تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب ذم العلوم

سئل الجاحظ عن العلوم فأجاب بخلاف ما تقدم، ونقض ما هناك أبرم. سئل عن الكلام فقال: متفاوت الأصول، قليل المحصول، همة مناظر متملق، وآلة مهذار متمشدق؛ قيل: فالفقه؟

قال: يعتقد بالآراء، ويتقلد بالأهواء، دقيقه لا يلحق، وجليله لا ينفق، وهو من علوم المدابير، المحير في التدابير؛ قيل: فالحديث؟

قال: همة ضعيف، وآلة مسن؛ قيل: فالفلسفة؟ قال: كلام مترجم، وعلم مرجم، بعيد مداه، قليل جدواه، مخوف على صاحبه سطوة الملوك وعداوة العامة؛ قيل: فالنجوم؟ قال: حدس وترجيم، وخسف وتنجيم، صوابه عسير، وغلطه كثير، حرفة مجدود، وصناعة غير محدود؛ قيل: فالطب؟ قال: موضوع على التخمين والحدس، وتعليل النفس، لا يوصل منه إلى الحقيقة، ولا يحكم فيه بالوثيقة؛ قيل: فالنحو؟ قال: علم مخترع، وقياس مبتدع، ثقيل على الأسماع، قليل الارتفاع والانتفاع، علم معدم، وصناعة معلم؛ قيل: فالعروض؟ قال: علم مولّد، وأدب

مستبرد، يثكل العقول، ويستولد الغفول، مستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول؛ قيل: فالحساب؟ قال: مستعجم عسير، ومستوخم كدر، بعيد الإدراك، شديد الاشتباه والاشتباك؛ قيل:

فالتعبير؟ قال: ظن وحسبان، لا يثبت به دليل ولا برهان، ولا يقوم عليه شاهد ولا تبيان، علم مضعوف، وصناعة مكفوف؛ قيل:

فالخط؟ قال: قليل الرد، يسير الرفد، وصناعة مورق، وبضاعة مزوّق. فهذا ما نقل عن الجاحظ في مدح العلوم وذمها.

وتقول أهل بغداد في أمثالهم: جهل يعولني، خير من علم أعوله، ومن أمثالهم: كف بخت، خير من كر علم، وفي ذلك قيل:

وما أصنع بالعلمإذا أعطيت بالجهل

وقال ابن أبي البغل:

الصّعو يصفو آمنا من جهلهحبس الهزار لأنّه مترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرّنيجهلي كما قد ساءني ما أعلم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لو كنت أجهل ما علمت لسرني»

وقال غيره:

المال يستر كلّ عيب في الفتىوالمال يرفع كلّ نذل ساقط
فعليك بالأموال فاقصد جمعهاواضرب بكتب العلم عرض الحائط

وكتب إلى عمر بن شبة بعض أصدقائه:

أجفاء يا ابن شبّهبعد نصح ومحبّه
ولزوم للدواوي-- ن وما يعطوك حبّه
ليس يغني عنك عند ال- قوم سفيان وشعبه
فالزم الجهل فإنّ الجهل عند القوم رتبه
ودع العلم فإن العلم في ذا الدهر سبّه

وقال بعض الشعراء للقاضي ابن خلاد الرامهرمزي:

قل لابن خلّاد إذا جئتهمستندا في المسجد الجامع
هذا زمان ليس يحظى بهحدثنا الأعمش عن نافع

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.