من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح القلة
سمع سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين، فقال: ما هذا الدعاء؟ فقال: سمعت الله يقول: وَقَلِيلٌ ما هُمْ
وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
، وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
وقال بعض العلماء: إن الكثرة ليست بممدوحة في كتاب الله ﷿، وإنما الممدوح الأقلون، لأنا سمعنا الله يثني على أهل القلة ويمدحهم، ويذم أهل الكثرة ويوبخهم. حيث يقول عز من قائل:
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
، ويقول: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
، ويقول: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
، ويقول جل ذكره حكاية عن إبليس: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
، ويقول ﷻ في ذم الكثرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ
الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً
، ويقول:
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
. ويقول: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
. ويقول: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
ويقول: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ
. ويقول: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
. ويقول: وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
. ويقول: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
وقال الشاعر:
تعيّرنا أنّا قليل عديدنافقلت لها إنّ الكرام قليل
وما ضرّنا أنّا قليل وجارناعزيز وجار الأكثرين ذليل
وقالت الفلاسفة: كل كثير عدوّ للطبيعة. وقالت الأطباء:
الإقلال مما يضر، خير من الإكثار مما ينفع. وقال إسحق الموصلي:
هل إلى نظرة إليك سبيلفيروي الظما ويشفي الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عنديوكثير من الحبيب القليل
وقال الإمام جعفر الصادق، رضي الله تعالى عنه: لا تستح من إعطاء القليل فكل فوائد الدنيا قليل، والحرمان أقل منه. وقال الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحةحتى تجود وما لديك قليل
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع