من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)
من أحب تطفيل غيره عَلَيْهِ فسهل لَهُ السبيل إِلَيْهِ
أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرحيم الْمَازِنِيُّ, أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ, أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ الْخَرَّازُ, أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدِينِيُّ, قَالَ: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ لابْنِ السَّمَّاكِ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ فِي جَوْزِينَج رَقَّ قِشْرُهُ, وَاشْتَدَّتْ عُذُوبَتُهُ, غَرِيقٌ فِي سُكَّرٍ وَدُهْنِ لَوْزٍ؟ قَالَ: أَيْ أَخِي! مَا أَشَدَّ الْوَصْفَ إِذَا لَمْ أَرَ مَعَهُ الْمَوْصُوفَ! فَإِنْ كَانَ الَّذِي ذَكَرْتَ حَاضِرًا فَمَنْظَرُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ وَصْفِهِ, وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حاضرا فليفتنا كَمَا فَاتَنَا مَنْظَرُهُ.
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْن يعقوب الواسطي, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَلِي بْن مَرْوَان الكوفي, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ الأنباري, حَدَّثَنِي أَبِي, أَخْبَرَنَا أَبُو النضر الفقيه, قَالَ: سمعت من يَرْوِي أَن الرشيد وَبَعْض من يحضره من أهل بيته اختلفا فِي الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب؟ قَالَ الرشيد: نسأل أبا الْحَارِث جمين.
قَالَ: فاحضروه, فَقَالَ لَهُ: يا أبا الْحَارِث! مَا تقول فِي اللوزينج والفالوذج, أيهما أطيب؟ قَالَ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ! لا أقضي عَلَى غائب؛ قَالَ: فأحضروهما إياه, فجعل يأكل من الفالوذج ساعة, ومن اللوزينج ساعة, فَقَالَ لَهُ الرشيد: قل أيهما أطيب؟ أقض عَلَى أحدهما؛ فَقَالَ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ! كلما أردت أَن أقضي لأحدهما أدلى الآخر بحجته.
أخبرني أَبُو القاسم الأزهري, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن سليمان بن الخضر العكبري بِهَا, أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن جَعْفَر التستري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن البصري, أَخْبَرَنَا أحمد ابن الأصبهاني, أخبرنا أبو بكر ابن عَبْد اللَّهِ الأَصْبَهَانِي, قَالَ: قَالَ: الْحَسَن بْن الصباح النسائي: دخلت عَلَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد, فَقَالَ لي: مَا تقول فِي الحلوى؟ فَقُلْتُ: لا أقضي عَلَى غائب؛ فدعا بجام محكوك مخروط قوائمه منه, وفيه لوزينج معمول بالماورد الجوري, وباللوز المقشور من قشريه, والسكر الطبرزد, ملفوف بالعسل الأبيض, إذا قلعت اللوزنجة سمعت لَهَا صريرًا كصرير النعل السندي, فَإِذَا أدخلتها فِي فيك سمعت لَهَا نشيشًا كنشيش الحديد إِذَا خرج من الكير, فَقُلْتُ: (وإلهكم إله واحد) فأطعمني واحدة, قلت: (أرسلنا إليهم اثنين) فأطعمني ثانية, قُلْت: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) فأطعمني ثالثة, قُلْت: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) (سورة البقرة
الآية).فأطعمني رابعة, قُلْت: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رابعهم ولا خمسة) فأطعمني خامسة, قُلْت: (خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كلبهم) فأطعمني سادسة, قُلْت: (سَبْعَ سَمَوَاتٍ طباقا) فأطعمني سابعة, قُلْت: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) فأطعمني ثامنة, قُلْت: (تِسْعَةُ رَهْطٍ) فأطعمني تاسعة, قُلْت: (عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فأطعمني عاشرة, قُلْت: (رَأَيْتُ أَحَدَ عشر كوكبا) فأطعمني أحد عشر, قُلْت: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ) فأطعمني اثني عشر, قُلْت: (إِنْ يكن منكم عشرون صابرون) قَالَ: فرمى بالجام إلي, وَقَالَ لي: كُل يا ابْن البغيضة؛ قُلْت: والله لو لَمْ ترم إلي بالجام لقلت لَك: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أو يزيدون).
النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع