تجاوز إلى المحتوى

من «فرحة الأديب» للأسود الغندجاني (ت نحو ٤٣٠هـ)

قال ابن السيرافي قال فروة بن مسيك

فإن نهزم فهزامون قدماًوإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبنٌ ولكنمنايانا ودولة آخرينا

قال: قوله " فإن نهزم فهزامون قدماً " يقول: إن انهزمنا في هذه الوقعة، فقد هزمنا الناس قبلها مراراً كثيرة. مع كلام يشبه هذا لا يدل على معنى البيت.

قال س: هذا موضع المثل:

فهيهات القرارة أن تراهاأتى من دونها القدر المتاح

بعيد على المستفيد معرفة معنى قوله " فإن نهزم " وأنه لم اعترف بالانهزام مع ما فيه من العار - إذا لم يعرف القصة. وكنت قد ذكرت لك أن الشعر إذا كان متعلقاً بقصة، فإن أصحاب المعاني لا يقدرون على استخراج معناه إلا بها.

وكان من قصة هذا الشعر: أنه كان صنم مراد في أعلى وأنعم وهما بطنان من مراد، فقالت أشرافٌ من مراد: ما بال آلهتنا لا تكون في عرانيننا.. فأرادوا انتزاع الآلهة منهم. فخرجوا منهم فأتوا على بني الحارث فاستجاروا بهم، وأرسلت مراد إلى بني الحارث: أن أخرجوا إخوتنا من داركم، وابعثوا إلينا برجلين منكم لنقتلهما بصاحبنا - وكانت مراد تطلب بني الحارث بدم - فلما رأى الحصين بن يزيد بن قنان أن مراداً قد ألحت في طلب أصحابهم، هابهم وعلم أنه لا طاقة له بهم.

وكانت مراد إذا قتل منهم رجل قتلوا به رجلين، وكانوا لا يأخذون الدية إلا مضاعفة. فسار حصين بن يزيد وهو رئيس بني الحارث إلى عمير ذي مران، فسأله أن يركب معه إلى أرحب فيصلح بينه وبينهم، ويسألهم الحلف على مراد.

فقال الحصين: يا معشر أرحب، إني لست بأسعد - بهلاك مراد منكم، وكانت أرحب تغاور مراداً قبل ذلك، فحالفته أرحب، وغدوا: فسار حصين بن يزيد بن الحارث، وسارت البادية من همدان وعليهم يزيد بن ثمامة الأرحبي الأصم. وأقبلت مراد كأنهم حرة سوداء يدفون دفيفاً، وعليهم الحارث بن ظبيان المثلم وكان يكنى أبا قيس الأنعمي.

فاقتتلوا بموضع يقال له الرزم إلى جنب أياء قتالاً شديداً، فتضعضعت بنو الحارث، وأقبل عليهم الحصين فقال: يا بني الحارث، والله لئن لم تضربوا وجوه مراد بالسيوف حتى يخلوا لكم العرصة لأتركنكم تنفلون في العرب.

ثم أقبل على بادية همدان فقال: يا معشر همدان، الصبر الصبر، لا تقول مراد إنا لجأنا إلى عدد همدان وعزها فلم يغنوا عنا.

فاقتتل القوم قتالاً شديداً، فقتل الحصين، وصبر الفريقان جميعاً، فتهيأت بنو الحارث للفرار، وتضعضعت أرحب - وقد كانوا أحضروا النساء معهم فجعلوهن خلف ظهورهم - فلما رأت أرحب النساء قد بدت خلاخيلها للفرار؛ عادوا للقتال وقالوا: لا نفر حتى يفر يغوث. وصبروا للقوم، وصبرت بنو الحارث عليهم، فانهزمت مراد، واستذرع القتل فيهم، وسبوا نساءً من نسائهم، فأدرك الإسلام وهن في دور همدان.

وقتل يومئذ المثلم رئيس مراد، وعزيز وقيس ونمران وسمي المراديون. وقتل في ذلك اليوم الحصين بن يزيد الحارثي. فقال في ذلك يزيد ابن ثمامة الأرحبي:

لقد علم الحي المصبح أننيبجنب أياءٍ غير نكس مواكل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
تركت عزيزاً تحجل الطير حولهوغشيت قيساً حد أبيض قاصل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
ونمران قد قضيت منه حزازةًعلى حنقٍ يوم التفاف القبائل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
عكبٌّ شفيت النفس منه وحارثٌبنافذةٍ في صدره ذي عوامل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
وأردت سمياً في المكر رماحناوصادف موتاً عاجلاً غير آجل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة

قال س: إذا لم يعرف معنى القصة لم يعرف معنى البيت:

فإن نهزم فهزامون قدماًوإن نغلب فغير مغلبينا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب إن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.