من «النظرات» للمنفلوطي (ت ١٣٤٣هـ)
منتخبات من شعر المؤلف
وصف القلم:
يا يراعي لولا يد لك عنديعفتُ نظمي في وصفك الأشعارا
يا يراع الأديب لولاك ما أصــبح حظ الأديب يشكو العثارا
غير أني أحنو عليك وإن لمتك عونا في النائبات وجارا
أنت نعم المعين في الدهر لولاأن للدهر همة لا تجارى
يتجلى في النفس شمس نهارفي دجى الليل تبعث الأنوارا
جمع الله فيه بين نقيضيــن فكان الظلام منه نهارا
فهو حينا نار تلظى وحيناجنة الخلد تنثر الأزهارا
وتراه ورقاء تندب شجواوتراه رقطاء تنفث نارا
وتراه مغنيا إن شدا حرك بين الجوانح الأوتارا
وتراه مصورا يرسم الحســن ويغري برسمه الأبصارا
فتخال القرطاس صفحة خدوتخال المداد فيه عِذارا
هو جسر تمشي القلوب عليهلتلاقي بين القلوب قرارا
صامت تسمع العوالم منهأي صوت يناهض الأقدارا
فهو كالكهرباء غامضة الكنــه وتبدو بين الورى آثارا
كم أثار اليراع خطبا كميناوأمات اليراع خطبا مثارا
قطرات من بين شقيه سالتفأسالت من الدما أنهارا
كان غصنا فصار عودا ولكنلم يزل بعد يحمل الأثمارا
كان يستمطر السماء فحال الــأمر فاستمطر العقول الغزارا
يسعد الناس باليراع ويلقىربه ذلة به وصغارا
وا شقاء الأديب هل وتر الدهــر فلا زال طالبا منه ثارا
أرفيق المحراث يحيا سعيداورفيق اليراع يقضي افتقارا
ما جنى ذلك الشقاء ولكنقد أراد القضاء أمرا فصارا
ليس للنسر من جناح إذا لميجد النسر في الفضاء مطارا
حاسبوه على الذكاء وقالواحسبه صيته البعيد فخارا
أوهموه أن الذكاء ثراءفمضى يسحب الذيول اغترارا
يحسب النقد للقصيدة نقداويرى البيت في القصيدة دارا
ليس بدعا من هائم في خيالأن يرى كل أصفر دينارا
إن بين المداد والحظ عهداوذماما لا يلتوي وجوارا
فاللبيب اللبيب من ودع الطرس وولى من اليراع فرارا
على لسان عامل فقير:
زاحفتُ أيامي وزاحفننيدهرا فلم تنكل ولم أنكل
لا عزمها واه ولا عزمتيتصادم الجندل بالجندل
رمت فلم تبق على مفصللكنها طاشت عن المقتل
وليتها أصمت فما أبتغيمن عيشها إن أنا لم أقتل
لا خير في الصبر على غمرةلا يأمل الصابر أن تنجلي
صبرت في البأساء صبر الذيقيد إلى القتل فلم يحفل
لا فضل في الصبر لمستسلمعي عن الفعل فلم يفعل
عشرون عاما لم تحل حالتيما أشبه الآخر بالأول
أغدو إلى المعمل في شملةخرقاء لم تكس ولم تشمل
كأنها برقع مصريةلا تحجب الوجه عن المجتلي
تنم عن جسمي كما نم عننفسي غزير المدمع المرسل
يميل بي الهم مميل النقابين جنوب الريح والشمأل
فمن رآني ظن بي نشوةأجل بكأس الحزن لا السلسل
أقضي نهاري مقبلا مدبراكأنني الآلة في المعمل
وصاحب المعمل لا يرتضيمني بغير الفادح المثقل
فإن شكوت النزر من أجرهبرح بي شتما ولم يجمل
حتى إذا عدت إلى منزليوجدت سوء العيش في المنزل
أرى أيامي يشتكين الطوىإلى يتامى جوَّع نحَّل
أبيت والأجفان في سهدهاكأنما شُدَّت إلى يذبل
بين صغار سهد في الدجىيذرون دمع الثاكل المرمل
بين ضعيف الخطو لم يعتمدوشاخص في المهد لم يحول
يدعون أما تتلظى أسىحذار يوم الحادث المثكل
ووالدا عيَّ بإسعافهمفي العيش عي الفارس الأعزل
ما زال ريب الدهر ينتابنيبالمعضل الفادح فالمعضل
حتى رماني بالتي لم تدعإلا بقايا الروح في هيكل
فها أنا اليوم طريح الضنىوليس غير الصبر من معقل
في لفحة الرمضاء لا أتقيوهبة النكباء لا أصطلي
هذا هو البؤس فهل من فتىتم له في البؤس ما تم لي
وقال ينعى على جماعة الفوضويين مذهبهم في قتل الملوك, ويشير إلى حادثة الفوضوي الذي وضع منذ سنوات قنبلة في طريق الفونس الثالث عشر ملك أسبانيا وهو عائد من الكنيسة مع عروسه في يوم حفلة قرانه, فأصابت القنبلة خيل المركبة وقتلت بعض الحاشية, ونجا الملك وعروسه وقبض على الفوضوي فقتل:
أيها الفاتك الأثيم رويداكل يوم تكيد للتاج كيدا
لا أرى التاج في البرية إلافلكا دائرا وأخذا وردا
يتخطى الرءوس رأسا فرأساماشيا في العصور عهدا فعهدا
فمحال أن يهدم المرء صرحاأعجز الدهر بأسه أن يهدا
عبثا تقتل الملوك وعذرالك فيهم لو كنت تحمل حقدا
آفة العقل أن يرى الحمد ذماويرى الخطة الدنيئة حمدا
لا يبالي بالموت من عرف الموت ومن لا يرى من الموت بدا
غير أن الآجال فينا حدودكل حي تراه يطلب حدا
أي جفن أجريت منه دموعاكان لولاك في السماكين بعدا
أي روع أسكنته في فؤادكان في فادح الحوادث جلدا
ما بكى الفونس خشية بل غراماودموع الغرام أشرف قصدا
إن قلب الجبان يخفق رعباغير قلب المحب يخفق وجدا
كان بين الحياة والموت شبربُدّل النحس في مجاريه سعدا
فرأينا القتيل يعمر قصراوغريم القتيل يعمر لحدا
أنت تقضي والله يقضي بعدلفي البرايا والله أكبر أيدا
جمرة أطفأ القضاء لظاهافغدا جمرها سلاما وبردا
إن للمالك الكريم قلوباوقفت بينه وبينك سدا
فافتدته فكن خير فداءلمليك وكان نعم المفدى
في الوجديات:
سقاها وحيا تربها وابل القطروإن أصبحت قفراء في مهمه قفر
طواها البلى طي الشباب رداءهوليس لما يطوي الجديدان من نشر
مرابض آساد ومأوى أراقمتجاور في قيعانها الغيل بالجحر
يكاد يضل النجم في عرصاتهاويزورّ عن ظلمائها البدر من ذعر
لقد فعلت أيدي السوافي بنؤيهاوأحجارها ما يفعل الدهر بالحر
وقفت بها في وحشة الليل وقفةأثار شجاها كامن الوجد في صدري
ذكرت بها العهد القديم الذي مضىولم يبق منه غير بالٍ من الذكر
وعيشا حسبناه من الحسن روضةكساها الحيا منه أفانين من زهر
فأنشأت أبكي والأسى يتبع الأسىإلى أن رأيت الصخر يبكي إلى الصخر
وما حيلة المحزون إلا لواعجتفيض بها الأحشاء أو عبرة تجري
وما أنس م الأشياء لا أنس ليلةجلاها الدجى قمراء في ساحة القصر
كأن النجوم في أديم سمائهاسفائن فوضى سابحات على نهر
كأن الثريا في الدجنة طرةمرصعة الأطراف باللؤلؤ النثر
كأن سهيلا حاسد كلما رأىأخا نعمة يرميه بالنظر الشزر
كأن السها حق تعرض باطلإليه فألقى دونه مسبل الستر
كأن الدجى فحم سرى في سوادهمن الفجر نار فاستحال إلى جمر
كأن نسيم الفجر في الجو خاطرمن الشعر يجري في فضاء من الفكر
وفي القصر بين الظل والماء غادةتميس بلا سكر وتنأى بلا كبر
تريك عيونا ناطقات صوامتافما شئت من خمر وما شئت من سحر
لهوتُ بها حتى قضى الليل نحبهوأدرجه المقدار في كفن الفجر
لعمرك ما راحت بلبي صبابةولا نازعتني مهجتي سورة الخمر
ولا هاجني وجد ولا رسم منزلعفاء ولكن هكذا سنة الشعر
ومن كان ذا نفس كنفسي قريحةمن الهم لا يُعنى بوصل ولا هجر
كأني ولم أسلخ ثلاثين حجةولم يجر يوما خاطر الشيب في شعري
أخو مائة يمشي الهوينا كأنهإذا ما مشى في السهل في جبل وعر
إذا شاب قلب المرء شاب رجاؤهوشاب هواه وهو في ضحوة العمر
حييت بآمالي قلما كذبننيقنعت فلم أحفل بقل ولا كثر
وأصبحت لا أرجو سوى الجرعة التيأذوق إذا ما ذقتها راحة القبر
وليست حياة المرء إلا أمانياإذا هي ضاعت فالحياة على الأثر
جزى الله عني اليأس خيرا فإنهكفاني ما ألقى من الأمل المر
وراض جماحي للزمان وحكمهبما شاء من عدل وما شاء من جور
فما أنا إن ساء الزمان بساخطولا أنا إن سر الزمان بمغتر
وقال في شأن غني من الأغنياء غلبته المدنية الحديثة على بساطته الطبيعية, فابتنى قصرا فخما كان سببا في فساد حاله, وسوء مصيره:
يا صاحب القصر الذي شادهفاستنفد المذخور من وجده
أقمته كالطود في هضبةترد عادي الدهر عن قصده
أزرته الأبراج في جوهافانتظم الأنجم في عقده
أطلعت فيه كوكبا دانياأغنى عن الشاسع في بعده
قلصت ظل الليل عنه ومارعيت حق الله في مده
أنشأت روضا زاهرا حولهيعطر الكون شذا نده
ورحت بالرتبة في صدرهتدل دل الملك في جنده
كأنما الرتبة كل الذيينيله الكوكب من سعده
هب أنه اللوفر في حسنهأو قصر بوكنهام في جده
وهبك روكفيلر تحوي الذييضلل الحاسب في عده
فالمال إن أجهده ربهفالفقر والعدم مدى جهده
والمال كالطائر إن هوّمتحراسه طار إلى فنده
والمجد للمال وكل الذيتراه من مجد فمن مجده
هذا شهاب ساطع مشرقوالليلة الليلاء من بعده
بنيت للبنك فأغنيتهبجدك المبذول عن جده
بنيت ما لو قدَروا قدرَهلقيل هذا الميت في لحده
وأدتَ فيه الأمل المرتجىحيا ولم تأس على وأده
أغمدت فيه صارما طالماتثلم الدهر على حده
واريتَ فيه ولدا ليتهقضى قرير العين في مهده
وليته ما شب في زخرفيبكي يد الدهر على رغده
فليس من يأسى على مطلبناء كمن يأسى على فقده
غدرت بالبيت الذي بثك الــود فلم تبق على وده
هدمته والمجد ظل لهفما بقاء الظل من بعده
لكنت من كوخك في نعمةتذيب قلب الدهر من حقده
وكان ينتابك مسترفدامن بت محتاجا إلى رفده
فاليوم لا القصر كما ترتجيمنه ولا الكوخ على عهده
واليوم رب القصر يذري دمامن جفنه آنا ومن كبده
يدعو إليه الموت من بعد مانالت يد الأيام من أيده
واسود ذاك الجون من جلدهوابيض ذاك الجون من فوده
هل يعلم الشرقي أن الردىسر بصدر الدهر لم يبده
وأنه يفجؤنا بالأسىيوما خروج السيف من غمده
وأن هذا الدهر في هزلهيغر بالكاذب من وعده
فهزله أنفذ من جدهورهوه أسرع من وخده
ويح لمصر ولأبنائهامما يريغ الدهر من كده
نعيش بالهم ونرضى بهعيشا ونقضي العمر في نقده
كشارب الكأس يرى عابسامنه ولا يقوى على رده
فإن لمحنا بارقا خاطفالا نسمع القاصف من رعده
نسرع خوض البحر في جزرهوجزره ينبئ عن مده
والكل ظمآن يرى صادراوما قضى الإربة من ورده
وقال في الحكم:
إذا ما سفيه نالني منه نائلمن الذم لم يحرج بموقفه صدري
أعود إلى نفسي فإن كان صادقاعتبت على نفسي وأصلحت من أمري
وإلا فما ذنبي إلى الناس إن طغىهواها فما ترضى بخير ولا شر
وقال يهنئ الشيخ محمد عبده بعودته من إحدى رحلاته في أوروبا:
راح يباري النجم في جدهوعاد كالسيف إلى غمده
رأى السرى والسهد مهر العلافجد وارتاح إلى سهده
لا يبصر الخطب جليلا ولاتلوي به الأهوال عن قصده
مسدد العزم إذا ما مضىيحار صرف الدهر في رده
كالسيف يجلوه القراع ولايأخذ ضرب الهام من حده
كان لمصر بعد توديعهصبابة الصادي إلى ورده
واليوم قد عاد لها كل ماترجو من النعمة في عوده
وافترّ عنه ثغرها مثلمايفتر ثغر الروض عن ورده
بدا وقد حفت به هيبةكأنما عثمان في برده
ما فيه من عيب سوى أنهيحسده الناس على مجده
ما حيلة الحساد في نعمةأسبغها الله على عبده
وقال في حادثة عربية وقعت بين أسماء بنت أبي بكر الصديق وولدها أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير حينما حاصره الحجاج في مكة حتى أحرجه, ثم عرض عليه التسليم فاستشار أمه, فأشارت عليه بالاستقتال, فقاتل حتى قتل:
إن أسماء في الورى خير أنثىصنعت في الوداع خير صنيع
جاءها ابن الزبير يسحب درعاتحت درع منسوجة من نجيع
قال يا أم قد عييتُ بأمريبين أسر مر وقتل فظيع
خانني الصحب والزمان فما ليصاحب غير سيفي المطبوع
وأرى نجمي الذي لاح قبلاغاب غني ولم يعد لطلوع
بذل القوم لي الأمان فما ليغيره إن قبلتُه من شفيع
فأجابت والجفن قفر كأن لميك من قبل موطنا للدموع
واستحالت تلك الدموع بخاراصاعدا من فؤادها المصدوع
لا تسلم إلا الحياة وإلاهيكلا شأنه وشأن الجذوع
إن موتا في ساحة الحرب خيرلك من عيش ذلة وخضوع
إن يكن قد أضاعك الناس فاصبروتثبت فالله غير مضيع
مت هماما كما حييت هماماواحي في ذكرك المجيد الرفيع
ليس بين الحياة والموت إلاكرة في سواد تلك الجموع
ثم قامت تضمه لوداعهائل ليس بعده من رجوع
لمست درعه فقالت لعهديبك يابن الزبير غير جزوع
إن بأس القضاء في الناس بأسلا يبالي ببأس تلك الدروع
فنضاها عنه وفرّ إلى الموت بدرع من الفخار منيع
وأتى أمه النعي فجادتبعد لأي بدمعها الممنوع
وقال في الشيب:
ضحكات الشيب في الشعرلم تدع في العيش من وطر
هن رسل الموت سانحةقبله والموت في الأثر
يا بياض الشيب ما صنعتيدك العسراء بالطرر
أنت ليل الحادثات وإنكنت نور الصبح في النظر
ليت سوداء الشباب مضتبسواد القلب والبصر
فالصبا كل الحياة فإنمر مرت غبطة العمر
وقال على سبيل الفكاهة في شأن كلب اسمه "بيل" وفي لسيده, فطوقه طوقا من الذهب وأوصى له بخمسة آلاف دينار:
ليهنك يا "بيل" الجلال وعزةيكاد لها القلب الكسير يطير
ملكت على الزهد الألوف وكلناإلى قطرة مما ملكت فقير
إذا كان هذا الطوق كالتاج قيمةفأنت بألقاب الملوك جدير
وما المال إلا آية الجاه في الورىفحيث تراه فالمقام خطير
ولو كان بين الجاه والفضل لحمةلزالت عروش جمة وقصور
فيا بيل لا تجزع فرب متوجشبيهك إلا منبر وسرير
وما أنت في جهل المقادير آيةفمثلك بين الناطقين كثير
لئن فاتك النطق الفصيح كما ترىفسهمك من نطق الفؤاد وفير
وفيت بعهد للصديق وما وفىبعهد صديق جرول وجرير
فعش صامتا واقنع بحظك واغتبطفما النطق إلا آفة وشرور
ضلال يرى الإنسان فضلا لنفسهوساعده في المكرمات قصير
وما المرء إلا صدقه ووفاؤهوكل كبير بعد ذاك صغير
وماذا يفيد المرء حسن بيانهإذا عيّ بالنطق الفصيح ضمير
مدحتك يا بيل لأني شاعروأنت على حسن الجزاء قدير
ولو كنت تدري ما أقول لقمت ليبما لم يقم للمادحين أمير
في الوجديات:
جرى الدمع حتى ليس في الجفن مدمعوقاسيت حتى ليس في الصبر مطمع
وما أنا من يبكي ولكنه الهوىيريد من الأسد الخضوع فتخضع
فلله قلبي ما أجل اصطبارهوأثبته والسيف بالسيف يقرع
ولله قلبي ما أقل احتمالهإذا ما نأى عنه الحبيب المودع
إذا لاح لي سيف من الخطب رعتهُوإن لاح لي سيف من اللحظ أجزع
وأقتاد ليث الغاب والليث مخدرويقتادني الظبي الغرير فأتبع
وليل أضل الفجر فيه طريقهفلم يدر لما ضل من أين يطلع
سهرتُ به أرعى الكواكب والكرىعصي على الأجفان والدمع طيِّع
أود لو ان الطيف مَنَّ بزورةوكيف يزور الطيف من ليس يهجع
لقد عشت دهرا ناعم البال خاليامن الهم لا أشكو ولا أتوجع
أروح ولي في معهد الغي مربعوأغدو ولي في مسرح اللهو مرتع
فما زلت أبغي الحب حتى وجدتهفلما أردت القرب كان التمنع
فلم يبق لي عن ذلك الحب مهربولم يبق لي في ذلك القرب مطمع
كأني في جو الصبابة ريشةبأيدي السوافي ما لها الدهر موقع
كأني في بحر الهيام سفينةأحاط بها موج الردى المتدفع
كأني في بيداء دهماء مجهلتضل رخاء في دجاها وزعزع
فلا أنا فيها واجد من يدلنيولا نجمها يبدو ولا البرق يلمع
فمهلا رويدا أيها اللائم الذييجرعني في لومه ما يجرع
نصحت فلم أسمع وقلت فلم أطعفما نصح حب لا يطيع ويسمع
فيا حب هذا القول لو كان مجدياويا نعم ذاك النصح لو كان ينفع
قضى الله ألا رأى في الحب لامرئوذاك قضاء نافذ ليس يدفع
مررت على الدار التي خف أهلهاوطال بلاها فهي قفراء بلقع
معاهد كانت آهلات وكان ليمصيف تقضَّى في رباها ومربع
فيا ليت شعري هل يعودنَّ عيشنابمعهدها والشمل بالشمل يجمع
فتُقضى لُبانات وتطفى لواعجوتبرد أكباد وتنضب أدمع
فما أنس م الأشياء لا أنس ليلةتجشمت فيها الهول والهول مفزع
ولا مؤنس إلا ظلام ووحدةولا مسعد إلا فؤاد مروع
ولا صاحب إلا المطية حولهاذئاب تعادي في الفلاة وأضبع
ولا عين إلا النجم ينظر باهتاويعجب لي ماذا بنفسي أصنع
إذا ما تشكت من كلال مطيتيوقد كلمتها ألسن السوط تسرع
أسير بها سير السحاب كأننيبأذرعها عرض الفدافد أذرع
إلى أن تنورت الخيام ولاح ليضياء بدا من جانب الخدر يسطع
فأقدمت نحو الحي والحي هاجعوخضت سواد القوم والقوم صرع
ولا عهد لي من قبل أين خباؤهاولكن هداني نشرها المتضوع
فبت وباتت يعلم الله لم يكنسوى أذن تصغي وعين تمتع
نخال دوي الريح في الجو واشيابنا وضياء البرق عينا فنفزع
ولا عين إلا خوفنا وارتياعناولا ناظر يرنو ولا أذن تسمع
وأعذب ورد راقٍ ما كان نيلهعزيزا وأحلى القرب قرب ممنع
فكانت برغم الدهر أحسن ليلةرأيت بعمري بل هي العمر أجمع
وما راعنا إلا هدير حمامةعلى فنن عند الصباح ترجِّع
فقمت ولم تعلق بذيلي ريبةولا كان إلا ما يشاء الترفع
وودعتها والحزن يغلب صبرناوأحشاؤنا من حسرة تتقطع
فقالت أهذا آخر العهد بينناوهل لتلاقينا معاد ومرجع
فقلت ثقي يا فوز بالله إنها"سحابة صيف عن قليل تقشع"
وسرتُ وقلبي في الخيام مخلَّفٌولي نحو قلبي والخيام تطلُّع
حنانيك رفقا أيها الدهر واتئدفحسبي ما ألقى وما أتجرع
ورحماك بي فالسيل قد بلغ الزبىولم يبق في قوس التصبر منزع
على أنني أصبحت لا متخوفابلاء ولا إن نالني الرزء أجزع
فقد اعتصمت بالصبر نفسي وفوضتإلى الله ما يعطي الزمان ويمنع
بول وفرجيني:
يا بني القفر سلاما عاطرامن بني الدنيا عليكم وثناء
وسقى العارض من أكواخكممعهد الصدق ومهد الأتقياء
كنتم خير بني الدنيا ومنسعدوا فيها وماتوا سعداء
عشتم من فقركم في غبطةومن القلة في عيش رخاء
لا خصام لا مراء بينكملا خداع لا نفاق لا رياء
خلق بر وقلب طاهرمثل كأس الخمر معنى وصفاء
ووفاء ثبت الحب بهوثبات الحب في الناس الوفاء
أصبحت قصتكم معتبرافي البرايا وعزاء البؤساء
يجتلي الناظر فيها حكمةلم يسطرها يراع الحكماء
حكم لم تقرءوا في كتبهاغير أن طالعتمو صحف الفضاء
وكتاب الكون فيه صحفيقرأ الحكمة فيها العقلاء
إن عيش المرء في وحدتهخير عيش كافل خير هناء
فالورى شر وهمّ دائموشقاء لا يدانيه شقاء
وفقير لغني حاسدوغني يستذل الفقراء
وقوي لضعيف ظالموضعيف من قوي في عناء
في فضاء الأرض منأى عنهمونجاء منهم أي نجاء
إن عيش المرء فيهم ذلةوحياة الذل والموت سواء
ليت "فرجيني" أطاعت "بولسا"وأنالته مناه في البقاء
ورثت للأدمع اللاتي جرتمن عيون ما درت كيف البكاء
لم يكن من رأيها فرقتهساعة لكنه رأى القضاء
فارقته لم تكن عالمةأن يوم الملتقى يوم اللقاء
ما "لفرجيني" وباريس أما
كان في القفر عن الدنيا غناء
إن هذا المال كأس مزجتقطرة الخمرة فيه بدماء
لا ينال المرء منه جرعةلم يكن في طيها داء عياء
عرضوا المجد عليها باهرايدهش الألباب حسنا ورُواء
وأروها زخرف الدنيا وماراق فيها من نعيم وثراء
فأبته وأبى الحب لهانقض ما أبرمه عهد الإخاء
ودعاها الشوق للقفر وماضم من خير إليه وهناء
فغدت أهواؤها طائرةبجناح الشوق يزجيها الرجاء
يأمل الإنسان ما يأملهوقضاء الله في الكون وراء
ما لهذا الجو أمسى قاتماينذر الناس بويل وبلاء
ما لهذا البحر أضحى مائجاكبناء شامخ فوق بناء
وكأن الفلك في أمواجهريشة تحملها كف الهواء
ولفرجيني يد مبسوطةبدعاء حين لا يجدي دعاء
لهفي والماء يطفو فوقههيكل الحسن وتمثال الضياء
زهرة في الروض كانت غضةتملأ الدنيا جمالا وبهاء
من يراها لا يراها خلقتمثل خلق الناس من طين وماء
ظنت البحر سماء فهوتلتباري فيه أملاك السماء
هكذا الدنيا وهذا منتهىكل حي ما لحي من بقاء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع