تجاوز إلى المحتوى

من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الأديب أبو عامر بن عِقَال

كان له ببني قاسم تَعلُّق، وفي سَماء دولتِهم تألّق، فلما خوت نُجُومهم، وعَفت رسومهم، انحطّ عن ذلك الخُصوص، وسَقط سقوط الطائر المقصوص، وتصرّف بين وجود وعدم، وتحرَّف قاعِداً حيناً وحيناً على قدم، وفي خلال حاله، وأثناء انتحاله، لم يدع حَظَّه من الحبيب ولا ثني لحظة عن الغزال الرّبيب، ولم يزل يطير ويقع، والدهر يخفض حاله ويرفع، إلى إن رقّاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن

تاشفين أسمى ربوة وأقعده أبهَى حُظوة، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشاء، وترك الدّهر قَلق الحَشا، وتسنّم منزلة لا يتسنّمها إلاّ من تطهّر من دَرنِه، وجمح إحسانه في ميدان حَرنِه والحظوظ أقسام (لا تُسَام)، والدنيا إنارة وإعتام، وصفاء يتلوه قَتام، وقد أثبتُّ له بعض ما انتقيته والذي أخذته مُباين لما أبقيته، فمن ذلك قوله:

يا ويحَ أجسَام الأنَامِ لما تطيقُ من الأذى
خلقت لتقوى بالغذاء وسَقْمُهَا ذاك الغذا
وتنال أيّام السَّلامةِ بالحياة تَلَذُّذَا
فإذا انقضى زَمَنُ الصِّباورمى المشيبِ فأنفذا
وجد السّقامُ إلى المفاصِلِ والجَوانحِ مَنْفِذا

حذا في هذه القصيدة حذو الصابي حيث يقول:

وجعُ المفاصلِ وهو أيسرُ ما لقيت من الأذَى

رَدَّ الذي استحسنتُهُوالنَّاسُ من حظّي كذا

وله يعتذر من تأخير زيارة اعتَمدَها، ومواصلة اعتقدها، فعاقته عنها حوادث لَوَتهُ، وعدته عن ذلك وَثنتهُ، وهو قوله:

بينما كُنْتُ راجِيَاً لِلقَائِهِوالتَّشفّي بالبِشْرِ من تِلْقَائِهِ
وترقّبتُ في سماءِ نِزَاعيقَمر الأُنْس طالعاً من سَمَائِهِ
فتدلّهْتُ وانزويتُ حياءًمنه والعُذْرُ لِسَنَائِهِ

وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة: وفي الثانية من يوم الجمعة، كان جوازه أيّده الله تعالى، من مَرْسى جزيرة

طريف على بَحْر ساكنٍ، قد ذلَّ بعد استصعابه وسَهُل بعد أن رأى الشامخَ من هِضَابِه وصار حيّه ميتاً، وهذره صَمتاً، وجباله لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمتا، وضعف تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه فعبر آمنا من سَطَواته مُتملّكاً لِصَهواته، على جواد يَقْطع الجُرُوف سَبحاً ويكاد يسبق الريح لَمحَا، لم يَحْمل لِجَاماً ولا سَرجَاً، ولا عَهِد غير اللَّجة الخضراء مرجاً، عِنَانه في رجله، وهُدْبُ العين يحكي بعضَ شَكلْه، فلله درّه من جواد، له جسم وليس له فُؤاد، يخرق الهواء ولا يرهبه، ويركض الماء ولا يشربه.

النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثالث في الأعْيان من الأدباء وهو مٍمّا لم يُذكر في قلائِد العِقْيَان

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.