أَستَغفِرُ اللَّهَ سِرّي في الهَوى عَلَنُ
الشاعر: ابن سنان الخفاجي · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر ابن سنان الخفاجي، من العصر الفاطمي، وتقع في 39 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَستَغفِرُ اللَّهَ سِرّي في الهَوى عَلَنُ ... وَقَد قَنِعتُ فَقَلَّت عِندِيَ المِنَنُ
عَرَفتُ دَهري فَلَم أَحفَل بِحادِثَةٍ ... فيهِ فَلا فَرَحٌ عِندي وَلا حَزَنُ
فَنٌّ مِنَ العَيشِ لا تُخشى عَواقِبُهُ ... وَلا تُثارُ بِهِ الأَحقادُ والإحَنُ
ضَلَّ الَّذينَ رَأَوا في النَّسلِ فائِدَة ... وَلَو أَصابوا لَما رَبّوا وَلا حَضَنوا
وَقَد تَصافى رِجالٌ لَو كَشَفتَ لَهُم ... سَجِيَّةَ النّاسِ خافوا كُلَّ مَن أَمِنوا
يَجري القَضاءُ بِما تَعيا العُقولُ بِهِ ... وَيُنصَرُ الجَهلُ حَتّى يُعبَدَ الوَثَنُ
وَالظُّلمُ طَبعٌ وَلَولا الشَّرُّ ما حُمِدَت ... في صَنعَةِ البيضِ لا هِندٌ وَلا يَمَنُ
ذَمَمتَ دَهركَ إِذ نابَتكَ نائِبَةٌ ... بِمِثلِ ما تَشتَكيهِ يُعرَفُ الزَّمَنُ
خَفِّضــ عَلَيكَ فَإِنَّ العُمرَ مُختَرَمٌ ... وَالمَوتُ مُنتَظَرٌ وَالحُرُّ مُمتَحَنُ
وَلا يَــــغُــــرُّكَ خُــــلقٌ راقَ ظاهِرُهُ ... فَلَيسَ تَصدق لا عَينٌ وَلا أذُنُ
صَحِبتُ قَوماً يُعَدُّ الشَرُّ عِندَهُمُ ... حَزماً تُشيرُ بِهِ الآراء وَالفِطَنُ
عَموا عَنِ الرشدِ واعتادَت نُفوسُهُمُ ... فِعلَ القَبيح فَظَنّوا أَنَّهُ حَسَنُ
وَقَد تَوالَت عَلى قَصدي سِهامُهُمُ ... وَلي مِنَ الزُّهدِ في أَوطانِهِم جَنَنُ
رَضِيتُ عَيشي فَلا حِرص وَلا طَمَعٌ ... وَصُنتُ عِرضي فَلا عارٌ وَلا دَرَنُ
إِذا سَغِبتُ فَجِسمٌ لا حَياةَ بِهِ ... وَإِن ظَمِئتُ فَماء ما لَهُ ثَمَنُ
خَيرُ المَشارِبِ ما تَبقى الحَياةُ بِهِ ... في فِطرَةِ الخَلقِ لا ماء وَلا لَبَنُ
وَأَفضَلُ القوتِ ما جادَت لِطالِبِهِ ... يَدُ الثَّرى وَقَراهُ العارِضُ الهَتنُ
لا أَطلُبُ الرِّزقَ مِن سَيفٍ وَلا قَلَمٍ ... وَلا يُمارِسُ في ما أَكسِبُ المِهَنُ
وَرِثتُ مالَ أُناس طالَ عَهدُهُمُ ... غَنيتُ مِنهُم وما خَبِرتُ كَيفَ غَنوا
وَأَفسَدوا بِجِوارِ الرُّومِ عَيشَهُمُ ... إِن حارَبوا أَسَروا أَو سالَموا دَهَنوا
فَما تَخَلَّفَ عَنهُم غَيرُ حادِثَةٍ ... تَلوكُها هَذِهِ الأَحداثُ وَالفِتَنُ
هيَ العَواصِمُ مَرمى كُلِّ فاقِرَة ... فَلَيسَ تُسكَنُ لَولا أَنَّها وَطَنُ
وَقَد تَقَدَّمَ فيها مَعشَرٌ دفنوا ... حَتّى يَحوروا وَعِندي أَنَّهُم دُفِنوا
أَهون عَليَّ بِدُنياهُم وَإِن كَثُرَت ... عَلى مَحَبَّتِها الأَضغانُ والإِحَنُ
يا دِمنَةَ الشَرِّ لا جادَتكِ ساريَةٌ ... فَطالَما دَرَسَت مِن جُودِك الدِّمَنُ
يَمضي الزَّمانُ وَتَعفو كُلُّ حادِثَةٍ ... فيهِ وَقَد ثَبَتَت مِن ظلمِكَ السُّنَنُ
أَلِفــــتُ شَرَّكِ حَتّى ما أراعَ بِهِ ... وَكَيفَ تَفرُقُ سَيفَ البارِقِ المُزُنُ
وَأَضحَكَتني حَقودٌ مِنكَ بادِيَةٌ ... وَهَل يَضيقُ بِرَسمٍ دارِسٍ عَطَنُ
تَبارَكَ اللَّهُ ما في الخَلقِ مُشكِلَةٌ ... وَلَيسَ يَطمَعُ في إِدراكِهِ المنَنُ
وَلا تَهِــــبُّ مِــــنَ الأَحلامِ راقِدَة ... إِلّا وَيَغبُرُ في أَجفانِها الوَسَنُ
يا عالِمَ المِصرِ هَل أَضمَرتَ خافِيَةً ... عَنِ البَصائِر في إيضاحِها شَجنُ
أَم لَيسَ عِندَكَ إِلّا حيلَةً لِفَتىً ... تُصيبُهُ وَحَديث كُلُّهُ ظَنَنُ
رَمَيتَ خَصمَكَ بِالتَّقليدِ مُتَّبِعاً ... فيهِ وَأَنتَ بِما أَنكَرتَهُ قَمِنُ
وَكَيفَ تَصدُق في الأَخبارِ مُرسَلَةٌ ... وَما أَراكَ مَعَ الإِسنادِ مُؤتَمَنُ
وَكَم تَضَمَّنَ قَومٌ في جِدالِهِمُ ... أَن يَفهَموكَ فَما أَوفوا بِما ضَمِنوا
خَف مِن جَليسِكَ وَاصمِت إِن بُليتَ بِهِ ... فالعيُّ أَفضَلُ مِمّا يَجلِبُ اللّسُنُ
وَلا يغرُّكَ قَولٌ سارَ في مَثَلٍ ... فَما ابنُ سيرينَ مَأمون وَلا الحَسنُ
كُلّ الأَنامِ لأم غَيرِ مُنجِبَةٍ ... فَما زَكى فيهمُ عِرق وَلا غُصُنُ
وَلا تَقَدَّم مِنهُم مَعشَرٌ خَمدوا ... فَلا تَغُرُّكَ أَخبارُ الَّذينَ فَنوا
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المنن: منن: مَنَّهُ يَمُنُّه مَنّاً: قَطَعَهُ. والمَنِينُ: الْحَبْلُ الضَّعِيفُ. وحَبل مَنينٌ: مَقْطُوعٌ، وَفِي التَّهْذِيبِ: حَبْلٌ مَنينٌ إِذَا أخْلَقَ وَتَقَطَّعَ، وَالْجَمْعُ أَمِنَّةٌ ومُنُنٌ. وَكُلُّ حَبَلٍ نُزِحَ بِهِ أَ … (لسان العرب)
- النسل: نسل: النَّسْل: الخلْق. والنَّسْل: الْوَلَدُ والذرِّية، وَالْجَمْعُ أَنْسَال، وَكَذَلِكَ النَّسِيلة. وَقَدْ نَسَلَ يَنْسُلُ نَسْلًا وأَنْسَلَ وتَنَاسَلُوا: أَنْسَلَ بعضُهم بَعْضًا. وتَنَاسَلَ بَنُو فُلَانٍ إِذا كَثُرَ أَو … (لسان العرب)
- الوثن: وثن: الوَثْنُ والوَاثِنُ: الْمُقِيمُ الرَّاكِدُ الثَّابِتُ الدَّائِمُ، وَقَدْ وَثَنَ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَلَيْسَ بثَبْتٍ؛ قَالَ: وَالَّذِي حَكَاهُ أَبو عُبَيْدٍ الْوَاتِنُ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الأَعرابي: وَثَنَ بِالْم … (لسان العرب)
- تثار: تثر: ابْنُ الأَعرابي: التَّواثِيرُ الجَلَاوِزَةُ. (لسان العرب)
- تعيا: عيا: عَيَّ بالأَمرِ عِيّاً وعَيِيَ وتَعايا واسْتَعْيا؛ هَذِهِ عَنِ الزجَّاجي، وَهُوَ عَيٌّ وعَيِيٌّ وعَيَّانُ: عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يُطِقْ إحْكامه. قَالَ سِيبَوَيْهِ: جَمْعُ العَيِيِّ أَعْيِياءُ وأَعِيَّاءُ، وَالتَّصْحِي … (لسان العرب)
- حضنوا: حضن: الحِضْنُ: مَا دُونُ الإِبْط إِلى الكَشح، وَقِيلَ: هُوَ الصَّدْرُ والعَضُدان وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالْجَمْعُ أَحْضانٌ؛ وَمِنْهُ الاحْتِضانُ، وَهُوَ احتمالُك الشيءَ وجعلُه فِي حِضْنِك كَمَا تَحْتَضِنُ المرأَةُ وَلَدَهَ … (لسان العرب)
- حمدت: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ … (لسان العرب)