تجاوز إلى المحتوى

من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)

أخبار من صرف إلى التطفل همته وجعل ذَلِكَ صناعته وحرفته

أخبرني أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن أَخُو الخلال, أخبرني إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم الشطي بجرجان, أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِي شُعْبَة, قَالَ: كان بالبصرة شيوخ طفلية ملاح يلبسون فِي الصيف الطيالسة الزرق, وَكَانَ مِنْهُم شيخ يقال لَهُ: أَبُو مَالِك الهالك, ينزل سكة قريش, جاء إِلَى أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق يَوْم سبت بالعشي بَعْد العصر, ومحمد بْن إِبْرَاهِيم جالس عَلَى بابه قَدْ رش الطريق وكنس, وَلَهُ عرس يَوْم الأحد بابنة حسين بْن بشر الصابوني, فسلم عَلَيْهِ وبرك لَهُ, وَقَالَ: قَدْ بلغني هذه المأدبة الَّتِي هِيَ لَك فِي غد, فأجئ إِلَى دارك أدخلها بإذنك فآكل وأزل للصبيان معي؟ فَقَالَ: نَعَم. فلما كَانَ من الغد جاء, فدخل, فأكل, وأخذ من الطعام لصبيانه.

قرأت فِي كتاب الْحَسَن ابن أَبِي يعقوب الأَصْبَهَانِي, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن أسيد المديني, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا الغلابي, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد بْن عَمْرو, قَالَ: اجتمع قوم من الطفيليين, فأرادوا وليمة, فَقَالَ رئيسهم: اللَّهُمَّ لا تجعل البواب لكازًا فِي الصدور, دفاعًا فِي الظهور؛ طراحًا للقلانس؛ هب لنا رأفته وبشره

وسهل لنا إذنه. فلما دخلوا, تلقاهم الخباز, فَقَالَ رئيسهم: غرة مباركة موصول بِهَا الخصب معدوم معها الجدب. فلما جلسوا عَلَى الخوان, قَالَ: جعلك اللَّه فِي البركة كعصا موسى وخوان إِبْرَاهِيم ومائدة عيسى.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابه: افتحوا أفواهكم, وأقيموا أعناقكم؛ وأجيدوا اللف, وأشرعوا الأكفح ولا تمضغوا مضغ المتعللين, الشباع المتخمين؛ واذكروا سوء المنقلب, وخيبة المضطرب.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن عَلِي بْن الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم صاحب الْعَبَّاسِي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْحَسَن الرازي, أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الكوكبي, حَدَّثَنِي ابْن صدقة, قَالَ: قيل لطفيلي مرة: كَيْفَ علمك بكتاب اللَّه؟ قَالَ: أنا من أعلم النَّاس بِهِ, فقيل لَهُ: مَا معني قَوْله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا), فَقَالَ معناه: واسأل أهل القرية, قيل لَهُ: وَمَا الدليل عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَمَا تقول: أكلت سفرة فُلان, وإنما تريد أكلت ما فيها.

أخبرنا أحمد ابن أَبِي جَعْفَر القطيعي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْحَسَن بْن المترفق الطرسوسي, قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عدي يَقُول: سمعت عصمة بْن كمال يَقُول: سمعت أبا عَمْرو الطفيلي يَقُول: سمعت أستاذي يَقُول فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى: (ثُمَّ إن مرجعهم لإلى الجحيم)

, قَالَ: الأكل من الحاصل.

وشبيه هذ التفسير مَا حكى لي أَبُو نعيم أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ الحافظ أَنَّهُ سمع أبا بَكْر بْن المقرئ يَقُول فِي وصية الخضر لموسى: ولا تكن مشاء فِي غَيْر حاجة؛ قَالَ: لا تمش إلى موضع لا تمضغ فِيهِ شيئًا.

حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الْحَسَن الجلاب, قَالَ: نقش طفيلي عَلَى خاتمه: (فقال ألا تأكلون).

قَالَ: وَقَالَ طفيلي: خير البقاع ثلاثة: دكان الرواس والشواء والهراس.

قرأت عَلَى الْحَسَن ابْن أَبِي القاسم, عَن أَبِي الفرج عَلِي بْن الْحُسَيْن الأَصْبَهَانِي, أخبرني الْعَبَّاس بْن عَلِي الصولي, قَالَ: قيل لطفيلي مرة: مَا بالك أصفر اللون؟ فَقَالَ: من الفترة الَّتِي بَيْنَ الغضارتين أخاف أَن يَكُون الطعام قَدْ فني.

حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِم أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن بندار الْقَاضِي بقاسان, قَالَ: قرأت فِي كتاب أَبِي بخطه: قيل لبعض الطفيليين: أتحب أبا بَكْر وعمر؟ وَقَالَ: مَا ترك الطعام فِي قلبي حبًا لأحد.

سمعت من يذكر عَن بَعْض الطفيليين, قَالَ: إِذَا كنت عَلَى مائدة فلا تتكلمن فِي حال أكلك, وإن كلمك من لابد لَك من جوابه, فلا تجبه إلا بقول: نَعَم, فَإِن الْكَلام يشغل عَنِ الأكل؛ وقول نَعَم مضغة.

أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي فِي كتابه, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ قَالَ: سئل عَبَّاس المطفل: أي شَيْء أحب إليك أَن يتفق؟ فَقَالَ: دعوة قريبة فِي يَوْم مطير.

حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي الجلاب قَالَ: خرج طفيلي مَعَ نفر فِي سفر, فعزموا أَن يخرج كُل واحد شيئًا للنفقة, فَقَالَ كُل واحد: عَلِي كَذَا. فلما بلغوا إِلَى الطفيلي, قَالَ لَهُمْ: عَلِي؛ وسكت, فَقَالُوا لَهُ: فإيش عليك؟ قَالَ: لعنة اللَّه. فضحكوا منه وأعفوه من

النفقة, وحملوه طول سفرهم.

أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا ابن مُحَمَّد بْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, أَخْبَرَنَا الْحَارِث ابن أَبِي أُسَامَة, قَالَ: سمعت المدائني يَقُول: دَخَلَ طفيلي عرسًا, فلما حضرت المائدة وقدمت المصلية, نظر إِلَيْهَا, ثُمَّ قَالَ: حكم اللَّه بيني وبينك, فأنت أقمتني هَذَا المقام.

قَالَ أَحْمَد بْن الْحُسَيْن: وسمعت مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْكِسَائِي يَقُول: مر طفيلي بقوم عزموا عَلَى الشرب يومهم ذاك وَهُمْ فِي منظرة لَهُمْ, فسلم عَلَيْهِم, وَقَالَ: أدخل؟ فدخل, فَقَالَ لَهُمْ: يا فتيان! أي شَيْء جلوسكم؟ قَالُوا: قَدْ بعثنا نجيء بلحم.

قال: فلما جاؤوا باللحم, قَالَ لَهُمُ الطباخ: مَا تطبخون؟ فقال

الطفيلي: كباب أروج, فلما أكل وانثنى, وضع رجلًا عَلَى رجل, وَقَالَ: لمن هذه الدار؟ ثُمَّ قَالَ مجيبًا لنفسه: لَك يا فاعل حَتَّى يخرج منازع.

حَدَّثَنِي عَلِي بْن المحسن بْن عَلِي الْقَاضِي, عَن أَبِيهِ, قَالَ: صحب طفيلي رجلًا فِي سفر, فَقَالَ لَهُ الرجل: امض فاشتر لنا لحمًا, قَالَ: لا, والله مَا أقدر؛ فمضى هُوَ فاشترى؛ ثُمَّ قَالَ لَهُ: قم فاطبخ؛ قَالَ: لا أَحْسَن؛ فطبخ الرجل؛ ثُمَّ قَالَ لَهُ: قم فأثرد؛ قَالَ: أنا والله كسلان؛ فثرد الرجل؛ ثُمَّ قَالَ لَهُ: قم فاغرف؛ قَالَ: أخشى أَن ينقلب عَلَى ثيابي؛ فغرف الرجل؛ فَقَالَ لَهُ: قم الآن فَكُل. قَالَ الطفيلي: قد والله استحييت من كثرة خلافي عليك؛ وتقدم فأكل.

أخبرنا أحمد ابن أَبِي جَعْفَر, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْحَسَن بْن المترفق الطرسوسي بمصر, قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عدي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عبيد اللَّه يَقُول: سمعت الجاحظ يَقُول: قُلْت لأبي سَعِيد الطفيلي: كم أربعة فِي أربعة؟ قَالَ: رغيفين وقطعة لحم.

أخبرني أَبُو الْحَسَن عَلِي بْن أيوب القمي, أَخْبَرَنَا أَبُو

عبيد اللَّه مُحَمَّد بْن عمران المرزباني, حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر, أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس المبرد, قَالَ: قيل لطفيلي: كم اثنان فِي اثنين؟ قَالَ: أربعة أرغفة.

قَالَ: وَقَالَ مرة أُخْرَى: انتظرته مقدار مَا يأكل إِنْسَان رغيفًا.

أَخْبَرَنَا أَبُو يعلى أَحْمَد بْن عَبْد الْوَاحِد الوكيل, أخبرني إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن إِسْمَاعِيل المعدل, أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الكوكبي, أَخْبَرَنَا الهدادي قَالَ: قَالَ أَبُو هفان: قيل لطفيلي: كم أربعة فِي أربعة؟ قَالَ: ستة عشر رغيفًا.

قَالَ: وَقَالَ أَبُو هفان: طَفْل رجل مرة عَلَى رجل, فَقَالَ لَهُ صاحب المنزل: من أَنْتَ؟ قَالَ: أنا الَّذِي لَمْ أحوجك إِلَى رَسُول.

قَالَ: وأنشد أَبُو هفان:

سواء عَلَيْهِم قدموا أَوْ تأخرواأجيء مَعَ الطباخ ساعة يغرف

قرأت عَلَى الْحَسَن ابْن أَبِي القاسم, عَن أَبِي الفرج عَلِي بْن الْحُسَيْن الأَصْبَهَانِي, أخبرني أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن أَحْمَد الكاتب, أَخْبَرَنَا جَعْفَر ابن أَبِي الفضل الشاعر, حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: دَخَلَ طفيلي مرة عَلَى رجل قَدْ دعا قومًا, فَقَالَ لَهُ: يا هَذَا! قُلْت لَك تجيء؟ فَقَالَ الطفيلي: قُلْت لي لا تجيء؟ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عبيد اللَّه البزاز: أَن طفيليا دَخَلَ عَلَى قوم, فَقَالُوا لَهُ: مَا دعاك أحد! قَالَ: إِذَا لَمْ تدعوني وَلَمْ أجئ أنا وقعت وحشة. فضحكوا منه وقربوه.

أخبرني الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد أَخُو الخلال, أخبرني إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّهِ الشطي, أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِي شُعْبَة, قَالَ: جاء طفيلي إِلَى دار رجل لَهُ عرس, فَقَالَ لَهُ صاحب العرس: من أَنْتَ؟ قَالَ: أنا الَّذِي قَالَ فِي الشاعر:

نزوركم لا نكافيكم بجفوتكمإِن المحب إِذَا لَمْ يستزر زارا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «نزوركم لا نكافيكم بجفوتكم»

فَقَالَ لَهُ صاحب الْبَيْت: زارا, لا أدري مَا هُوَ, قم اخرج من بيتنا.

حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الْحَسَن الجلاب, قَالَ: دعا رجل قومًا, فجاؤوا واتبعهم طفيلي, ففطن بِهِ الداعي, فأراد أن يعلمه أنه فطن بِهِ, فَقَالَ: مَا أدري لمن أشكر منكم, لكم إذ أجبتم دعوتي, أم لِهَذَا الَّذِي تجشم من غَيْر دعوة؟

النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التطفيل وحكايات الطفيليين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.