبي (ص): لا تشربوا مسكراً، يعني القدح الذي يوجب شربُكم له السكر، وذلك هو الآخر مما يشرب إذا كان الأول لم يوجب ذلك، ولا كان الإنسان عند شربه إياه سكران. وأما قوله: ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، فإنما أُريد به قليل ما قُصد إلى السكر بكثيره، لأن من قصد ذلك فشربه لأول قدح يشربه، عليه حرام، لأنه قصد أن يدوم فيه إلى السكر.
وسُئل ابن عباس عن قول النبي (ص): كل مسكر حرام، فقال: إن شرب أحدكم تسعة أقداح فلم يسكر فهو حلالٌ وإن شرب العاشر فسكر فهو حرام، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم، وأما شراب ملوك الروم فإنه شراب يطبخ من عصير العنب وتطرح فيه الأفاويه فتعبق روائحها وطعومها وتزداد حرارة وطيب نكهة، وأهل الشام يسمونه الرساطون، والإسفنط لتطييبه، النفس وروى شريك عن عمرو بن حُريث، قال: سقاني ابن مسعود نبيذاً شديداً من جرِّ أخضر. وروى ابن قتيبة يرفعه إلى أنس بن مالك، أنه كان يشرب النبيذ الصلب الذي يكون في الخوابي. وقد أجمع الناس جميعاً على تحريم الخمر بكتاب الله ﷿ إلا قوماً من مجَّان أصحاب الكلام فإنهم قالوا ليست الخمر محرمة، وإنما نهى الله عن شربها تأديباً كما أنه أمر في الكتاب بأشياء ونهى عن أشياء على جهة التأديب وليس فيها فرضٌ، كقوله في العبيد والإماء، فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، وكقوله في النساء: واهجروهن في المضاجع واضربوهن، وكقوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، وقالوا: لو أراد تحريم الخمر لقال: [حرمت عليكم الخمر كما قال] حرمت عليكم الميتة والدم، وليس قول هؤلاء حجة على ما أوردناه من الإجماع على تحريمها.
وكان عبد الله بن داوود يقول: ما هو عندي وماء البركة إلا سواء. وقال لا بأس أن يشربه الرجل على أثر الطعام كما يشرب الماء، وأكره إدارة القدح. وقال: من أدار القدح لم تجز شهادته وشهد [رجل] عند سوَّار القاضي، فلم يُجز شهادته، فقال:
أما النبيذ فإني لست تاركهولا شهادة لي ما عاش سوار
وكان كثير من الحجازيين يترخص فيه حتى غلط فيه مالك. وما حرَّم الله شيئاً إلا عوض ما هو خير منه، ما يطيِّب النفس ويصفي اللون ويهضم الطعام، فلا يبلغ منه إلى ما يذهب العقل ويصدع الرأس وإن كان يشرك الخمر في جناياتها وجميع آفاتها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع