من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح العقل
قال الله تعالى في شأن تعظيم العقل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إلى قوله: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
، وقال جل ذكره: اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
، وقال عز اسمه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
. وقال النبي ﷺ: «الناس يعملون الخيرات، وإنهم يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم»، وقيل له ﵊ في الرجل الحسن العقل الكثير الذنوب، فقال: «ما من آدمي إلا وله خطايا وذنوب، فمن كانت سجيته العقل لم تضره ذنوبه، لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة تمحو ذنوبه وتدخله الجنة».
وقال سعيد بن المسيب في قوله ﷿: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
يعني ذوي عقل.
وقال مجاهد في قوله تعالى جده: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
أي عقل.
وقال الضحاك في قوله جل ثناؤه: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
أي عاقلا.
وقال الحسن: العقل هو الذي يهدي إلى الجنة ويحمى عن النار لقوله ﷿ حكاية عن أهل النار: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
وقال حكيم: لا مال أعوز من العقل. وقيل: العقل أشرف الأحساب، وما عبد الله بمثل العقل. وقال آخر: العقل أحصن معقل. وقال آخر: أشد الفاقة عدم العقل. وقال آخر: كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل، فإنه كلما كثر غلا. ومن فصول ابن المعتز: العقل غريزة يربيها التجارب، ومنها: حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن العقل الجمال الباطن، ومنها: ليست الصورة الإنسان إنما الإنسان العقل، ومنها: ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدأها الهوى، ومنها: العقل صفاء النفس والجهل كدرها.
وفي كتاب «رهن العيون في الجد والمجون في مدح العقل، قال
رسول الله ﷺ: «لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب، ثم قال: لو أن رجلا قاتل في سبيل الله وحج واعتمر وغزا لما دخل الجنة إلا بمقدار عقله».
وقال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: العقل قرة عين، والجهل رائد حين. وقبل: رغبة العاقل فيما يكفيه، وهم الجاهل فيما لا يعنيه. وقيل: من اتعظ بأبلغ العظات، نظر إلى محلة الأموات، ومصارع الآباء والأمهات، وقلّت فكرته في الشهوات.
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع