من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح السواد
أحسن ما قيل فيه قول أبي يوسف القاضي، وقد جرى بين يدي الرشيد ذكر السواد من الألوان: يا أمير المؤمنين، من فضائل السواد: أنه لم يكتب كتاب إلا به حتى كتاب الله تعالى.
وكان يقول: النور في السواد؛ يعني سواد الناظر. وقد أكثر الشعراء في مدح السواد ووصفه، فمن أحاسنه قول أبي حفص في جارية له:
أشبهك المسك واشبهتهقائمة ما كنت أو قاعده
لا شك إذ عرفكما واحدأنّكما من طينة واحده
وقال ابن العبسي:
إن سعدى- والله يكلأ سعدىملكت بالسواد رقّ سوادي
أشبهت ناظري وحبّة قلبيفهي في العزّ ناظري وفؤادي
لن يرى الناظرون شيئا وأن أش-- رق حسنا إلا بنور السواد
وقال بعض الكتّاب في غلام أسود:
قالوا عشقت من البرية السودامهلا علقت بأضعف الأسباب
فأجبتهم ما في البياض فضيلةوأرى السواد نهاية الطلاب
أهوى السواد لأن شيبي أبيضيردي الفتى وأحب لون شبابي
وكذاك في الكافور برد قاطعوالمسك أصبح سيد الأطياب
وبه تزين كفّ كلّ خريدةوبه تتمّ صناعة الكتّاب
والله ألبس أهل بيت محمدلون السواد فكف عنك عتابي
وقال ابن الرومي، وزاد عليه:
غصن من الآبنوس ركب فيمؤتزر معجب ومنتطق
سوداء لم تنتسب إلى برص الشقر ولا لمعة من البهق
أكسبها الحبّ أنها صبغتصبغة حبّ القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر والأبصار يعنق أيما عنق
وبعض ما فضل السواد بهوالجبر ذو سلم وذو يقق
أن لا تعيب السواد حلكتهوقد يعاب البياض بالبهق
وقال بعض الظرفاء:
يكون الخال في خد قبي-- ح فيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف بمنقد يراه كله في العين خالا
وقال الصابي في غلام أسود:
لك وجه كأنّما خضّبه سوداء قلب عن التصبر خالي
فيه معنى من البدور ولكننفضت صبغها عليه الليالي
لم يشنك السواد بل زدت حسناإنما يلبس السواد الموالي
لطيفة: قيل إن هارون الرشيد جلس ذات يوم وبين يديه جاريتان إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، فتعاتبت الجاريتان وتنادمتا، ثم إن كل واحدة منهما أنشدت شعرا تمدح نفسها وتذم صاحبتها، ثم إن السوداء أنشدت تقول:
ألم تر أنّ المسك لا شيء مثلهوأنّ بياض اللفت حمل بدرهم
وأن سواد العين لا شك نورهاوأن بياض العين لا شيء فافهم
فأجابتها البيضاء وقالت:
ألم تر أنّ الدّر لا شيء فوقهوأن سواد الفحم حمل بدرهم
وأنّ رجال الله بيض وجوههموأن الوجوه السود أهل جهنم
فاستحسن الرشيد قولهما وخلع عليهما.
وقال ابن المعتز: يا مسكة العطار، وخال وجه النهار.
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع