من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح الصمت
من حكم لقمان رحمة الله عليه: الصمت حكمة وقليل فاعله.
وكان يقال: الصمت أنفع للناس، والسكون أنفع للطير لأن الطير إذا نبش قبض وحبس. وقال بعض السلف: الندم على الصمت خير من الندم على القول. ومن فصول ابن المعتز: من أخافه الكلام أجاره الصمت. وقال أيضا: الخطأ بالصمت يختم، والخطل بمثله لا يكتم. وقال آخر:
الصمت يكسب أهلهصدق المودّة والمحبه
والقول يستدعي لصاحبه المذمّة والمسبّه
فاترك كلاما لاغياولا يكن لك فيه رغبه
وقيل: أربع كلمات صدرت عن أربعة ملوك؛ كأنما رميت عن قوس واحدة، قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندمت على ما قلت مرارا. وقال قيصر: إني على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن رفعت ضرّته، وإن لم ترفع ما نفعته.
ويقال: من سكت فسلم، كان كمن تكلم فغنم. ويقال: من علامات العاقل حسن سمته وطول صمته. وقال بعض الحكماء:
أوّل العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره. وقيل: من حفظ لسانه نجا من الشر كله.
نظم:
ولو يكون القول في القياسمن فضّة بيضاء عند الناس
إذا لكان الصمت من خير الذهبفاسمع هداك الله تلخيص الأدب
وقال آخر:
والصمت عند القبيح تسمعهصاحب صدق لكل مصطحب
فآثر الصمت ما استطعت فقد يؤثر قول الحكيم في الكتب
لو كان بعض الكلام من ورقلكان جل السكوت من ذهب
وقال آخر:
مت بداء الصمت خيرلك من داء الكلام
إنما العاقل من ألجم فاه بلجام
وفي كتاب عيون الآداب بيت:
كلام راعي الكلام قوتقد أفلح الصامت السكوت
وقال ابن مسعود: ما شيء أحق بطول السجن من اللسان.
وقال بعضهم: إذا أعجبك الكلام فاصمت. وقيل:
إحفظ لسانك إن اللسانسريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاديدلّ الرجال على عقله
وقال آخر:
إن كان يعجبك السكوت فإنهقد كان يعجب قبلك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوت مرةفلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربمازرع الكلام عداوة وضرارا
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع