من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب الشاعر النبيه أبو عُمَر يوسف بن هارون المعروف بالرّمادي
شاعر مُفلق، انفرج له من الصناعة المُغلق، ووَمض له برقُها المؤتَلِق وسال به طبعه كالماء المُندَفِق، فأجمع على تفضيله المُختلف والمُتَّفق، فتارةً يُحزن وأخرى يُسهل، وفي كلتيهما بالبديع يَعلُّ وينهل، فاشتهر عند العامة والخاصة بانطباعه في الفريقين، وإبداعه في
الطريقين، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين، وعلى الصّناعة متغايرين، وكلاهما من كِندة وما منهما إلاّ من اقتدح في الإحسان زندَه، وما قصر عنه في إحسان، ولا جاز بينهما تفضيل إنسان، وتمادى بأبي عمر، طلق العمر، حتى أفرده صاحبه ونديمُه، وهُرِيق شبَابُه واستشنَّ أديمُه، ففارق تلك الأيام وبَهجتها، وأدرك الفتنة فخاض لُجَّتها، وأقام فَرِقاً من هَيجانِها، شَرِقاً بأشجانِها ولحقته منها فاقه نَهكتهُ، وبعُدت عنه الإفاقة حتى أهلكته، وقد أثبتُّ من محاسنه ما يُعجبُك سَردُه، ولا يُمكنك نقدُه، فمن ذلك قولُه:
شَطَّتْ نَوَاهم بِشَمْسٍ في هَوادِجِهِملولا تَلألُؤُهَا في ليلهنَّ عَشُوا
شَكَت محاسنَها عيني وقد غدرتلأنّها بضمير القلب تَنْجَمِشُ
شَعرٌ وَوجٌ تَبَارى في افْتِخَارِهِمَابِحُسْنِ هذا وذاك الرّوم والحَبَشُ
شَكَكْتُ في سَقَمي منها أفي فُرُشيمنها نُكِسْتُ وإلاّ الطيف والفرش
وله أيضاً:
في أيّ جَارِحَةٍ أصُونُ مُعّذِّبيسَلِمَتْ من التَّعْذيب والتَّنكيلِ
إنْ قُلتُ في عيني فَثمَّ مَدَامعِيأو قلت في قَلْبي فثمَّ غَلِيلي
لكن جعلت له المسامع مَسْكِنَاوحَجَبْتُه عن عَذْل كُلِّ عَذُولِ
وثَلاثُ شيْبَاتٍ نَزَلْن بِمَفْرِقيفَعَلِمْتُ أنَّ نُزُولهنّ رَحيلي
طلعت ثلاثٌ في طلوع ثلاَثةٍواشٍ ووجِ مراقبٍ وثقيلِ
فعذلتني عن صبوتي فَلئِن ذَلَلْتُ فقد سمعتَ بِذلَّة المَعْذُولِ
إنْ كُنتَ ودَّعْتَ التّصابي عن قِلىًوَبَدْت برأسي حُجَّة لِعَذُولِ
فقد اغتدي والصُّبْح في تَوْريسِهِتَقْضي العيونُ له بوجه عليلِ
بأقبِّ لون الآبنوسِ مُفضَّضفي غُرّةٍ منه وفي تَحْجيلِ
مُستَغْرِقٌ لِصِفَاتِ زَيْد الخَيل والغنويّ والمربيّ والضِّلّيلِ
يَزْهَى بتحليةِ اللَّجام كما زَهَىمَلِكٌ مُحلَّى الرأسِ بالإكليلِ
فله المَلاحِظُ مِنْ حَبِيبٍ هَاجِرٍللصّب أو مُتكبِّرٍ لذَلِيلِ
ومنها:
وكأنّما فلَّ الخطوبَ بحازمٍفلَّ الجياد بحدّه المفلولِ
حتى إذا صُدْنَا الوحوش فلم ندعمِنْهُنَّ غيرَ مَعَالمٍ وطلولِ
قامت قوائمه لنا بِطَعَامِنَاغضَّا وقام العُرْف بالمِنْدِيلِ
ومنها:
ومكبّل لم يجترم جرماً ولادانت سحائبه بغير كبولِ
متدرّع بالوَشْي إلاّ أن مَدْرَعه يُحَاك عليه غير طويلِ
فكأنّ بَلقِيساً عليها وَشْيُهافي الصَّرح رافعةٌ لفضل ذيولِ
متقلّب كتقلُّبِ المُرْتَاع يَقْسِمُلَحْظَهُ في الجَوْل بعد الجَوْلِ
حتى إذا ما السِّربُ عَنَّ لِطَرْفِهِأو ما نجا فيتيه خَلِّ سبيلي
أرْ سَلْتُه في إثرهنَّ كأنَّهُنْعصينَ لي أمْراً وكان رَسولي
ولت سراعا ثم شد وراءهافكأنّه بطل وراء رعيلِ
عجلت فأدركها ردى في إثرهاإنّ الردى قيد لكُلّ عجولِ
فقضى على سبعين ضار خطمههو عقدة التعبير في التمثيل
ومنها:
حتى إذا حَمَل السّحابَ بجيدِهِلم تَحْتَمِلْهُ فَرائِضُ المَحْمُولِ
وله أيضاً يتغزل:
أوْمَى لتقبيل البِسَاطِ خُنُوعَافوضعت خَدّي في التُّرَاب خُضُوعَا
ما كان مذهبُهُ الخنوعَ لِعَبْدِهِإلاّ زيادةَ قَلْبه تَقْطِيعَا
قولوا لِمَنْ أخَذَ الفُؤَادَ مُسلَّمَاًيَمْنُنْ عليَّ بردِّهِ مَصْدُوعَا
العَبْدُ قَدْ يَعصَى وأحْلِفُ أنَّنيما كُنْتُ إلاّ سامعاً ومُطيعَا
مولاي يَحْيى في حياةٍ كاسْمِهِوأنا أمُوتُ صَبَابَةً وَوَلُوعَا
لا تنكروا غيثَ الدموع فكلّ ماينحلُّ من جسمي يكون دموعا
وكان كَلِفاً بفتى نصرانيّ، استسهل لباس زُنَّاره، والخلود معه في ناره، وخلع برودَه لِمُسُوحِه، وتسوّغ الأخذ عن مسيحهِ، وراح في بيعته، وغدا من شيعته، ولم يشرب نصيبه، حتى حطّ عليه صليبه، فقال:
أدِرْهَا مِثْلَ ريقك ثمّ صَلِّبْكعادتكم على وَهْمي وكاسي
فيقضي ما أمَرْتَ به اجّتِلابَاًلمسروري وزاد خُنُوع راسي
وله أيضاً في مثله:
ورأيتُ فَوْقَ النَّحْرِ درعاً فَاقِعَاً من زَعْفَرَانِ
فَزَجَرْتُه لوناً سَقَامي بالنَّوى والزَّجر شاني
يا مَنْ نأى عنّي كَمَاتَنْأَى العيون الفَرْقَدَانِ
فأرى بعيني الفرقدين ولا أرَاهُ ولا يَرَاني
لا قُدِّرَتْ لك أوْبَةٌحتى يَؤوُبَ القَارِظَانِ
هل ثَمَّ إلاّ الموتُ فَرْدَاً لا تكون مَنيَّتَانِ
وله أيضاً ﵀:
أشربِ الكَأسَ يا نصيرُ وهاتِإنَّ هذا النَّهَارَ من حَسَنَاتي
بأبي غُرَّةُ تَرَى الشَّخْصَ فيهافي صَفَاءٍ أصْفَى من المِرْآةِ
يَنْزحُ النّاس نحوها بازدحامٍكازدحام الحجيج في عَرَفَاتِ
هاتِهَا يا نصيرُ إنَّا اجْتَمَعْنَابقلوبٍ في الدين مُختَلِفَاتِ
إنّما نحن في مجالس لَهْوٍنشربُ الرّاحَ ثُمَّ أنْتَ مُواتي
فإذا ما انقضت دِنَانَةُ ذا اللَّهواعتمدنا مواضع الصَّلَواتِ
لو مَضَى الدَّهْرُ راح وقَصْفٍلَعَدَدْنَا هذا من السَّيئاتِ
وشاعت عنه أشعارٌ في دولة الخلافة وأهلِها، سدّد إليهم صائبات نَبلها، وسقاهم كؤوس نَهلها، أوغَرت عليه الصدور، ونَفرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهراً، وأسلكه من النَّكبة وعْراً، فاستعطفه أثناء ذلك واستلطفه، وأجناه كلّ
زهر من الإحسان وأقطفه، فما أصغى إليه، ولا ألغى موجدته عليه، وله في السجن أشعار صرّح فيها ببثِّه، وأفصح فيها عن جُلِّ الخَطب لفقد صبره ونكثه، فمن ذلك قوله:
لك الأمنُ مِنْ شَجْوٍيزيد تَشَوقُّي
ومنها:
فوافوا بنا الزهراء في حال خالع الأئِمةِ لاستيغالهم في التَّوثٌّقِ
وحولَي مِنْ أهْلِ التأدُّبِ مَأتَمٌولا جُؤْذرٌ إلاّ بثوبٍ مُشَقَّقِ
فلو أنّ في عيني الحمام كرَوْضِهَاوإنْ كَانَ في ألوانه غير مُشفقِ
ونادَى حِمَامي مُهْجتي لتغَافَلتفهلا أجابت وهو عندي لمحنق
أعينيَّ إنْ كانت لدمعيَ فَضْلَةٌتثبّت صَبْري ساعةً فتدَّفقي
فلو ساعدت قالت أمِنْ قِلَّة الأسىتنقّت دُمُوعي أمْ مِنَ البَحْرِ تَسْتَقي
ومنها:
تكلّفني أنْ أُعْتبُ الدَّهْرَ أنَّهالجَاهِلَةٌ من لي بأعتاب محنقٍ
وقالت: تظنّ الدَّهْرَ يَجْمعُ بيْنَنافقلتُ لها: مَنْ لِي بظنّ مُحقَّقِ
ولكنّني فيما زجرتُ بِمُقْلَةٍزجرتُ اجتماعَ الشّمْل بعد التفرّقِ
فقد كانت الأشْفَارُ في مثل بُعْدِنَافلمّا التقتْ بالطّيفِ قالت سَنَلْتَقي
أباكيةً يوماً ولم يأتِ وَقْتُهُسينفدُ قَبْلَ اليوم دمعُكِ فارْفِقِي
ومُذْ لَمْ تريني أنت في ثوب ضائعلعمري لقد حفّت بعيّ مُمَزّق
وقال أيضاً في السجن:
نُسَائِلُهَا هلاّ كَفَاكِ نُحُولُهونَصْبَتُه أوْ دَمْعُهُ وهمُولُهُ
تَكَنَّفَهُ هَمّانِ شَجْوٌ وصَبْوَةٌفَبُلِّغَ واشِيه المُنَى وعَذُولُهُ
فإنْ تَسْتَبِنْ في وَجِهْهِ هَمَّ سِجْنهفقد غابَ في الأحشاءِ عنكَ دَخيلُهُ
معنّى بكتمان الحبيب وحُبِّهفإنْ يقتل الكِتْمَان فهو قَتِيلُهُ
ومنها:
وَاقْبَلنَ مِنْ نَحْو الحبيبِ كأنَّمَاتحاشد نحويي جَفْنُهُ ونصُولُهُ
دعوني أشمُّ بالبابِ برقَ أحبَّتيقواماً فَلَمْ يسمع بذاك وكيلُهُ
يعمُّ فلا يألوا حصَاراً لَعلَّهُسيودي فيودي بثه وأليلُهُ
فلو كان في هذا الحصار سميُّهلأنساه طول السّبع في اليوم طوله
لقد راعني سِجْني فَشطَّ ولو دَنَامن السجن لم يسهل عليّ دُخُوله
يعزُّ على الورْدِ النّضير حُلُولُهولم يكُ عِنْدَ المُسْتَهام نُزُولُه
وله أيضاً:
على كبَري تهمي السَّحَاب وتَذرفومن جَزَعي تبْكي الحمامُ وتَهْتِفُ
كأن السّحابَ الواكفاتِ غَوَاسليوتلك على فقدي نوائحُ هُتَّفُ
إلا ظعنت ليلى وبان قطينُهاولكنّني باقٍ فلوموا وعنِّفوا
وآنستُ في وَجْهِ الصَّباح لبَيْنهانحولا كأنّ الصّبحَ مثليَ مُدْنَفُ
وأقربُ عَهْدٍ رَشْفَةٌ بلَّتْ الحَشَافعاد شتاءً بارداً وهو صَيِّفُ
وكانت على خَوْفٍ فولَّتْ كَأنَّهامن الرِّدْفِ في قيد الخلاخل تَرْسُفُ
وله أيضاً:
مُقْلَتي ضَرَّجَتْكِ بالتّوريدِفدعي لي قلبي ومنها استفيدي
هذه العينُ ذَنْبُهَا ما ذَكَرْنَاأيّ ذَنْبٍ لقلبيَ المعمودِ
لو تردّت بحجّة العين ماذالم تعاقب بالدمع والتَّسْهيدِ
بَلَغَ الياسمينُ في القَدْرِ أنْ قَدْلفّ من خدِّها بوَرْدٍ نَضِيدِ
كلّ شيء أتُوبُ عَنْهُ ولا توبة لي من هوى الحسانِ الغِيدِ
من لعَانٍ مِنْهُنَّ غير طَليقٍوسقيمٍ مِنْهُنَّ غير مَعُودِ
شهدت أدْمُعي بوجدي وزوّرْنَ لشاني إذ خانه مَجْلودي
أيُّها اللائمي على الحُبِّ مَهْلاًهل تُلامُ الحِمَامُ في التَّغْرِيدِ
وله أيضاً:
فَقَدَتْ دموعي يُوسُفَاً في حُسْنهفغدوتُ يَعْقُوباً بِسدَّةِ وَجْدِهِ
وعَمِيتُ مِمَّا قِدْ لَقِيتُ من البُكَاحتّى مَسَحْتُ على الجُفُونِ بِبُرْدِهِ
وله أيضاً:
قَبَّلتُهُ قُدَّامَ قِسِّيسهشَرِبْتُ كاساتٍ بِتَقْدِيسهِ
يَقْرعُ قَلْبي عِنْدَ ذِكْري لَهُمن فَرْطِ شَوْقي قَرْعُ نَاقُوسِهِ
وسُجن معه غلام من أولاد العبيد فيه مَجال، وفي نفس متأملة من لوعته أو جَال، فكتب يخاطب الموكّل بباب السِّجن بقطعة منها:
حبيسك ممّن أتْلَفَ الحُبُّ قَلْبَهُويلذعُ قَلْبي حُرقَةٌ دُونَها الجَمْرُ
هلالٌ وفي غير السماءِ طُلُوعهُوريمٌ ولكن ليس مَسْكَنَهُ القَفْرُ
تأمَّلْتُ عينيهِ فخامرني السُّكرُولا شكّ في أنّ العيونَ هي الخَمْرُ
أُنَاطِقُهُ كيما يقولَ، وإنَّماأُنَاطِقُهُ عَمْدَاً لينتثر الدُّرُّ
أنا عبده وهو المليكُ كما اسمُهُفلي مكنه شَطْر كامل وله الشَّطْرُ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع