دَعيني فلا واللهِ ما يكشفُ البلوى
الشاعر: عبد الرحمن الموصلي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر عبد الرحمن الموصلي، من العصر العثماني، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دَعيني فلا واللهِ ما يكشفُ البلوى ... سِوى من لهذا الخلقِ من نطفةٍ سوَّى
فلا تقرعي باباً سوى بابِ فضلهِ ... ولا تُظهري يوماً إلى غيرِه شكوى
ولا تجنحي للغيرِ في كشفِ حادثٍ ... فغيرُ جنابِ اللهِ لا يدفعُ الأسوى
ولا تهرعي إلَّا إليه إذا جَفا ... سحابٌ فما في غيرِ ألطافِه رَجوى
ولا تسأمي من مُرِّ عيشٍ وسلِّمي ... إلى من يعيدُ المُرَّ من فضلهِ حَلوى
إلهٌ تعالى لا نقومُ بحمدِهِ ... ولا أحد منَّاــ على شكرِه يَقوى
يقلِّبُنا في الخلقِ سابقُ حكمِهِ ... علينا بما تأبى النفوسُ وما تهوى
تبارك مُنشي الخلقِ من صلبِ آدمٍ ... ضروباً فذو فقر مهانٌ وذو جدوى
فهذا نرى الأيسار أبرد عيشه ... وهذا بنار الفقر أحشاؤه تُكوَّى
وهذا تراهُ في المساجدِ راكعاً ... وهذا يُعاني اللهو في حانةِ القَهوى
وهذا لدرس العلمِ أصبحَ طالباً ... وهذا يرومُ اللهو في الروضِ والزهوا
شؤونٌ قضاها اللهُ قَدماً على الورى ... وآدمُ لم يُــــخلقْ هناكَ ولا حَوَّا
دعيني من التدبير فالأمرُ كلُّه ... تدُّبر من قبل الوجود ولا غَروا
إذا كان أمرُ الله في الخلقِِ سابقاً ... فتدببيرُنا فيه هو الخَبطُ في عشوا
دعينيَ مما أرهقَ الناسَ واسلمي ... ولا تطلبي الأكدارَ ما سهَّلَ الصفوا
دعيني من التقويمِ والليلُ دامسٌ ... ولا ترصُدي نجماً إذا نزَّل الدَّلوا
فما تمَّ إلى ما يشاء إلهُنا ... لهُ الحكمُ لا للنجمِ فينا ولا الأَنوا
دعيني من الآفاقِ فالخيرُ كلُّه ... إذا ما طلبتِ النجحَ في جانبِ التقوى
وإن تقصدي الرمّال تبغي تجسّسا ... أضعتِ وأيم اللهِ في ذلك الحظوا
دَعيني من الشعرِ الرقيقِ ونظمِهِ ... إذا ما دعاكِ الحالُ في الرشأ الأحوى
ولو كانَ كالبدرِ المنيرِ جبينُهُ ... يعيدُ ظلامَ الليلِ من فرقةٍ ضحوى
يُريكِ انشقاقُ البدرِ سالفَ خدِّهِ ... يميسُ على غصنٍ تقلُّ به ربوى
ولا تذكُري ليلى ولا هندَ في الورى ... وخلِّي عن المنثورِ والنظمِ في أروى
ولا تقعدي للحقِّ في شكلِ مرشدٍ ... فتنصدعي عُجباً وتنقطعي دَعوى
ولا تحسبي أنّي سهوْتُ وإنمَّا ... هواكِ يُريكِ النصحَ من جانبي سهوا
دعيني منكِ يا لكاعُ فإنَّما ... وجودُكِ بلوى لا يُقاس بها بلوى
ألم تظهري للخلقِ في كُلِّ مظهرٍ ... تقلِّبكِ الأطوارُ في طاعة الأهوا
فطوراً نراك تحتَ كلِّ عمامةٍ ... مهندمةِ الأركانِ نحسبُها رضوا
تقولين بالعلمِ الشريفِ تبجّحاً ... وما عِندكِ علمٌ هناكَ سوى الدّعوى
وطوراً نراكِ في المحاكمِ تحكمي ... على الناسِ مجَّاناً ولم تفهمي الدعوا
تقولين هذا الشرعُ والشرعُ غيرُه ... وإن تحكمي بالشرعِ لكنْ معَ الرشوى
وطوراً نراكِ في الزوايا مقيمةً ... تُمارينَ خَلقَ اللهِ بالدلقِ والكسوى
ترومينَ جمع المالِ في كلِّ حالةٍ ... وحتَّى دعاكِ المكرُ للصومِ والخلوى
ألم تمكرُي قدماً بصفوةِ ربّنا ... أبَينا بذاكَ العَهدِ في موطنِ الأغوا
أطعتِ عدوَّ الله فينا وخنتِنا ... وكنتِ له فيما يرومُ بِنا صِنوا
وحــــتَّى مــــن الجــــنَّاــــت أخــــرجَ آدمٌ ... تدافعُه الأملاك من حولِه عُنوى
هبطْنا إلى الدنيا وكانَ هبوطُنا ... إطاعَتنا إيَّاك في زلةٍ هفوى
فصرنا بها مُستوحشينَ لأننا ... نرى المكرَ طبعاً في خلائِقها يُطوى
تباعدُ من نهواهُ عنَّاـ وتَنثني ... تقربُ من نأباهُ من حيِّنِا القصوى
فنهضمُ فيها كُلَّ شكلٍ مسدسِ ... كقطعةِ صخرِ حطَّهـ السيلُ من عَلوى
ديارُ بها الأكدارُ حطَّتـ رحالَها ... يحقُّ لنا فيها بأنْ نكثرَ الهجوا
متى خبرتْ فالكسرُ منها محققٌ ... يحقُّ لنا فيها بأنْ نكثرَ الهجوا
تُعادي أهيلَ العلمِ والحلمِ والتُّقى ... وتهجرُهم زَهواً وتتركُهم رَهوا
تُطاعِمُ أهليها الحلاوةَ حيلةً ... وتُخبي أليمَ السُمّ في داخلِ الحلوى
فلم يُرَ فيها غيرُ شخصٍ مهدد ... تعاكسهُ الأقدارُ في منزلٍ أقوى
هي الدمنةُ الخضراءُ إن رُمتَ وَصفَها ... يدورُ بها كبشٌ يجاورُها أحوى
متى أنبتتْ نبتاً تلقَّاه عاجلاً ... أكولٌ مدى الأيَّام ظمآن لا يَروى
إذا لم يكن فيها سواهُ بليةً ... كفاكَ بها قُبحاً يناديكَ للسَّلْوى
يرى عيبَها كُلٌّ منَ النَّاس بادياً ... فماذا يقولُ المرءُ في عاهرٍ نَشوى
تلينُ لمن تهواهُ في الحيِّ جانباً ... فيركبها جَهلاً ويُحببها نضوى
فلم يدرِ إلّا وهو من فوقِ ظهرِها ... إلى بطنِها ريبُ المنونِ به المَهوى
فيصبحُ في الأمواتِ لا هوَ راجعٌ ... إليها ولا يُسليه عن حبِّها سلوى
ومِن ثم لم تدرَ بما اللّهُ صانعٌ ... بعبدِ لهُ الشيطانُ في حبِّها أغوى
فهذي هي الدّنيا إذا رمتِ فاسألي ... خبيراً بها ينبئكِ عن حالها عَفوا
فحاشا على الإِنسان فيها بأن يَرى ... لكاملِ هذا الجنسِ من ما بهِ مأوى
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- بحمده: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ … (لسان العرب)
- تجنحي: جنح: جَنَحَ إِليه[[. قوله [جنح إِليه إلخ] بابه منع وضرب ونصر كما في القاموس.]] يَجْنَحُ ويَجْنُحُ جُنُوحاً، واجْتَنحَ: مالَ، وأَجْنَحَه هُوَ؛ وَقَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ: فَمَرَّ بالطيرِ مِنْهُ فاحِمٌ كَدِرٌ، ... فِيهِ الظِّب … (لسان العرب)
- تظهري: ظهر: الظَّهْر مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: خِلافُ البَطْن. والظَّهْر مِنَ الإِنسان: مِنْ لَدُن مُؤخَّرِ الْكَاهِلِ إِلى أَدنى الْعَجُزِ عِنْدَ آخِرِهِ، مُذَكَّرٌ لَا غَيْرُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ اللِّحْيَانِيُّ، وَهُوَ مِنَ الأَسماء ا … (لسان العرب)
- تقرعي: قرع: القَرَعُ: قَرَعُ الرأْس وَهُوَ أَن يَصْلَعَ فَلَا يَبْقَى عَلَى رأْسه شَعْرٌ، وَقِيلَ: هُوَ ذَهابُ الشَّعَرِ مِنْ داءٍ؛ قَرِعَ قَرَعاً وَهُوَ أَقْرَعُ وامرأَة قَرْعاءُ. والقَرَعةُ: مَوْضِعُ القَرَعِ مِنَ الرأْسِ، وَ … (لسان العرب)
- تهرعي: هرع: الهَرَعُ والهُراعُ والإِهْراعُ: شدَّة السَّوْقِ وسُرْعةُ العَدْو؛ قَالَ الْشَّاعِرُ أَورده ابْنُ بَرِّيٍّ: كأَنَّ حُمُولَهم، مُتتابِعاتٍ، ... رَعِيلٌ يُهْرَعُونَ إِلى رَعيلِ وَقَدْ هُرِعُوا وأُهْرِعُوا. واسْتُهْرِعَ … (لسان العرب)
- جناب: جنب: الجَنْبُ والجَنَبةُ والجانِبُ: شِقُّ الإِنْسانِ وَغَيْرِهِ. تَقُولُ: قعَدْتُ إِلَى جَنْب فُلَانٍ وَإِلَى جانِبه، بِمَعْنًى، وَالْجَمْعُ جُنُوبٌ وجَوانِبُ وجَنائبُ، الأَخيرة نَادِرَةٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ، … (لسان العرب)
- دعيني: دعن: الدَّعْن: سَعَف يُضَمُّ بَعْضِهِ إِلى بَعْضٍ ويُرَمَّلُ بالشَّريط وَيُبْسَطُ عَلَيْهِ التَّمْرُ، أَزْديّة. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو فِي تَفْسِيرِ شِعْرِ ابْنِ مُقبل: أُدْعِنَت الناقةُ وأُدعن الْجَمَلُ إِذا أُطيل رُكُوبُ … (لسان العرب)
- شكره: شكر: الشُّكْرُ: عِرْفانُ الإِحسان ونَشْرُه، وهو الشُّكُورُ أَيضاً. قال ثعلب: الشُّكْرُ لا يكون إِلاَّ عن يَدٍ، والحَمْدُ يكون عن يد وعن غير يد، فهذا الفرق بينهما. والشُّكْرُ من الله: المجازاة والثناء الجميل، شَكَرَهُ وشَ … (لسان العرب)