تجاوز إلى المحتوى

من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الوزير أبو الوليد بن حَزْم

واحد دونه الجَمع وهو للجلالة بَصرٌ وسَمع، روضةُ عُلاه رائقة السَّنا، ودوحةُ بَهاه طيبِّة الجَنى، لم يتّزر بغير الصًّون، ولم يشتهر بفسادٍ بعد الكون، مع نفسٍ بَرئت من الكِبَر، وخلصت خُلوص التّبر، مع عَفافٍ التحف به بُرُوداً، وما ارتَشف به

ثَغراً بَرُوداً، فَعَفت مواطِنُه، وما استرابت ظواهره ولا بواطِنُه، وأما شعره ففي قالب الإحسان أُفرغ، وعلى وجه الاستحسان يَلقى ويُبلِغ، وكتب إليه ابن زُهر:

أأبا الوليدِ وأَنْتَ سيِّدُ مَذحِجهلاّ فَكَكْتَ أسيرَ قبضة وَعْدِهِ
وحياة من أمد الحياةِوذِهَابُها حَتْماً بأيسرِ صدّهِ
لأقاتلنَّك إن قطعت بمُرْهَفٍمن جَفْنِهِ وبصَعْدَةٍ من قَدّهِ

فراجعه أبو الوليد:

لبّيك يا أسدَ البريَّةِ كلّهامن صادقِ عَبثَ المِطَالُ بوَعْدِهِ
يمضي بأمرك ساء أو سرَّ القضاويفلُّ حَدَّ النّائِبَاتِ بِحدّهِ
إيهٍ ووافقت الصّبا في مَعْرضٍذهب المشيبُ بهَزْلِهِ وبجِدّهِ
فَطفَقْتُ أسأله عن الظَّبي الذيراقت لِحَاظُ الأُسْدِ زُرْقَة خَدّهِ
فاستعجمت شُحَّاً عليه ورحمةًلفؤادِ مولاه ومُهْجَةِ عَبْدِهِ
يا قاتلَ الأبطالِ دونكَ مُرهَفَاًمن جَفنِهِ أو صَعْدَةً من قَدِّهِ
فلألقينَّكَ إنْ رَجَعْتَ بذِمّةٍمن عَهدِهِ وشَفَاعةٍ مِنْ عِنْدِهِ
حتى يردّ علاك طعمة وَصْلِهِوحشاي إن سامَحْت نَهْزَة صَدِّهِ

وكتب إليه أيضاً، أبو الوليد:

أأبا العلاءِ وتلكَ دعوةُ عابِثٍولعلَّها سَبَبٌ إلى أنْ تَعْتَبَا
داويتُ قَلْبي من هواكَ لعلّةفأبى ولست أسومُ قَلْبي ما أبى
أتَصَامُمَاً عمّا أقول وَوثْبَةًعما أُريد فمرحباً بكَ مَرْحَبا

وله أيضاً:

أتجزع من دَمْعي وأنت أسَلْتَهومن نارِ أحشائي وأنتَ لهيبُهَا
وتزعم أنّ النَّفْسَ غَيْركَ عُلِّقَتْوأنت ولا منٌّ عليكَ حبيبُهَا
إذا طلعتْ شمسُ عليّ بِسَلوةٍأثار الهوى بين الضلوع غُرُوبُها

وله أيضاً:

وعُلِّقتُهُ من حيثُ لم يدرِ ما الهَوىغريراً فلا وصلٌ لديه ولا هَجْرُ
يميل بِعطْفَيهِ النَّسيمُ صبابةًويرنو إلى ما فوق لَبَّاتِهِ البَدْرُ
وفي لَحظِهِ سحرٌ ولم يرَ بابِلاًوفي فمه خمرٌ ولم يدرِ ما الخَمْرُ
يرجّم فيّ الظّنَّ من غَيرِ رِيبَةٍويُوهِمُهُ دَمعي، فيسألُ ما الأمرُ؟
ومن شِيَمِ العُشَّاق أو خِدَع الهَوىقُلُوبٌ بَراها الشَّوقُ أدْمُعُها حُمْر
فلمَّا صَفَا أو كادَ إلاّ تَعِلَّةًتصدّى لهَا الواشي وأحكمها الدَّهرُ
ونَادَتهُ أَفلاذي على عادةِ الهَوىفصُمَّ كأنَّ الصوتَ في أُذنِهِ وَقْرُ
فأعرضتُ صَفحَاً عَنهُ أو شَرقَاً بهوداريتُ حتى شكّ في سرّيَ الجَهرُ
فقالوا سُلّوا عَنَّ أو مَللٌ عَرَاويا بِئسَ ما ظنّوا ولو خَذَل الصَّبْرُ
وما عَرَفت إلاّ الوفاَء سجيَتيوإن أنكروا ظُلْماً ولو خَذَل الصَّبْرُ

وله أيضاً:

مُحَمّد كم أُغَالِطُ فيكَ نَفسيفلا أدري أأسْلو أمْ أهيمُ
فَاخفِضُ عَنكَ طَرفي خَوفَ واشٍيعرِّض بي فيشمتُ أو يَلومُ
وكم من سَلْوةٍ هَجَمت وكادتولكنَّ الهوى خُلُقٌ عَظيمُ
وكَيفَ بها وقد وَقفَ الهوى بيمواقفَ يستطيرُ بها الحَليمُ
وكم تأتي تُلاطِفُهُ الأمانيفيأبى لا يسير ولا يقيمُ
وكنت هَمَمتُ لو لَمْ تَصطَفينيجفون لا يبلُّ بها سقيمُ
فمن شَغَفٍ تُراقبكَ الدّاراريويأخذ من مَعَاطِفِكَ النَّسيمُ

وله أيضاً:

وكم ليلة ظَافرْتُ في ظلَها المُنَىوقد طرفت من أعين الرُّقَباءِ
وفي ساعدي حُلْو الشمائلِ مُترَفيَدِينُ بيأسٍ تارةً ورجاءِ
أطارحه خَوفَ العتابِ ورُبَّماتغاضَبَ فاسترضيتُه ببُكَاءِ
وقد عابَثتهُ الرَاح حتَّى رمَتْ بهلَقىً بين ثَنيَيْ بُرْدتي ورِدَائي
وفي لحظةٍ من سَورة الكأس فترةتمتُّ إلى الحاظهِ بولاءِ
على حاجةٍ في الحُبِّ لو شِئْتُ نلْتُهاولكنْ حَمَتني عِفّتي وسَنَائي

وله أيضاً:

إنَّا إذا رُفِعَتْ سماءُ عجاجةٍوالحرب تَقعُدُ بالرَّدى وتقومُ
وتمرّد الأبطالِ في جَنَباتِهاوالموتُ من فَوقِ النّفوسِ يحومُ
برقت لهم منّا الحتوفُ كأنَّمانحنُ الأهلّةُ والسِّهامُ نُجُومُ

وله أيضاً:

لله أيام على وادي القرىسَلَفتْ لنا والدّهرُ ذو ألوانِ
والرّاحُ تأخذ من مَعَاطِفِ أغيدأخْذَ الصَّبَا من عِطفِ غُصن البانِ
حتى إذا ضَربَ الظّلام رِواقَهُوخشيتُ فيه طوارقَ الحَدثانِ
قمنا نُؤمِّل غيرَ ذلك مَنزلاًوالرّاحُ تقْصُر خَطْوه فتدانِ
ويروم قول أبي الوليد وربّماأخفت مكانةَ لامه الواونِ
والبَدْرُ يرمقني بمُقْلَةِ حاسدٍلو يستطيعُ لكان حيثُ يراني

وله أيضاً:

وهويته حُلْو الشمائل مُترَفاًنشوانَ يَعْثَرُ في فُضُولِ التّيهِ
أطوي الهوى شُحَّاً عليه ورحمةًوالدمع ينشر كلّ ما أطويهِ
ولكم صدرتُ فعارضتني نشوةٌمن وَرْدِ وجنتهِ وخَمْرةِ فيهِ

وله أيضاً:

إليكَ أبا حَفْصٍ ومن عن مَلاَلةٍثنيتُ عِنَاني والحبيبُ حبيبُ
مقالاً يطير الجمر عن جنباتِهِومن تَحْتهِ قَلبٌ عليك يذوبُ
مضت لك في أفياءِ ظلِّي قولةٌلها بين أحَنَاء الضُّلُوعِ دبيبُ
ولكن أبى إلاّ إليك التفاتهفزادَ عليه من هواك رقيبُ
وكم بيننا لو كُنتَ تَحمدُ رَوضةٍإذا العيشُ غضٌّ والزّمان قَشيبُ
وتحت جناحِ الغَيْم أحشاءُ رَوضَةٍبها لخُفُوقِ العاصفاتِ وجيبُ
وللزّهر في ظلّ الرّياض تبسّموللطّيْر منها في الغصون نحيبُ

تمّ القسم الأوّل

النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول الوزراء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.