من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح اللسان
كان يقال: ما الإنسان لولا اللّسان إلا صورة ممثّلة، أو ضالة، أو بهيمة مرسلة.
وقال بعض الحكماء: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان. وقال الجاحظ: اللسان أداة يظهر به البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهي عن القبيح، ومبشر ترد به الأحزان، ومعتذر تذهب به الأضغان، ومله يونق الأسماع، وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومؤنس يسلي الوحشة. ويقال: المرء مخبوء تحت طي لسانه، لا تحت طيلسانه.
وقال بعض العلماء البلغاء: للسان فضائل معدومة في الجوارح، ودرجته عالية على درجاتها، لما خصه الله به من النطق والبيان وأنطقه بالذكر والقرآن، وأنشد:
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلا صورة اللّحم والدّم
فكائن ترى من صامت لك معجبزيادته أو نقصه في التّكلّم
ومن أحسن ما قيل في اللسان والبراعة قول إبراهيم بن شاه في أبي مسلم:
لسان محمد أمضى غراراوأنفذ من ظبا السيف الحسام
إذا ارتجل الكلام بدا خليجبفيه يمدّه بحر الكلام
كلام بل مدام بل نظاممن الياقوت بل حبّ الغمام
وقال آخر:
وما المرء إلا أصغريه لسانهومقوله والجسم خلق مصور
فإن نظرة راقتك فاحذر فربماأمر مذاق العود والعود أخضر
إعلم أن كمال العالم هو الإنسان، وكمال الإنسان هو اللسان، وجماله هو البيان.
نظر رسول الله ﷺ، إلى عمه العباس ﵁ فتبسم، فقال له: ممّ ضحكت يا رسول الله؟ فقال: «أعجبني جمالك يا عم»، فقال: أين موضع الجمال مني؟ فأشار إلى لسانه. وقال أيضا ﵊: «جمال الرجل فصاحة لسانه».
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع