من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو عبد الله مُحمَّد بن عائِشَة
اشتهر صَوناً وعَفافاً، ولم يخطب بعقيلة حظوة زفافاً فآثر انقباضاً
وسكوناً واعتمد إليها رُكُوناً، إلى أن أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه، فهبَّ من مرقد خموله، وشبّ لبلُوغ مأموله، فبدا منه في الحال انزواء في تسنّم تلك الرسوم والتواء، وقعود عن مراتب الأعلام، وجمود لا يُحمد فيه ولا يُلام، إلاّ أن أمير المسلمين - أيده الله تعالى - ألقى عليه منه مَحبَّة، جلبت إليه مسرى الظهور ومَهبَّه، وكان له أدب واسع المدى، يانع كالزّهر بلله النَّدى، ونظم مُشرق الصفحة عَبِق النَّفحَة، إلاّ أنه قليلاً ما كان يحلّ رَبعه ويذيل له طبعَه، وقد أثبتّ له منه ما يدع الألباب حائرة والقلوب إليه طائرة، فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى كان يهواه، ونفحت له هبَّةُ وَصلٍ بَرَّدت جَواه:
للهِ لَيْلٌ باتَ عندي بِهطَوْعَ يدي من مُهْجَتي في يَدَيْهْ
وبتُّ أسْقيهِ كؤوسَ الطَّلاَولم أزَلْ أسْهُرُ شَوْقَاً إليهْ
عاطَيْتُه حمراَء مَمْزُوجَةًكأنَّها تٌعْصَرُ من وَجْنَتِيْهْ
وله غيه وقد طرزت غلالة خدّه، وركب من عارضه سنان على صَعدَة قدّه:
إذا كنتَ تَهْوَى خَدَّه وهو رَوضَةٌبه الورد غَضٌّ والأقاح مُفَلَّجُ
فَزِدْ كَلفَاً فيه وفَرْطَ صَبَابَةٍفقد زِيدَ فيه من عِذَارٍ بَنَفْسَجُ
وخرج من بَلنسِية إلى منية الوزير الأجلّ أبي بكر بن عبد العزيز، وهي من أبدع منازل الدنيا وقد مدّت عليها أدواحها الأفيا، وأهدت إليها أزهارها العَرف والرّيا، والنهر قد غَصَّ بمائه، والروض قد خصَّ بِمثل أنجُم سَمائِه وكانت لبني عبد العزيز فيها أطراب، تهيّأ لهم فيها من الأيام آراب، فلبسوا فيها الأُنس حتى أبلوه،
ونشروا فيها السّرور وطووه، أيام كانوا بذلك الأفق طلوعاً، لم تضمَّ عليهم النوائب ضلوعاً، فقعد أبو عبد الله مع لُمَّة من الأدباء، تحت دوحة من أدواحها، فهّبت ريح أنس من أرواحها، سطت بأعصارها، وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها، فقال:
ودوحةٍ قَدْ عَلَتْ سماءًتَطْلَعُ أزهَارُهَا نُجُومَا
هَفَا نسيمُ الصَّبا عليهافأرسلت فوقنا رُجُومَا
كَأنَّما الجَوُّ غَارَ لمَّابَدَتْ فَأغْرَى بها النَّسِيمَا
وكان في زمن عُطلته، ووقت اصفراره وعلّته، ومقاساته من العيش أنكده، من التخوّف أجهده، كثيراً ما ينشرح بجزيرة شُقْر ويستريح، ويستطيب تلك الرّيح، ويجول في أجَارِع وادِيها وينتقل من نواديها إلى بوادِيها، فإنّها صحيحة الهواء، قليلة الأدواء خضلة العشب والأزاهر، قد أحاط بها نَهرُها كما تحيط بالمعاصم الأساور، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحه، والروض قد عطّر جوانبه بريحه، وأبو إسحاق بن خفاجة هو كان منزع نفسه، ومصرع أُنسه، به نفح له بالمُنَى عَبق وشذا، ومَسح عن عيون مسرّاته القّذى، وغدا على ما كان وراح، وجرى مُتهافِتاً في ميدان ذلك المِراح، قريب عَهدٍ بالفِطام، ودهره ينقاد في خِطام، فلما اشتعل رأسه شيباً وزرّت عليه الكهولة جَيباً، أقصَر عن تلك الهِنات، واستيقظ من تلك
السِّنات، وشبّ عن ذلك الطّوق، واقتصر على الحنين والشوق وقنع بأدنى تحيّة، وما يستشعره بوصف تلك العِهَاد من أريحيَّة، فقال:
ألا خَلّياني والأسَى والقَوافِيَااردّدها شجوي وأُجْهِشُ باكِيَا
أآمن شَخْصاً للمسرّةِ بادياوأنْدبُ رَسْماً للشبيبةِ بالِيَا
تولّى الصّبا إلاّ توالي فكرةٍقدحتُ بها زَنْدَاً وما زلتُ وارِيَا
وقد بانَ حُلوُ العيش إلاّ تَعِلَّةًتُحَدّثُني عنها الأمانيُّ خالِيَا
ويا بَرْدَ هذا الماءِ هلَّ منك قَطْرَةٌتهلُّ فَيُسْتَسْقَى غمامُكَ صادِيَا
وهيهاتَ حالت دون حُزْوَى وأهْلِهالياليٍ وأيّامٌ تُخَالُ لَيالِيَا
فَقُلْ في كبيرٍ عادَهُ صائد الظّباإليهُنَّ مُهْتَاجَاً وقد كان سَالِيَا
فيا راكباً يستعملُ الخطو قاصِدَاًإلا عُجْ بِشُقْرِ رائحاً أو مُغَادِيَا
وَقِفْ حيثُ سال النَّهْرُ يَنْسَابُ أرْقُمَاوهبّ نسيمُ الأيكِ يَنْفُثُ رَاقِيَا
وقل لأُثِيْلاتٍ هُنَاك وأجْرَعٍسُقِيتِ أُثَيْلاتٍ وحُيِّيتَ وَادِيَا
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع