من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو القاسم مُحَمَّد بن هانئ
عِلقٌ خطير، وروض أدبٍ مَطير، غاص في طلب الغريب حتى أخرج دُرَّه المَكنون، وبهرج بافتنانه كل الفُنون، وله نَظم تتمنّى الثُّريا أن تُتوَّج به وتتقلّد، ويودّ البدر أن يكتبَ فيه ما اخترع وولّد، زهت به الأندلس وتاهت وحاسنت ببدائعه الأشمس وباهت فحسد المغرب فيه المَشرق، وغصّ به من بالعراق وشَرق، غير أنه نبت به أكنافُها، وشَمخت عليه أنافُها، وبرئت منه، وزوى الخير فيها عنه، لأنه سَلك مسلك المعرّي، وتجرّد من التديّن وعُرِّي، وأبدى
الغُلُوَّ، وتعدَّى الحقَّ المَجلُوَّ، فمجَّتهُ الأنفس، وأزعجته الأندلس، فخرج على غير اختيار، وما عرج على هذه الديار إلى أن وصل الزّاب واتصل بجعفر بن الأندلسيّة مَأوى تلك الجنسيّة فناهيك من سَعد ورد عليه فكرع ومن باب ولج فيه وما قَرع، فاسترجع عنده شبابه، وانتجع وَبله وربابه، وتلقّاه بتأهيل ورُحب، وسقاه صوب تلك السُّحب، وأفرَط في مدحه له في الغُلوَّ وزاد، وفَرَّغ عنده تلك المزاد، ولم يتورَّع، ولا ثناه ذو وَرع، وعلى هذه الهِنَة فله بدائع يُتحيَّرُ فيها ويُحار ويُخال لرقَّتِها أنها أسحار، فإنه اعتمد التهذيب والتحرير، وأتَّبع فيها الفَرزْدق مع جرير،
وأمّا تشبيهاته فخرق فيها المُعتاد، وما شاء منها اقتاد، وقد أثبتّ له ما تحنّ له الأسماعُ، ولا تتمكّن منه الأطماع، فمن ذلك قوله:
ألَيْلَتَنا إذْ أرْسَلَتْ وارِداً وَحْفَاوبتنا نرى الجوزاء في أُذنِهَا شَنْفَا
وباتَ لنا ساقٍ يقومُ على الدُّجَىبِشَمْعَةَ صُبْح لا تُقَطُّ ولا تُطْفَا
أغنّ غضيض خفّف اللينُ قدَّهُوَثَقّلَتِ الصَّهبَاءُ أجفَانَه الوُطْفَا
ولم يُبْقِ إرْعاش المُدَامِ له يَدَاولم يُبْقِ إعنات التَّثنّي له عِطْفَا
نزيفٌ نَضَاه السُّكر إلاّ ارتجاجةإذا كَلَّ عنها الخِصْرُ حمّلها الرِّدْفَا
يقولون حِقْفٌ فَوقَهُ خَيزُرَانَةٌأمَا يَعرِفُونَ الخَيزُرانةَ والحِقفَا
جعلنا حشايانا ثيابَ مُدَامِنَاوَقَدَّتْ لنا الأزهارُ من جِلدِهَا لُحْفَا
فمن كَبِدٍ توحي إلى كَبِدٍ هَوَىومن شَفَةٍ تومي إلى شَفَةٍ رَشْفَات
ومنها:
كأن السَّماكين اللّذين تراهُمَاعلى لِبْدَتَيهِ ضَامِنَانِ له حَتْفَا
فذا رَامِحٌ يهوي إليه سِنَانُهوذا أعْزّل قد عّضَّ أنْمُلَهُ لَهْفَا
كأنَّ سُهَيْلاً في مطالعِ أُفقهِمُفَارِقُ إلْفٍ لم يَجِد بَعْده ألْفَا
كأنَّ بني نَعْشٍ وَنَعْشَاً مَطَافِلٌبِوَجرَة قد أضْلَلنَ في مَهْمَةٍ خَشْفَا
كأنَّ سُهَاها عاشقٌ بين عُوّدٍفآونة يدو وآونة يَخْفَى
كأنَّ قُدَامى النّسرِ والنّسرُ واقِعُقُصّصنَ فلم تَسْمُ الخوافي به ضَعْفَا
كأنَّ أخاه حين حوَّمَ طائراًأتى دون نِصْف البَدْر فاختطف النَّصْفَا
كأنَّ ظلام الليل إذْ مال ميلةصريعُ مُدَامٍ بات يشربُها صِرْفَا
كأنّ عًمُودَ الصُّبْحِ خاقانُ مَعْشرٍمن التُّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخْفَى
كأنّ لواَء الشَّمسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍرأى القِرنَ فازدادَتْ طلاقته ضِعْفَا
وله أيضاً:
فُتِقَتْ لكم ريحُ الجِلادِ بِعَنْبَرٍوأمدَّكُم فَلَقُ الصَّبَاحِ المُسْفِرِ
وجَنْيتُمُ ثَمَرَ الوقائعِ يانِعاًبالنًّصْرِ من عَلَقِ الحديد الأحْمرِ
أبني العَوالي السّمهريّة والسيوف المشرفيّة والعديد الأكْثَرِ
من مِنْكُمُ المَلِكُ المُطَاعُ كأنَّهتحت السَّوابِغِ تٌبَّعٌ في حِمْيَرِ
جيش تقدّمه الليوث وفوقهاكالغيل من قصب الوشيج الأخضر
وكأنَّمَا سَلَبََ القَشَاعِمَ ريشَهاممَا يشقّ من العَجَاجِ الأكّدَرِ
لحق القبول مع الدبورِ وسارَ فيجمع الهِرَقْلِ وَعزْمة الإسْكَنْدَرِ
في فتية صَدَأُ الحديدِ لباسُهُمفي عبقريّ البيد جِنَّةَ عَبْقَرِ
وكفاه من حُبِّ السَّمَاحَة أنَّهُمنه بموضع مُقلَةٍ من مَحْجِرِ
نَعْمَاؤه من رَحْمةٍ ولِبَاسُهمن جنّة وعطاؤه من كَوْثَرِ
وله أيضاً من قصيدة في جعفر بن عليّ:
ألاَ أيّها الوادي المقدّس بالنّدىوأهلِ النَّدَى قلبي إليك مشوقُ
ويا أيّها القصرُ المنيفُ قِبَابُهعلى الزّابِ لا يُسْدَدْ إليك طريقُ
ويا مِلكَ الزابِ الرفيعَ عِمَادُهُبقيتَ لجمع المَجْدِ وهو فريقٌ
فما أنْسَ لا أنْسَ الأميرَ إذا غَدَايروع بحوراً ملكه ويروقُ
ولا الجودَ يجري من صفيحة وَجْههإذا كان من ذاكَ الجبينِ شروقُ
وهزّته للمجْدِ حتّى كأنَّماجرت في سجاياهُ العذابِ رحيقُ
أما وأبي تلك الشّمائل إنّهادليلٌ على أنَّ النِّجَارَ عتيقُ
فكيف بصَبْرِ النّفس عنه ودونهمن الأرض مغبَرّ الفجاج عميقُ
فكن كيف شاَء الناسُ أو شئتَ دائِماًفليس لهذا المُلْك غيرك فُوقُ
ولا تشكرِ الدُّنْيَا على نيل رُتْبَةٍفما نلتها إلاّ وأنتَ حَقِيقَ
وله من قصيدة:
خليليّ أين الزّابُ مِنّي وجعفرُوجنّةُ عَدْن بِنْتُ عَنهَا وكوثرُ
فقبلي نأى عن جنّة الخُلْد آدمٌفما رَاقَهُ من جانبِ الأرض مَنْظَرُ
لقد سَرَّني أنَّي أمرُّ ببالهفيخبرني عنه بذلك مُخْبِرُ
وقد ساَءني أنّي أراه بِبَلدَةٍبها مَنسك منه عظيمٌ ومشْعَرُ
وقد كان لي منه شفيع مُشفَّعٌبه يمحص الله الذنوبَ ويغْفِرُ
أتى الناسُ أفواجاً إليكَ كأنَّمامن الزّاب بيت أو من الزّاب مَحْشَرُ
فأنت لمن قد مزّق الله شَمْلَهومعْشَره والأهلَ أهلٌ ومَعْشَرُ
وله أيضاً:
إلا طرقتنا والنجومُ ركودوفي الحيّ أيْقاظ وهُنَّ هُجُودُ
وقد أعجل الفجر الملمّع خطْوَهاوفي أُخرياتِ اللّيل منه عمودُ
سَرَتْ عاطلاً غَضْبَى على الدرّ وحْدَهولم يدرِ نَحْرٌ ما داهاهُ وجيدُ
فما بَرحَتْ إلاّ ومن سِلْك أدْمُعيقلائد في لبّاتها وعقودُ
ويا حُسْنَها في يوم نضّت سوالِفاًتريع إلى أترابها وتحيدُ
ألم يأتِهَا أنّا كبرنا عن الصّباوأنا بَلينا والزمانُ جديدُ
ولا كالليالي ما لهُنَّ مواثقٌولا كالغواني ما لهنّ عهودُ
ومنها:
ولا كالمعزّ ابن النبي خليفةله الله بالفخرِ المبينِ شهيدُ
وله أيضاً:
قد مررنا على مغانيك تِلْكِفرأينا بها مَشَابِهَ مِنْكِ
عارَضتْها المَهَا الخواذل سِرْبَاًعِنْدَ أجْرَاعِهَا فلم تَسَلْ عَنْكِ
لا يرع لِلْمَها بذلك سِرْبٌأشبهتك في الوصف إن لم تَكُنْكِ
كن عذيري فقد رأيت مَعَاجييوم تبكي بالجزع ولهى وأبْكي
بحنين مرجّع وتشكٍّوأنين موجّع كتشكي
وله من قصيدة يمدح بها جعفر بن علي بن رمان:
قفا فلأمر سَرَيْنَا ولا نَسْريوإلاّ نرى مشي القَطَا الوارد الكُدْرِ
قفا نتبَّينْ أيْنَ ذا البرق منهمومن أيْن تأتي الريح طيّبة النَّشْرِ
لعلّ ثَرَى الوادي الذي كنت مرّةأزورهم فيه تضوّع للسَّفْرٍ
وإلا فما وادٍ يسيلُ بِعَنْبَرٍوإلاّ فما تَدْري الركاب ولا ندري
أكلّ كِناس بالصّريمِ تظنّهكِناس الظباءِ الدُّعْج والشُّدُنِ العُفْرِ
وهل عجبوا أنّي أُسَائِلُ عَنْهُمُوهم بين أحناءِ الجوانحِ والصَّدْرِ
وهل علموا أنّي أُيَمِّمُ أرْضَهُمْومالي بها غير التَّعسُّفِ من خُبْرِ
ولي سَكَنٌ تَأتي الحَوادِثُ دُونَهُفَيبعُدُ عن عيني ويَقْربُ من فِكْري
إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ جاشت بذِكْرهكما عثر الساقي بِجَامٍ من الخَمْرِ
فلا تَسْألاني عن زماني الذي خَلافوا لعصر إنّي بَعْدَ يحيى لفي خُسْرِ
وآليت لا أُعطي الزمانَ مقادتيإلى مثل يحيى ثم أُغْضي على الوتْرِ
حنيني إليهِ ظَاعِنَاً وَمُخَّيمَاًوليس حنينُ الطّير إلاّ إلى الوَكْرِ
وله من قصيدة:
فَتَكَاتُ طرفكِ أم سيوفُ أبيكِوكؤوسُ خمركِ أم مراشفُ فيكِ
أجلادُ مُرْهَفَةٍ وفتكُ مَحَاجِرٍلا أنْتِ راحِمَةٌ ولا أهْلُوكِ
يا بنتَ ذي السَّيْفِ الطّويل نِجَادُهُأكَذَا يجوزُ الحكمُ في ناديك
عيناكِ أم مَغْنَاكِ مَوْعِدُنَا وفيوادي الكَرَى ألقاكِ أمْ واديكِ
وقال أيضاً:
أحبب بهاتيك القِبَابِ قِبَابَالا بالحُداةِ ولا الرِّكابِ رِكَابَا
فيها قلوبُ العاشقين تَخَالُهاعَنَماً بأيدي البيض أو عُنَّابا
والله لولا أن يُعنِّفُني الهوىويقول بَعْضُ العاذلين تَصَابى
لَكَسرْتُ دُمْلُجَها بضيقِ عِنَاقِهَاورشفتُ من فِيهَا البَرُود رُضَابا
بِنْتُمْ فلولا أن أُغيِّرَ لِمَّتيعَبَثاً وألقاكم عليّ غِضَابَا
لخصبتُ شَيْباً في مفارق لِمَّتيومحوتُ محو النَّقْس عنه شَبَابا
وخضبتُ مُبْيضّ الحداد عليكمُلو أنّني أجدُ البياضَ خِضابا
وإذا أردت على المشيبِ وِفَادَةًفاحثُتْ مطيَّك دونه الأحْقَابَا
فلتأخذنّ من الزمانِ حمامةًولتبعثَنَّ إلى الزمان غُرَابَا
ومنها:
قد طّيب الأقطار طيب ثنائهمن أجل ذا تجد الثغورَ عِذَابَا
لم تُدْنني أرضٌ إليكَ وإنَّماجئتُ السَّماَء ففتّحتْ أبْوابَا
ورأيتُ حولي وَفْدَ كلِّ قبيلةٍحتّى توهّمتُ العِرَاق الزّابَا
أرْضَاً وطئتُ الدُّرَّ من رَضْرَاضِهَاوالمِسْكُ تُرْباً والرِّيَاضُ جَنَابَا
ورأيتُ أجْبُلَ أرْضِهَا مُنقَادَةًفَحَسِبْتُهَا مَدَّتْ إليكَ رِقَابَا
سدّ الإمامُ بها الثُّغُورَ وَقَبْلهَاهزم النَّبيُّ بقومِكَ الأحزَابَا
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع