تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب مدح الشيب

في الخبر أن الله تعالى يقول: الشيب نوري والنار خلقي وأنا أستحي أن أحرق نوري بناري. وكان يقال: الشيب حلية العقل وسمة الوقار.

وقال دعبل الخزاعي:

أهلا وسهلا بالمشيب فإنّهسمة العفيف وهيئة المتحرج
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أهلا وسهلا بالمشيب »
وكأنّ شيبي نظم در زاهرفي تاج ذي ملك أغرّ متوّج
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أهلا وسهلا بالمشيب »

وقال طريح بن إسماعيل الثقفي:

والشيب إن يحلل فإنّ وراءهعمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص مني المشيب قلامةولنحن حين بدا ألذّ وأكيس

وكان يقال: الشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضة سبكتها التجارب.

وكان بعض الحكماء يقول: إذا شاب العاقل سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب.

ووصف بعض البلغاء رجلا شاب وارعوى عن مجاهل الشباب فقال: ذاك قد عصى شياطين الشباب وأطاع ملائكة الشيب.

وقال علي ﵁: مشهد الشيخ خير من مشهد الغلام.

وقال ابن المعتز: عظّم الكبير فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير فإنه أغر بالدنيا منك.

وكان يقال: الشيخ يقول عن عيان والشاب عن سماع.

وقال أبو تمام:

فلا يروعك إيماض الشيب بهفإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب

وقال أبو السمط:

إنّ المشيب رداء العقل والأدبكما الشباب رداء اللهو والطّرب

وقال دعبل:

أحبّ الشّيب لما قيل: ضيفكحبي للضيوف النّازلينا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أفيقي من ملامك يا ظعينا»

وقال البحتري:

وبياض البازيّ أصدق حسنا،إن تأملت، من سواد الغراب
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

وله:

عذلتنا في عشقها أم عمروهل سمعتم بالعاذل المعشوق
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ورأت لمة ألم بها الشيب فريعت من ظلمة في شروق
للشاعر البحتري، من قصيدة «ها هو الشيب لائما فأفيقي»
ولعمري لولا الأقاح لأبصرت أنيق الرياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يملحببياض ما كان بالموموق
أي ليل يبهى بغير نجوموسحاب يندى بغير بروق
للشاعر البحتري، من قصيدة «ها هو الشيب لائما فأفيقي»

وقال ابن الرومي:

قد يشيب الفتى وليس عجيباأن ترى النار في القضيب الرطيب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «قد يشيب الفتى وليس عجيبا»

وللبديع الهمذاني فصل في مدح الشيب وذم الشباب: جزى الله المشيب خيرا فإنه أناة، ولا رد الشباب فإنه هنات وبئس الدار الصبا

وليس دواؤه إلا انقضاؤه، وبئس المثل: النار ولا العار، ونعم الراكضان: الليل والنهار، وأظن الشباب والشيب لو مثّلا لكان الأول كلبا عقورا، والآخر شيخا وقورا، ولاشتعل الأول نارا، واشتهر الآخر نورا، فالحمد الله الذي بيض القار وسماه الوقار، وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد، إن السعيد من شابت جملته ولم تخص بالبياض لحيته. وقال أيضا في الشيب:

يا من يعلل نفسه بالباطلنزل المشيب فمرحبا بالنازل
إن كان ساءك طالعات بياضهفلقد كساك بذاك ثوب الفاضل
لا تبكين على الشباب وفقدهلكن على الفعل القبيح الحاصل
يا غافلا عن ساعة مقرونةبنوادب وصوارخ وثواكل
قدّم لنفسك قبل موتك صالحافالموت أسرع من نزول الهاطل
حتام سمعك لا يعي لمذكروصحيح قلبك لا يلين لعاذل
تبغي من الدنيا الكثير وإنمايكفيك من دنياك زاد الراحل
آي الكتاب تهز سمعك دائماوتصم عنها معرضا كالغافل
كم للإله عليك من نعم ترىومواهب وفوائد وفواضل
كم قد أنالك من موانح طولهفاسأله عفوا فهو غوث السائل

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.