أبــو قــيـر والأمـسُ لا يـرجـعُ
الشاعر: خليل شيبوب · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر خليل شيبوب، من العصر الحديث، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أبــو قــيـر والأمـسُ لا يـرجـعُ — عـفـت فـيـك مـن بـعدنا الأربعُ
وهُــدَّت خــيــامُ المــصــيـف فـلا — ظــلالَ بــأكــنــافــهــا يــطـمـع
وقـد طـرد النـاسَ عـنك الخريفُ — فــأَوحــشــكَ المــؤنــسُ المـقـلع
وأغــضــبِ بــحــرَكَ هــجــرانُــنــا — فــجــاش بــه المــوجُ يـسـتـدفـع
ورُوِّعَ حـــصـــنُـــك وهـــو الأشــم — يــــحــــاذره البـــطـــلُ الأروع
ولم يـخـفـق العـلمُ المـسـتطيلُ — عـــــليـــــك وحــــراسُه هــــجــــع
وقـد صـرتَ يـأوي إلى شـجـراتـك — وحـــشُ فـــلاةٍ بـــهـــا يـــظـــلع
فــجـرَّت عـلى وجـهـك الرامـسـاتُ — ذيــولاً هــي الكــفـنُ المـفـجـع
ليـالي أبـو قير أين الليالي — وأيــن النــجــومُ التــي تـلمـع
وأيــن الهــلالُ وكــان مــســاءً — مُـــكَـــوِّنُ بــهــجــتــه المــبــدع
وتـسـرح فـوق الرمـالِ الظـبـاءُ — عـلى شـاطـئ البـحـر تـسـتـتـبـع
عـــيـــونٌ تـــغـــازلهــا أعــيــن — قــــدودٌ تــــطــــوقــــهــــا أذرُع
نـواعـمُ كـالأغـصـن النـاعـمـاتِ — فــــوائحُ كــــالعــــطـــر يَـــضَّوَّع
طــوالعُ بــع العــشــي شــمـوسـاً — تــرافــقُهــا النــجُــم التــبــع
نــواشــرُ فـوق المـتـونِ ليـالي — الشــعــورِ وهــنَّ الدجــى الرُوَّع
جــوالسُ فـوق الصـخـور غـصـونـاً — عــلى الصــخـر نـضـرتُهـا تـمـرع
ســوافـرُ عـن فـاضـحـات البـدور — ضـــواحـــكُ عـــن درر تـــســـطـــع
ســـــواحـــــرُ لبٍ ســــواءٌ أخــــو — الهــدايــة والعــاشـقُ المـولع
ســواهٍ لواهٍ بــمــلكِ الجــمــالِ — لهـــن الخـــلودُ ومــا يــتــبــع
وليــل بــه بــتُّ مــســتــلقــيــاً — عـلى الرمـل والجـفـنُ لا يهجع
تــحــيَّرُ فــيــه النــجــومُ كـمـا — تَــتَــحــيَّرُ فـي المـقـل الأدمـع
يـداعـبُ وجـهـي نـسـيـمُ المـساءِ — وتــرمــقــنــي الخــيــم الخـشـع
بـمـا عـلٌّقـوا مـن سـراجٍ مـنـيرٍ — عــلى بــابــهــا نــورُه اســفــع
وقـد وقَـفَ الحـصـن طوداً منيعاً — يـــؤَمِّنـــُ مــنــن قــلبُهُ يــهــلع
وسـاد السـكـوتُ كـأَن البـرايـا — مــظــنّــاتُ أنــفــاســهــا تـنـزع
فــحــدَّثــنــي الصـخـرُ عـمـا رأى — واســمـعـنـي المـاءُ مـا يـسـمـع
حـوادثَ مـلءَ الزمـان اسـتـقـلَّت — عــلى البــحـر أحـرفُهـا تـطـبـع
مــســطــرةً بــالدمــاءِ خــطـوطـاً — عــصــيٌّ بــهــا النــاظـر الطـيَّع
فـتـقـراهـا فـي الظـلام عـيـونُ — الفــؤادِ وتــضــمَــنُهـا الأضـلع
أسـاطـيـل تـحـسـدهـا الراسـخاتُ — تــسـيـر الريـاحُ بـهـا الأربـع
تَــروع البــحــارَ إذا مـا جـرت — فـفـي قـلبـهـا الحـوتُ مـسـتفزع
تُـقِـلُّ جـيـوش المنايا استثارت — ومـــصـــرُ لنَـــســـرِهـــم مـــوقــع
رمـى بـالمـمـاليـك حـتـى تـشتت — شـــمـــلُهــم فــهــو لا يــجــمــع
وجــاءَتــه كــلُّ وفــودِ البــلاد — تـــبـــاعــاً لإِمــرتــه تــخــضــع
ولكــن كــبــارُ الرجــال يــرون — بــأتـبـاعـهـم صـمـمـاً أن دعـوا
كــذلك خــالف أمــرَ الكــبــيــرِ — أمــيــرُ المــيـاه فـمـا يـسـمـع
وألقـــى مـــراســيــه فــيــكَ لا — يـــبـــالي العــدوَّ ولا يــفــزع
فـيـا يـومَ فـاجـأه الإنـكـليـزُ — عـــــلى رأســـــه حُـــــوَّمٌ شُـــــرَّع
فــدمــدمَ فــي أفـقـيـكَ الرصـاصُ — وارعــد فــي بــحــرك المــدفــعُ
وطــبَّقــَ فـي جـانـبـيـك الدخـانُ — كــــأَنَّ الجـــهـــاتِ لُهـــى جُـــوَّع
فـروّى بـحـارَك قـانـي النـجـيـعِ — وإن العُـــطـــاشَ لهـــا أنـــجــع
وأطــعــمــهــا مــن تـجـاليـدهـم — لحـــومَ الألوف ومـــا تــشــبــع
وأَخَّرَ نــــجــــدتـــهـــم جـــاهـــلٌ — مــن الخــوف مــهــجــتُه تــخــلع
فــحــلق الدمــارُ بــهـم وكـذلك — تـــهـــوي الجـــبـــالُ وتـــصَـــدَّع
شــفـى نـفـسـهـم أَنـهـم أَدركـوا — بـك الثـأرَ والمـوتُ لا يـقـنـع
أتـى التـركُ مـن بـعد حولٍ لكي — يــردّوا البـلاد ويـسـتـنـزعـوا
عديدَ الرمالِ أتاهم بونابارتُ — والنـــارُ فـــي قـــلبـــه تــلذع
رمـاهـم بـمـوج الحـديـدِ قـضـاءً — عــليــهــم وعــنــهــم لا يـدفـع
فــسـل عـن بـسـالتـهـم مـصـطـفـى — وقــد جــاءَ مــوراً بــه يــشـفـع
رمــى بــطــبــنــجــتــه مـصـطـفـى — فـتـىً قـلبـه الصـخـر لا يـهـلع
فـــقـــطَّ أنــامــله بــالحــســام — مــــوراً وجــــاء بــــه يـــظـــلع
وأرســل فــرســانــه كــالصـقـور — والخــليــل فـي شـوطـهـا تـمـزع
ومــزَّق شــمــلَ الجــنــودِ فــمــا — تَـــبَـــقّــى لهــم أثــرٌ يــتــبــع
فـكـانـوا طـعامَك في الحالتين — لهــم وعــليــهــم بــكَ المـصـرع
مــضــوا وبــقــيــتَ تـحـدث عـمـا — أتــوه فــلم يــنــضـبِ المـنـبـع
فـقـل لي هـل يـرجـعُ الغـائبون — وقــل لي هــل يــفـطـم المـرضـع
يــقــولون عــنــك غــداً بــلعــاً — عـــلى أن عـــمــرهــم البــلقــع
أرى الجــامــداتِ أطــول عـمـراً — مــن العــاقــلات فــمـا نـصـنـع
وأنــهـم فـي المـقـال افـتـروا — بــمــا لفــقــوه ومــا شــنَّعــوا
وأعـــجـــبـــهـــم طــالعٌ مــشــرقٌ — وأعـــجـــبـــهـــم مــورِقٌ مــفــرع
فــراحــوا وشــاعــرهــم مــفــلقٌ — لهـــم وخـــطــيــبــهــم مِــصــقــع
فـمـاذا أفـاداهـم فـي الحـياة — والدهـــر فـــي ســيــره يــســرع
وكـــلهـــم فـــي البـــلى صــائرُ — وذكــــرهــــم سُــــحُــــبٌ قــــشــــع
أبـو قـيـر أنـت سـمـير الجليس — ووعـــظـــك أبــلغ مــا يــســمــع
ورغــم العــفــاءِ أراك ريـاضـاً — تــســيــر بــهـا النـسـم الضُـوَّع
ســـمـــاؤك صـــافـــيـــةٌ وهـــواكَ — يــعــيــد الشــبــاب ويـسـتـرجـع
وبــحــرك أجــمــلُ مــا يــجـتـلي — ومـــاؤك أعـــذبُ مـــا يـــنــبــع
وحـــصـــنــكَ عــالٍ يــرفُّ عــليــه — لواءٌ هـــو الشـــرفُ الأَمـــنـــع
فــدم ســارحــاتٍ بـكَ الظـبـيـاتُ — ودم كــامــلاً بــدُرك المُــبــدَعُ
ودم وارفــاتٍ عــليــك الظــلالُ — وغُــــلَّةُ رائدهــــا تــــنــــقــــع
تُــرى راجــعــاتٍ ليــاليَّ فــيــك — أبــو قــيـر والأمـسُ لا يـرجـع
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الرامسات: [ر م س]. : رِيَاحٌ تَدْفِنُ الآثَارَ وَتُغَطِّيهَا.
- الكفن: كفن: الكَفَنُ مَعْرُوفٌ ابْنُ الأَعرابي الكَفْنُ التَّغْطِيَةُ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ وَمِنْهُ سُمِّيَ كَفَنُ الْمَيِّتِ لأَنه يَسْتُرُهُ ابْنُ سِيدَهْ الكَفَنُ لِبَاسُ الْمَيِّتِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَكفان، كَفَنه يكْف …
- المستطيل: المُسْتَطِيلُ [طول]: فا.-: في الهندسة، هو شكل رباعِيٌّ كل زواياه قوائِم ويتساوَى فيه كلُّ ضِلْعَيْنِ متقابلين.-: المُمْتدّ الطويل؛ له وجه مستطيل كوجه الحصان.
- المصيف: المَصِيفُ : مكانُ الإقَامة في الصَّيف؛ بنى داراً صغيرةً في المصيف الجبليّ ج مصايِفُ.
- المفجع: [ف ج ع]. (فاعل مِن أَفْجَعَ). "حَادِثٌ مُفْجِعٌ": مُؤْلِمٌ جِدّاً.
- المقلع: المَقْلَعُ : مكان قلْعِ الحجارة ج مَقَالِعُ.
- بحرك: بحر: البَحْرُ: الماءُ الكثيرُ، مِلْحاً كَانَ أَو عَذْباً، وَهُوَ خِلَافُ البَرِّ، سُمِّيَ بذلك لعُمقِهِ واتساعه، قد غَلَبَ عَلَى المِلْح حَتَّى قَلّ فِي العَذْبِ، وَجَمْعُهُ أَبْحُرٌ وبُحُورٌ وبِحارٌ. وماءٌ بَحْرٌ: مِلْح …