من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح الوحدة والعزلة
كان يقال: الوحدة خير من جليس السوء. ويقال: العزلة من الناس تقي العرض، وتبقي الجلالة، وتستر الفاقة، وترفع مؤنة المكافأة في الحقوق الواجبة. وقال الشاعر:
كن لقعر البيت جلساوارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد خلاأو ترد اليوم أمسا
وأنشدني ميمون بن سهل الواسطي قال: أنشدني القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني لنفسه:
ما تطعمت لذة العيش حتىسرت في وحدتي لكتبي جليسا
إنما الذّل في مداخلة الناسفدعها وكن كريما رئيسا
ليس عندي شيء أجلّ من العلمفلا أبتغي سواه أنيسا
وقال مكحول: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في الوحدة والعزلة.
ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول منصور بن إسماعيل المصري:
الناس بحر عميقوالبعد عنهم سفينه
وقد نصحتك فانظرلنفسك المسكينه
ولبعضهم:
الناس داء دفينلا تركننّ إليهم فيهم خداع ومكر
لو اطّلعت عليهم
وأنشدني البستي لأبي سليمان الخطابي:
قد أولع الناس بالتلاقيوالمرء صبّ إلى مناه
وإنما منهم صديقيمن لا يراني ولا أراه
وله أيضا:
إذا خلوت صفا ذهني وعارضنيخواطر كطراز البرق في الظّلم
فإن توالى صياح الناعقين علىأذني عرتني منه حكلة العجم
ومن أحسن ما قيل في الانفراد قول أبي هيان:
إن أمس منفردا فالليث منفردوالبدر منفرد والسيف منفرد
وقلت في المبهج: من لزم الخلوة بربه، حصل في العيش الأمتع والحي الأمنع. وقال أبو العتاهية:
وحدة الإنسان خيرمن جليس السوء عنده
وجليس الخير خيرمن جلوس المرء وحده
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع