تجاوز إلى المحتوى

من «فرحة الأديب» للأسود الغندجاني (ت نحو ٤٣٠هـ)

قال ابن السيرافي قال المرار

صرمت ولم تصرم وأنت صروموكيف تصابي من يقال حليم
وصدت فأطولت الصدود وقلماوصال على طول الصدود يدوم

قال: يقول صرمت هذه المرأة من قبل أن تصرمك، يخاطب نفسه. ثم قال: وكيف يتصابى من قد كبر وحلم، وصدت هذه المرأة وأطولت أنت الصدود، ومع طول الصدود لا يبقى من المودة والمحبة شيء.

قال س: هذا موضع المثل:

يا أهل ذي المروة خلوها تمرفإنما أنتم نبيطٌ وحمر

هذا من أفضح ما جاء بن ابن السيرافي، وذلك أن هذا الشعر ليس من الغريب الذي يشتبه على أحد. والصواب: صددت فأطولت الصدود ونظام الأبيات:

صرمت ولم تصرم وأنت صروموكيف تصابي من يقال حليم

يقول: صرمت ولم تصرم صرم ثبات ولكن صرم دلال.

صددت فأطولت الصدود ولا أرىوصالاً على طول الصدود يدوم

كأنه يخاطب نفسه ويلومها على طول الصدود. أي لا يدوم وصال الغواني إلا لمن يلازمهن ويخضع لهن، وفسر ذلك بالبيتين بعدهما، وهما:

وليس الغواني للجفاء ولا الذيله عن تقاضي دينهن هموم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
ولكنما يستنجز الوعد تابعٌمناهن حلافٌ لهن أثيم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

قال ابن السيرافي قال المرار

أنا ابن التارك البكري بشرٍعليه الطير ترقبه وقوعا
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

موضع ترقبه نصب على الحال، أي ترقب موته لتأكله.

علاه بضربة بعثت بليلٍنوائحه وأرخصت البضوعا
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

قال: عنى بشر بن عمرو بن مرثد وقتله رجل من بني أسد، ففخر المرار بقتله. وبشر: هو بكر بن وائل. وأرخصت البضوعا: أي أرخصت الضربة اللحم على الطير. وزعم بعض الرواة أنه يعني بالبضوع بضوع نسائه، أي نكاحهن. يقول: لما قتلوه سبوا نساءه فنكحوهن بلا مهر. والبضوع: النكاح. والتفسير الأول أعجب إلي.

قال س: هذا موضع المثل:

أصبحت من ذكر أرجوانة كالمرسل ماءً فأمسك الزبدا

ما أكثر ما يرجح ابن السيرافي الرديء على الجيد، والزائف على الجائز، وذلك أنه مال إلى القول بأن البضوع هنا اللحم، ولعمري إنها لو كانت لحوم المعزى والإبل لجاز أن يقع عليها اسم الرخص والغلاء، وهذه غباوة تامة.

والصواب أنهم لما قتلوه عرضوا نساءه للسباء، لأنه لم يبق لهن من يحميهن ويذود عنهن. ثم إنه لم يذكر قاتل بشر من أي قبائل بني أسد كان، وإذا لم تعرف حقيقة هذا، لم يدر لأي شيء افتخر المرار بذلك.

وقاتله سبع بن الحسحاس الفقعسي، ورئيس الجيش جيش بني أسد ذلك اليوم: خالد بن نضلة الفقعسي وهو جد المرار بن سعيد بن حبيب بن خالد ابن نضلة.

وكان من حديث هذا اليوم - وهو يوم قلاب - أن حياً من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان، غزوا وعليهم خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس، فقالوا لكاهن لهم: انظر هل يخبرك صاحبك عن الماء، فتسجى بثوبه، فأتاه شيطانه، فقال: اركبوا شنخوبا وطبلالا، فاقتاسوا الأرض أميالاً، فإنكم سترون قارات طوالا، وإن بينهن بلالا.

فحملوا رجلاً منهم على أحد الفرسين، فأجراه فوجد قارات بينهن غدير من ماء السماء، فاستقى القوم وسقوا وأكلوا تمراً من زادهم. فاعترض بشر بن عمرو لآثارهم فقال: هذه آثار بني أسد، فلما وردوا الماء قال: انظروا ما يصنعون بالنوى، إن كان بني أسد فإنهم يطرحون النوى من خلفهم، وإن كانت تميم فإنهم يرمون النوى من بين أيديهم.

فلما وجدوا مطرح نواهم قال: هذه بنو الحارث بن ثعلبة، يأسر أحدهم عقاص المرأة، ويفدي بالمئة، عليكم القوم. قال له ابنه: إن في بني الحارث بن ثعلبة بن فقعس، وإن تلقهم تلق القتال. فقال اسكت، فإن وجهك شبيه بوجه أمك عند البناء. فنفذ القوم.

فلما التقوا هزم جيش بشر، فأتبعته الخيل وهو مجيد - أي صاحب أفراس جياد - حتى توالى في أثره ثلاثة فوارس وما بينهم قريب. فكان أولهم سبع بن الحسحاس الفقعسي، وأوسطهم عميلة بن المقتبس الوالبي، وآخرهم خالد بن نضلة. فأدركت نبل الوالبي الأوسط فرس بشر بن عمرو برمية رماه بها فعقرته، ولحقه سبع فاعتنقه، وجاء خالد وقال: يا سبع لا تقتله فإنا لا نطلبه بدم، وعنده مال كثير، وهو سيد من هو منه.

فأجلساه بينهما واعتزل الوالبي، وأتتهم الخيل، فإذا مر به رجل أمرهم بقتله، حتى جعل بعض القوم يوعده فيزجر عنه خالد، ثم إن رجلاً هم أن يوجه إليه السنان، فنشز خالد على ركبتيه وقال: اجتنب إليك أسيري. فغضب سبع أن يدعيه خالد، فدفع سبع في نحر بشر فوقع مستلقياً فأخذ برجله ثم أتبع السيف فرج الدرع حتى خاض به كبده. فقال بشر: أجيروا سراويلي فإني لم أستعن. ثم أرسله، وعمد إلى فرسه فاقتاده. فقال حين قتله وهو غضبان: أسيرك وأسير أبيك.

فقالت الخرنق تعير عبد عمرو بن بشر حين حضض على طرفة والمتلمس:

هلا ابن حسحاسٍ قتلت وخالداًهنالك لم تقتل هناك ولم تشر
هم طعنوا أباك في فرج درعهووليت لا تلوي على مجحر تجري

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المصادر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.