مــحــالٌ لعــمـر اللَه هـذا التـنـدمُ
الشاعر: خليل شيبوب · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر خليل شيبوب، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــحــالٌ لعــمـر اللَه هـذا التـنـدمُ — وزورٌ شــكــاتــي والأســى والتـظـلمُ
ومــا بــي داءٌ أشــتــكـيـه ولا أذىً — رمــيــتُ بــه أو مــا يــمــضُّ ويــؤلم
تــمــر بـي السـاعـاتُ شـتـى سـريـعـةً — أُبــاشــر أعــمــالي بــهــا وأتــمــم
ولا هـمَّ إلا واجـب العـمـر يـنـقضي — كـمـا يـنـقـضـي داءٌ يـداوى فـيـحـسم
فـاغـنـم فـي الدنـيـا حياتي وأنها — بـهـا للفـؤاد الخـالص السـر مـغنم
أنــال بــحـمـد اللَه وفـراً ومـتـعـةً — وليـس عـلى غـيـري بـمـا نـلت مـغرم
كـفـيـتُ الورى شـري ولا شرَّ لي وما — جــمــيـع الورى إلا الذيـن هـم هـم
ومـا قـالتـي شـكـوى ولا فـخر إنما — عـلى مـا أنـا يـدمـى فـؤادي ويكلم
أُقــلب طــيــاتِ الحــيــاة مــفــتـشـاً — عـلى فـعـلةٍ يـوماً بها المرءُ يوصم
فــأغــدو بـقـلبٍ يـعـلم اللَه طـاهـر — ونـــفـــس عــلى عــلّاتــهــا تــتــردم
لقـد درتُ دورات الحـيـاة جـمـيـعها — وطـالعـتُ فـيـهـا مـا يـضـيـء ويـظلم
فـألفـيـتـهـا حـربـاً لَزامـاً وإنـمـا — بـهـا يـغـنـم الأسـلاب مـن يـتـقـحم
فــزوَّدتُ نـفـسـي واعـتـزلت غـمـارهـا — أراقــب عــن بــعــد لظـاهـا فـاسـلم
وإنــي لمــسـتـغـن عـن النـاس عـائشٌ — بــنــفــســي حــرّاً ســادراً أتــنــعــم
كــأنــي طــيــر فـي الخـمـائل راتـع — يــروح ويــغــدو شــاديــاً يــتــرنــم
وعــمــري غـديـرٌ قـد جـرى مـتـمـوجـاً — حـــوادثـــه حـــصـــبــاؤه تــتــبــســم
يــقــبِّلــُ ثــغـرَ الشـمـس وهـو أشـعـةٌ — ويــغـسـل فـيـه الوجـه بـدرٌ وأنـجـم
إذا روَّع الليـــلُ الريـــاض يــزوره — نـسـيـم الصـبـا يـأتـي عـليـه يـسلم
فـيـؤنـسـه بـالنـفـح والطـيب مملياً — عــليــه حــديــثَ الزهـر وهـو مـرجـم
ويــروي له قــاله الغــصــن مــائلاً — ومـا قـاله عـشـب الريـاض المـنمنم
ويــفــهــمـه سـرَّ السـمـاءِ وإن يـكـن — يــحــجـبـهـا هـذا الظـلام المـخـيـم
لغــاتٌ يـهـز الدوحَ حـسـنُ بـيـانـهـا — فـليـسـت إلى أخـرى سـواهـا تـتـرجم
ولكــنــنــي أَبــلت شــعــوري عـزلتـي — فـهـا أنـذا كـالعـود يـذوي فـيـحطم
أيـا عـزلتـي أنـضـبـت مـاءَ شـبيبتي — فــصــرتُ عــلى مــهـلي أشـيـب وأهـرم
ولا عــــمـــل إلا دواةٌ ومـــكـــتـــبٌ — فـانـثـر مـا بـي مـن شـقـاءٍ وأَنـظـم
واقــتــل كــتــبــي قـارئاً وكـأنـمـا — تــحــوَّطــنــي مـنـهـا خـمـيـس عـرمـرم
أقـلب فـيـهـا أوجـه الدهـر بـاحـثاً — فــتـعـرب عـن أسـرارهـا لي وتـعـجـم
وتــفــنــي حــيــاتــي لذةً وفــكـاهـةً — وافــنــي الليــالي جـاهـلاً أتـعـلم
أرى بـيـنـهـا الأجيال شتى وجوهها — فــمــبــتــهــج هــذا وذا مــتــجــهــم
يــمــرون أَرســالاً كــأَن صــفــوفـهـم — نـــمـــال عــلى وكــرٍ تــرد وتــزحــم
مـنـابـر والأفـكـار فـيـهـا نـواطـق — مــنــاهــل والمــورود أَريٌ وعــلقــم
أســافــر فــيــهــا كـل يـومٍ وطـيَّتـي — مــرامــي فــنــاءٍ تــسـتـحـيـل وبـهـم
أضـحـي بـقـلبـي فـوق مـذبـحـهـا وما — صـــحـــائفــهــا إلا لظــىً يــتــضــرم
واخـرج صـفـر الكـف مـنـهـا بـحـسـرةٍ — أُســغ شــجــاهــا كــل يــومٍ وأكــظــم
فــيــاكــتــبــي مـالي ومـالك أنـنـي — رضــيــت عــمـى قـلبـي ونـورك أسـحـم
هـجـرتـك فـامـضـي في سبيلك وادرجي — إلى حـيـث يـفـنـيـك الغبار المهوم
ويــطـلع جـيـش العـث فـوقـك غـازيـاً — فــيــثــأر لي مـمـا جـنـيـتِ ويـنـقـم
لحـى اللَه مـن بـاع الضـمير بدرهمٍ — وأثـمـنُ مـمـا بـاع فـي القدر درهم
ومـا عِـرضُ نـفـس المرءِ إلّا ضميرُها — إذا كـان عـرضُ الجسم ما أنت تعلم
فـافـهـم عـرض الجـسـم يُـبـذلُ واصلاً — إلى غـــرضٍ مـــحــســوســه مــتــجــســم
ولكــن عــرض النـفـس يـبـذل ضـائعـاً — فـذلك بـيـن النـاس مـا لسـتُ أفـهـم
ظـلمـتُ حـيـاتـي بـالصـيـانة والحجى — ولي بــالذي جــرَّت حــيــاتــي أَظــلَم
أَمـنـعـاً وتـعـذيـبـاً وجـهـداً وحـيرةً — حــنــانــيــك ربــي إن صـدري مـفـعـم
وإنــي قــطــعــتُ الشــوط إلا أقــله — واقـــطـــعــه ســيــان أرضــي وارغــم
عــزاءُ فــؤادي أَن للعـمـر مـنـتـهـى — ولا رجــعــةٌ مــنــهــا أخـاف وأوجـم
عـلى أَنـنـي أحـبـبـتُ في العمر مرةً — رجـوتُ بـهـا تـحـقـيقض ما كنت أحلم
فـكـنـت أرى الآفـاق تـضـحـك بـهـجـة — فـاسـتـنـزل الإلهـام مـنـهـا فأُلهم
وأشــعــر بــالعـزم الأكـيـد يـضـمـه — فــــؤاد عــــلى لذاتــــه يــــتــــألم
لعــوبــاً بـأسـرار الوجـود كـأنـمـا — يــطــلُّ عــليــهـا نـاظـري المـتـوسـم
إذا ابـتـسـمـت سـلمـى فـفـجـرٌ مـنوِّرٌ — وإن عــبـسـت فـالليـل أعـكـر أهـيـم
ولكــنــهــا مـلَّت سـريـعـاً لضـعـفـهـا — ومـــا الحـــب إلا قـــوةٌ وتـــعــظــم
فـلمـا عـرفـتُ الضـعـف فـيـها وأنها — تـخـالف فـي نـطقيهما القلب والفم
عـمـلت عـلى الهـجـر الجـمـيـل لأنه — غــدا وهــو أمــرٌ بـيـنـنـا مـتـحـتـم
كـذلك قـد جـرَّبـت نـفـسـي فـي الهوى — فــأُبــتُ بــجــرحٍ لا يـداويـه مـرهـم
وضـيـعـتُ قـلبـي فـي الغرم فها أنا — أَعــيــش بــلا قــلبٍ وأُسـقـى وأُطـعـم
أرى العقل في الدنيا حديثاً لأنه — أَتـى ليـزيـل الجـهـل فـالجهل أقدم
وكــــلُّ قــــديــــم كـــان ذا أوَّليـــةٍ — تــفــضــله فــهــو العـزيـز المـكـرم
لذاك تـرى أن الجـهـالة فـي الورى — أَحــبُّ مـن العـقـل الصـحـيـح إليـهـم
إذا أَنــت أســلمـت الفـؤاد زمـامـه — يــقــودك وهــو الآمــر المــتــحـكـم
ويــبــنــي لك الآمـال غـيـر مـحـقـق — وكـــل بـــنــاءٍ بــالعــواطــف يُهــدم
فـتـدخـل فـي الدنـيـا سـعـيداً مهنَّأً — وتــخــرج طــفـلاً يُـسـتـضـام ويُـفـطـم
إلى كــم أُســلّى بــالرجــاء يـزيـله — قــضــاءٌ عــلى كــل البــريــة مـبـرم
وتـعـبـس فـي وجـهـي النـجـومُ وأنها — إلى كــل رانٍ فــي الدجــى تـتـبـسـم
ويـنـدكُّ صـرح العـمـر عـند ارتفاعه — وكــان عـلى الأيـام يـعـلو ويـدعـم
قــنــتُ مــن الدنــيــا بــخــلٍ وداده — صــمــيــم بـه يـجـري ويـمـتـزج الدم
غــدا سـلوتـي إذ لم أجـد لي سـلوةً — وغنمي الذي أصبحت في العمر أغنم
رضـيـتُ بـه حـصناً على الدهر قائماً — وإنــي له حــصـنٌ عـلى الدهـر أقـوم
هــو الرزق مــن ربٍ كــفـيـلٍ وإنـهـا — مـن اللَه أرزاق عـلى الخـلق تـقسم
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التندم: تَنَدَّمَ يَتَنَدَّمُ تَنَدُّمًا :- على الأمرِ: تحسَّر عليه أو على فعله؛ تندَّم على سوء تصرُّفه مع صديقه.
- الخالص: الخَالِصُ : فا.-: المحض الصَّافي وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصًا / المعدنُ الخالص لا تشوبه شوائب / الصّوفُ الخالص لم يختلط بغيره من ا …
- بحمد: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ …
- شري: شري: شَرى الشيءَ يَشْرِيه شِرىً وشِرَاءً واشْتَرَاه سَواءٌ، وشَرَاهُ واشْتَرَاهُ: باعَه. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخ …
- فاغنم: أَغْنَمَ يُغْنِمُ إِغْناماً : ـ ـه الشيءَ: جعله له غنيمة، وهي ما يؤخذ في الحرب من العدوُّ؛ أغنم القائد الجندَ ما تركه العدوُّ من خيرات.