من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح الموت
في الحديث المرفوع: «الموت راحة».
وقال بعض السلف: ما من مؤمن إلا والموت خير له من الحياة، لأنه إن كان محسنا فالله يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
، وإن كان مسيئا فإنه تعالى يقول:
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
وقال ميمون بن مهران: بت ليلة عند عمر بن عبد العزيز فكثر بكاؤه ومسألته الله الموت، فقلت: يا أمير المؤمنين تسأل ربك الموت وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا؛ أحييت سننا وأمت بدعا، وفي بقائك راحة للمسلمين، فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح يوسف بن يعقوب ﵉ حين أقر الله عينيه وجمع له أمره وقال:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
وقالت الفلاسفة: لا يستكمل الإنسان حدّ الإنسانية إلا بالموت؛ لأن الإنسان حي ناطق ميت.
وقال بعض السلف: الصالح إذا مات استراح، والطالح إذا مات استريح منه.
وقال آخر: رب موت كالحياة.
قال الشاعر:
وما الموت إلا رحلة غير أنّهامن المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
وقال آخر:
جزى الله عنا الموت خيرا فإنّهأبرّ بنا من كلّ برّ وأرأف
يعجّل تخليص النفوس من الأذىويدني من الدار التي هي أشرف
وقال منصور الفقيه:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوافي الموت ألف فضيلة لو تعرف
منها أمان لقائه بلقائهوفراق كلّ معاشر لا ينصف
وقال أبو أحمد بن أبي بكر الكاتب:
من كان يرجو أن يعيش فإننيأصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلة لو أنهاعرفت لكان سبيله أن يعشقا
وقال ابن لنكك البصري:
نحن- والله- في زمان غشوملو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حالحقّ من مات منهم أن يهنّا
شعر:
ولدتك أمّك يا ابن آدم باكياوالناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص على عمل تكون إذا بكوافي يوم موتك ضاحكا مسرورا
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع