من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح الشباب
في الحديث المرفوع: «أوصيكم بالشبان خيرا فإنهم أرق أفئدة، إن الله بعثني بشيرا ونذيرا فحالفني الشبان وخالفني الشيوخ، ثم قرأ: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
وكان عطاء الخراساني يقول: الحوائج إلى الشبان أسهل منها إلى الشيوخ؛ ألم تر أن يوسف ﵇ قال لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
وقال أبوهم: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وقال الصولي في كتاب فضل الشباب على الشيب الذي ألّفه للمقتدر: إن الشيب لا يقدم مؤخرا ولا يؤخر مقدما بل ربما عدل بجلائل الأمور ومهمات الخطوب عن المشايخ إلى الشبان لاستقبال أيامهم وسرعة حركاتهم، وحدة أذهانهم، وتيقظ طباعهم لأنهم على ابتناء المجد أحرص، وإليه أصبى وأحوج، وقد أخبر الله تعالى عن إعطاء يحيى بن زكريا ﵉ الحكمة في سن الصبابة بقوله:
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
، وذكر
الفتية في كتابه العزيز في غير ما موضع: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
وقال: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
، وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ
»
وقال: فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا
وقال بعض البلغاء: الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله، كما أن أطيب الثمار بواكيرها. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا شابا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب ثم تلا قوله تعالى: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
وقال الجاحظ في قول أبي العتاهية:
إن الشباب حجة التصابيروائح الجنّة في الشباب
معنى كمعنى الطرب الذي تشهد بصحته القلوب وتعجز عن صفته الألسن.
ومن أحسن ما قيل في مدح الشباب والتأسف عليه قول محمد بن حازم الباهلي:
لا حين صبر فخلّ الدمع ينهملفقد الشباب بيوم الموت متّصل
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعهامن الشباب بيوم واحد بدل
ولما أنشد منصور النمري الرشيد قوله:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتني مسرتهصروف دهر وأيام لها جزع
ما كنت أوفي شبابي كنه عزتهحتى مضى فإذا الدنيا له تبع
بكى الرشيد حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا نمري لا خير في دنيا لا يحظى فيها برد الشباب.
ومن أحاسن هذا الباب قول ابن الرومي:
لا تلح من يبكي شبيبتهإلا إذا لم يبكها بدم
لسنا نراها حق رؤيتهاإلا أوان الشيب والهرم
ولربّ شيء لا يبيّنهوجدانه إلا مع العدم
كالشمس لا تبدو فضيلتهاحتى تغشىّ الأرض بالظلم
وله أيضا في نسيب قصيدة:
أيا برد الشباب لكنت عنديمن الحسنات والقسم الرّغاب
لبستك برهة لبس ابتذالعلى علمي بفضلك في الثياب
ولو ملّكت صونك فاعلمنهلصنتك في الحرير من العياب
ولم ألبسك إلا يوم فخرويوم زيارة الملك اللّباب
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع