من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح الصبر
قال النبي ﷺ: «لم يؤت الناس خيرا من الصبر والمعافاة».
وقال أيضا ﵇: «لم نزل نستزيد للصابرين حتى نزلت:
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
. وقال ﵇:
«عليكم بالصبر، فإنه لا إيمان لمن لا صبر له». وقال أيضا:
«الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية. شعر:
تصبّر ولا تبد التّضعضع للعداولو قطّعت في الجسم منك البواتر
سرور الأعادي أن تراك بذلةولكنها تغتمّ إذ أنت صابر
ولبعضهم:
بنى الله للأخيار بيتا سماؤههموم وأحزان وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابهوقال لهم مفتاح بابكم الصبر
وكان ينشد:
إني وجدت وخير القول أصدقهللصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يحاولهفاستصحب الصّبر إلّا فاز بالظّفر
وقال آخر:
عليك بالصبر فيما قد منيت بهفالصبر يذهب ما في الصّدر من حرج
كم ليلة من غموم الدهر مظلمةقد ضاء من بعدها صبح من الفرج
وقال آخر:
تصبّر إذا ما آلمتك ملمةوأهون بها ما لم تسمك بعار
فغب قطوب النحس بشر سعادةوبعد ظلام الليل نور نهار
وفي بعض الأخبار الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
وقال آخر:
إذا المرء لم يأخذ من الصبر حظهتقطّع من أسبابه كلّ مبرم
ويقال: أوكد الأسباب للظفر الصبر. وقال بعض العلماء:
الصبر جنّة المؤمن، وعزيمة المتوكل، وسبب درك النجح في الحوائج.
ويقال: من وطّن نفسه على الصبر لم يجد للأذى مسا. وقال النبي ﷺ: «من استعف بالله عفا، ومن استعان به أعانه، ولن تجدوا حظا خيرا من الصبر».
وقال الشاعر:
قرين الصّبر يظفر بعد حينبحاجته فيوجد قد قضاها
وقال المهلب: يا بني إن غلبتم على الظفر، فلا تغلبوا على الصبر.
وقال آخر:
من يمتط الصبر يضع رحلهبساحة الرّاحة واليسر
وقال محمود:
الصبر أمضى سلاح ذي الأدبفاقمع به حدّ سورة الأرب
وقال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
. وقال عز اسمه: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً
. وقال عز من قائل: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
، الآية.
وكان الحسن البصري يقول: إني لأعجب ممن خف كيف خف بعد هذه الآية: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فنزعها عنه فصبر، إلا كان ما أعاضه أفضل مما انتزعه عنه، ثم قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
. وقال بعض الحكماء:
الصبر صبران: صبر عمّا تحب، وصبر على ما تكره، والرجل من جمع بينهما. وقلت في المبهج: الصبر أحجى بذي الحجج.
وقال حكيم: تابع الصبر متبوع النصر. وقال الشاعر:
ما أحسن الصبر في مواطنهوالصبر في كل موطن حسن
وقال ابن الجهم:
وعاقبة الصّبر الجميل جميلةوأفضل أخلاق الرجال التّفضل
ويقال: الصبر كاسمه، وعاقبته العسل.
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع