من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الوزير أبو عَبْدة حسّان بن مالك بن أبي عبدة
من بيت جَلالة، وعِترَة أصالة، كانوا مع عبد الرحمن الداخل، وتوغّلوا معه في متشعّبات تلك المداخل، وسعوا في الخلافة حتى حضر مُبَايعُها، وكَثُر مُشايعُها، وجدّوا في الهُدنة وانعقادها، وأخمدوا نار
الفتنة عند اتّقادها فأبرمت عُراها، وارتبطت أولاها وأُخراها، فظهرت البيعة واتّضحت، وأُعلِنَت الطّاعة وأُفصِحَت، وصاروا تاج مَفرِقِها، ومِنهاج طُرُقِهَا، وأبو عَبدة هذا ممّن بلغ الوزارة وأدركها، وحلّ مطلعها وفلكها، مع اشتهار في اللُّغة والآداب، وانخراط في سِلك الشعراء والكُتَّاب، وإبداع لما ألّف، وإنتهاض بما تكلّف ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف، وعليه مُعتكف، فخرج من عنده وعمل على مثاله كتاباً سمّاه بكتاب: ربيعة وعقيل، جرّد له من ذهنه أيّ سَيف صقيل، وأتى به مُنتسخاً مصوَّراً في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، وأبرزه والحسن يبتسّم عنه ويتعرَّى، فَسُرَّ به المنصور وأُعجِبَ، ولم يَغِب عن بصره ساعةً ولم يَحتجب، وكان لأبي عبدة بعد هذه المدّة حين أدجّت الفتنةُ لَيلها، وأزجَت ابلَهَا وخَيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مُضاض، واضطراب بين القوافي والمواضي كالحيّة النَّضناض، ثم اشتهر بَعدُ، وافترّ له
السَّعدُ، وفي تلك المدة يقول، يتشوّق إلى أهله:
سقى بلد أهلي به وأقاربيغواد بأَثقَال الحَيَا وروائحُ
وهَبَّتْ عليهم بالعشيِّ وبالضُّحَىنواسِمُ برد والظلال فوائحُ
تذكَّرْتُهُم والنأيُ قد حال دُونَهمولم أنسَ لكنْ أوقدَ القَلبَ لافحُ
ومّما شجاني هاتفٌ فَوقَ أيكةٍينوح ولم يَعلَم بما هو نائِحُ
فقلت اتّئِدْ يكفيك إني نازحوأنَّ الذي أهواهُ عنَّي نازِحُ
ولي صِبيَةٌ مِثْلَ الفراخِ بقفرمضى حاضناها فاطّحتها الطوائِحُ
إذا عَصَفتْ ريحٌ أقامت رؤوسهافلم يَلقَها إلاّ طيورٌ بوارِحُ
فَمنْ لِصِغَارٍ فَقدِ أبيهمسوى سانحٍ في الدّهرِ لوعنَّ سانِحُ
واستوزره المُستظهر عبد الرحمن بن هِشَام (المُسمَّى) بالخلافة أيام الفتنة، فلم يرضَ بالحال، ولم يَمضِ في ذلك الانتحال، وتثاقل عن الحضور في كل وقت، وتغافل في ترك الغرور
بذلك المَقت، وكان المستظهر يستبدّ بأكثر الأمور دونه، وينفرد مغيّباً عنه شؤونه فكتب إليه:
إذا غِبْتُ لم أُحضَر وإن جِئْتُ لم أُسَلْفسيّان منّي مْشهد ومَغِيبُ
فأصبحتُ تيميّاً وما كُنت قبلهالِتَيْمٍ ولكنّ الشبيهُ نسيبُ
ومن شعره في المِهرجَان:
أرى المِهْرجَان قد اسْتَبشَراغداةَ بكى المُزْنُ واسْتَعبَرا
وسُربِلَتْ الأرض أفواهَهَاوجُلّلت السُّندُسَ الأَخضَرَا
وهزّ الرِّياح صنابيرَهافضوَّعتِ المسك والعَنبَرا
تهادى به النَاس ألطَافهُوسام المقلّ به المُكْثِرَا
وله أيضاً:
رَأتْ طالِعاً للشَّيبِ بَينَ ذَوَائبيفَعَادتْ بأَسْرابِ الدّموع السَّواكبِ
وقالت: أَشيبٌ؟ قُلت صُبْحُ تجاربيأنَارَ على أعقَابِ ليلِ نوائبي
ولما مات قال الوزير أبو عامر بن شهيد يرثيه رحمهما الله تعالى:
أفي كلِّ عامٍ مصرعٌ لعظيمِأصاب المَنَايا حادِثِي وقدِيمي
وكيفَ اهتدائي في الخطوب إذا دَجَتْوقد فَقَدتْ عينايَ ضوَء نُجُومِ
مضى السَّلفُ الوضّاح إلاّ بقيةًكغْرَّةِ مسوَدِّ القميصِ بهيمِ
فإن ركبت مَنّي الليالي هَضِيمَةًفَقَبليَ ما كان اهِتضَامُ تميمِ
أبا عَبدَةَ إنّا غَدَرنَاك عِندَمارَجَعنَا وغادرْنَاك غَيرَ ذميمِ
أنَخْذلُ مَنْ كُنَّا نرودُ بأَرضِهِوَنكْرَعُ منه في إناءِ علومِ
وَيجْلو العَمَى عنّا بأنوارِ رأيهِإذا أظلَمت ظلماءُ ذاتُ غمومِ
كأنّك لم تُلْقِحْ بريح من الحِجَىعقائمَ أفكار بغيرِ عقيمِ
ولم نَعتَمِدْ مغناك غَدْواً ولم نَزرْرَوَاحاً لفصلِ الحُكمِ دارَ حكيمِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع