تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب مدح العمى

قال الله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ

وقيل لقتادة: ما بال العميان أذكى وأكيس من البصراء؟ قال:

لأن أبصارهم تحولت إلى قلوبهم.

وقال الجاحظ: العميان أذكى وأحفظ، وأذهانهم أقوى وأصفى، لأنهم غير مشتغلي الأفكار بتمييز الأشخاص، ومع النظر تشعب الفكر، ومع إطباق العين اجتماع اللب.

ولذلك قال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵄:

إن يأخذ الله من عينيّ نورهماففي لساني وقلبي منهما نور
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن يأخذ الله من عيني نورهما»
قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخلوفي فمي صارم كالسيف مشهور
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقال:

يعيرني الأعداء والعار فيهموليس بعار أن يقال ضرير
إذا أبصر المرء المروءة والتقىوان عمى العينان فهو بصير

وقد عير بعضهم أعمى، وكان لسنا فصيحا فقال يهجو ويعرض بدائه:

ليس العمى داء ولكنهشظفة تشريف على ضرّه
ما الهمّ والداء وكل البلاإلا ابتلاء المرء في دبره
فالحمد لله الذي صاننامما يحار الطير في أمره

وقال الشاطبي ﵀:

إن أذهب الله من عينيّ نورهمافإن قلبي مضيء ما به ضرر
أرى بقلبي دنياي وآخرتيوالقلب يدرك ما لا يدرك البصر

وقال رجل لبشار: ما سلب الله من عبد كريمته إلا عوّضه عنهما، فما الذي عوضك عن عينيك؟ فقال: فقد النظر إلى بغيض مثلك.

وقال أبو يعقوب الخزيمي: من فضائل العمى ومرافقه:

اجتماع الرأي والذهن وقوة الإدراك والحفظ، وسقوط الواجب من الحقوق، والأمان من فضول النظر الداعية إلى الذنوب، وفقد رؤية الثقلاء والبغضاء، وحسن العوض عن سراجي الوجه في دار الثواب:

وقال منصور الفقيه:

يا معرضا ازدرانيلما رآني ضريرا
كم قد رأيت بصيراأعمى وأعمى بصيرا
قل لي وإن أنت انصفت قلت خلقا كثيرا

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.