مــــا للُهــــدَى كالأَربُع الأَدراسِ
الشاعر: نيقولاوس الصائغ · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر نيقولاوس الصائغ، من العصر العثماني، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف السين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــــا للُهــــدَى كالأَربُع الأَدراسِ ... أو كالرُقودِ بهَبوةِ الأَرماسِ
ما للحقائقِ والحُقُوقِ كأَنَّها ... شَبَحٌ الرُسومِ بصَفحةِ القِرطاسِ
أَنّي أُشِيدَت للطُغاةِ مَدارسٌ ... وغدا الهُداةُ فماً بلا أَضراسِ
وقَدِ استَسَر ضِياؤُهُ من عُصبةٍ ... هم آل فوتي مع أُولي برداسِ
لمّا طَوى اللَهُ انتشارَ ظلامِهِم ... أرمى بهم في ظُلمةِ الأَغلاسِ
كم حطَّ مرتفعَ الذُرى من بعدِ أَن ... قد كانَ فوقَ أَسِرَّةٍ وكراسي
قُطِعوا كعِضوٍ فاسدٍ من جِسمِهِ ... فرُمُوا وكانت ضربةً في الراسِ
سِربٌ غداً مُتَوسوِساً مُتَدلساً ... مــــع كــــل غُــــمــــرٍ ماذق دلاسر
فكأَنَّما رأيُ التَناسخِ صادقٌ ... أُسُدٌ تُرى في صورة النَسناسِ
قــــومٌ لذُلِّهِــــمِ أُقِيمَ دليلُهم ... ناراً يُطافُ بها على الجُلاسِ
أَضحت كأَورَشَليمَ في أَيدي الوَرى ... مَثوى الرضى ومَحَلَّةَ الأَقداسِ
هل إِنَّ أُورَشَلِيم عرشَ إِلهِنا ... موضوعُ كلِّ خديعةٍ وتَناسِ
ما كلُّ ساطعةِ المعادنِ عَسجَدٌ ... كم بينَ إِبريزٍ وبينَ نُحاسِ
فهُناكَ نورٌ غيرُ محسوسٍ وذي ... نــــارٌ تُرى من ناظرٍ حَسَّاسِ
نُورٌ بصُنعِ اللَهِ لا بتَصَنُّعِ ال ... مَطرانِ والقِسِيسِ والشمَّاسِ
مستقبسوهُ من الأُولى سَلَفُوا بأَن ... تُستَقبَسَ النِيرانُ من مِقباسِ
فكأَنهم ضربوا لنورِ سنائهِ ... مَثَلاً من المِشكاةِ والنِبراسِ
مــــاذاكُمُ نُوراً تراهُ وَهوَ إذ ... يبدو فترمُقُهُ عُيُونُ الناسِ
أَبدُوا الذي دبَّرتموهُ فما لَهُ ... متستِّراً في الكِنِّ والديماسِ
لو كان ذا حقاً جلياً واضحاً ... ما احتاجَ للإِخفاءِ والإِلباسِ
ذي رتبةٌ مثبوتةٌ لا حِيلةٌ ... مبثوثةٌ بقبائل الأَجناسِ
ولقد أتى فيها فُخولوجينُنا ... وبهِ لها في الرُوسِ أقدمُ راسِ
تَتَقدَّسُ النِيرانُ جَمراً مثلَما ... تتقدَّسُ الأَمواهُ يومَ غطاسِ
فكِلاهما حَلَّ الإِلهُ بهِ فَلِن ... طبعاً وأَيقِن أَيُّهذا الجاسي
واقدِم فما عُلَّيقةٌ بل جُذوةٌ ... أَورى الزِنادَ بها فما من ياسِ
وأَنس بها ناراً تُضيءُ بفندها ... واخلَع نِعال المكرِ والادلاسِ
نارٌ ذكت وخُمودُها ودخَانُها ... أنــــواعُها دلَّت على الأجناسِ
هَضَمَت لكلِّ مَوَاددٍ غذيت بها ... فقضيَّةٌ لم تفتقر لقياسِ
ذا حدُّها وقِياسُها إحراقُها ... بشُموعها ووهيجِ كل مقاسِ
فترى بهاتيكَ القيامةِ قائماً ... أقــــوامَها بالإِثمِ والأَرجاسِ
يَجُرونَ كالفَرَس الصَهُول بضَجَّةٍ ... في حينما الترتيلِ والقُدَّاسِ
أَنى الجرائحُ تُلتَقى في مُلتَقى ... بحرِ الخَنا المحذورِ والأَدناسِ
ومن العجائبِ ان تُؤَمَّ عجائبٌ ... قُدسيَّةٌ في مَجمَعِ الأَنجاسِ
فتَفرَّسَنَّ بذي الضَلالةِ والدَها ... تلقى الهُدى يا فارسَ ابنَ فِراسِ
أَرمَى بنو الرومِ المَرامَ فاخطأُوا ... ثُلِمَت أَرُومتُهم بأَثلَمِ فاسِ
وضعوا رجاءهمُ على أَحسابِهِم ... فلِذاكَ قد حُمِلوا على الآياسِ
فَهُمُ المَجوسُ المُلحِدونَ وشأنُهم ... ان يَسجُدوا للنارِ والأَقباسِ
راموا السَناءَ برفعِ ذيَّاكَ السَنى ... فمُنُوا بخفضِ سَنائِهم في الناسِ
قومٌ سَواسِيَةٌ فكُلٌّ منهمُ ... صعبٌ مُمارسةً وصعبُ مِراسِ
عَطِبُوا ببحرِ ضَلالِهم فكأَنَّهم ... سُفُنٌ خَلَت من ريّسٍ ومَراسي
ما أوجبوا باللُبسِ سالبَ أمرهم ... إلّا لســــــلبِ مــــــآكــــــل ولِبــــــاسِ
لَزِموا الخُضوعَ لِذي المعاثرِ مثلما ... لَزِمَ الرقــــيقُ أوامرَ النَخَّاسِ
سُحقاً لهم ماذا يكون جَزاؤُهم ... يوم الجَزاءِ ومَقسِطِ القِسطاسِ
لا تَعجَبَنَّ إذا بَغَوا فيما ابتَغَوا ... وإذا جَسَوا وَقَسَوا بغيرِ قياسِ
فمَحَبَّةُ الوَرَقِ الدنيَّةُ اسلمت ... رَبَّ العُــــلى للصَــــلبِ مــــن يــــوداسِ
ماذا النفاقُ يقولُ قومٌ إِنَّها ... سُــــنَنٌ من الإِملاقِ والإِفلاسِ
مَن أَحسَنَ استنقاذَ آل جهنَّمٍ ... بالغِشِّ عمداً فَهوَ شَرُّ مُؤاسِ
أَنى السُجودُ يَلِيقُ بالنارِ التي ... هــــي خُــــدعــــةُ الآراءِ والأحــــواسِ
أَنَّيــ يجوزُ المَكرُ ممَّنـ صَيَّروا ... مَن لم يُصِخ لضَلالِهِم كمُداسِ
هَدماً لأُسِّ بِناءِ بِيعةِ بِطرُسٍ ... مَن أَسَّها الرحمنُ خيرَ أَساسِ
ذي خَيرُ واحدةٍ وجامعةٍ معاً ... قُــــدســــيَّةــــٍ بمُثلَّثِ الأَقداسِ
والرُسلُ أَضحَوا لابتناءِ حُقوقِها ... بعدَ الثلثةِ رابعَ الأَدماسِ
مَن في المَحَبَّةِ جَريُهم أَربى على ... جَريِ الخُيُولِ الضُمر والأَفراسِ
ساعينَ لا سيفاً ولا كيساً فَدَع ... قوماً سطوا بالسيفِ والأَكياسِ
ثُـــــنِّيـــــ وثُــــلِّثَ غَــــيُّ آلِ أرابــــعٍ ... جحدوا بهنَّ الخمسَ في الأَسداسِ
شَتَّانَ فيما بينَ أَن صدَقَ النُهى ... ليثُ العرينِ وبينَ ظبيِ كِناسِ
ويَــــرُوقُكَ الحُبُّ الذي يُبدُونَهُ ... متوشِّحاً بملابسِ الإِيناسِ
كم أفلقوا بالوعظِ قلباً جامداً ... بهِمِ استلانَ وكانَ اعظمَ قاسِ
فعلوا بأَفئِدةِ الورى أَضعافَ ما ... فعلت دِما بعضِ الدُمى بالماسِ
وبكل قُطرٍ نمَّ قَطرُ علومِهِم ... ونما فأَنمى جِيّدَ الأَغراسِ
يا خيرَ من سِيسوا بطاعةِ حِبرِهِم ... فاكرِم بِهِم من سائسٍ ومُساسِ
خَلَفَ الصَفا رأَسَ الكنيسةِ نائبَ اللَهِ ... المحكَّمَ في النَدَى والباسِ
هذا هُوَ الحِبرُ العظيمُ مُقدَّمُ ال ... أَحبارِ حتى آخِرِ الأَنفاسِ
مَن رَسمهُ قد جاءَ في نُوحٍ ... ويعقوبٍ بكلِّ تشابُهٍ وجِناسِ
سُلطانُهُ في العالَمينَ وحُكمُهُ ... في الخافِقَينِ مسيِّرٌ أوراسِ
يا مُثخِناً جُرحَ المعاصي لُذَّ بطا ... عتهِ فيُوسِي جُرحَك المتماسي
ان القَضاءَ العامَ خُصَّ بهِ فكلٌّ ... مـــــــن ولاهُ مـــــــجــــــردٌ أوكــــــاسِ
يا صاح فاطرح عنكَ جِلبابَ الردى ... واخـــــلَع رِداءَ الهـــــمِّ والوَســــواسِ
وابشِر بما قد نِلتَ من نَيلِ الهُدى ... بِشرَ الوَرى بالنِيل ذي المِقياسِ
لا تُلغِ إِحسانَ الإِلهِ تَناسِياً ... بل كُن لسُوءِ الناسِ أكبَرَ ناسِ
واحذَر تَناسي الحقِّ عمداً انهُ ... شَرٌّ من الناسي هو المُتَناسي
واحسُ التُقى من كأسِ بِيعتِهِ التي ... ما لَذَّ غيرُ سُلافِها للحاسي
وإذا دُعِيتَ إلى السلوّ فكن اخا ال ... خَنساءِ عن شَيطانِها الخنَّاسِ
ها إِنَّني لا أَرتَوِي من كأسِها ... هاتِ اسقِني بالزِقِّ لا بالكاسِ
كم اسكرَت عقلاً حسا من حانِها ... خمرَ الحِجى من أَشرفِ الاكواسِ
كم قَوَّمَت متعوّجاً عن رُشدِهِ ... كَــــلِفــــاً بقَدٍّ اهيفٍ ميّاسِ
مستهّدَ الأَجفانِ ممنوعَ الكَرى ... مــــن كــــل لحــــظٍ ذابــــلٍ نَــــعّــــاسِ
كم ذا قَدِ اضطُهِدَت وما غُلِبَت وقد ... ظَفِرَت بغيرِ أَسنَّةٍ وتِراس
كم أَغرَضَت قلباً مواعظُ رُسلِها ... فصُمي بلا سهمٍ ولا أَقواس
كم حكَّمت عقلاً تَحكَّمَهُ الرَدى ... بالجهلِ فَهيَ لكلِّ سُقمٍ آس
عَرَّستُ في أَرجاءِ حَلبةِ مجدِها ... فَغِنيتُ عن عِرسٍ وعن أعراسِ
فيها ذُرى الإِيمانِ شِيدت بعدَما ... خِلتُ الهُدى كالأَربعِ الأَدارسِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الرسوم: رسم: الرَّسْمُ: الأَثَرُ، وَقِيلَ: بَقِيَّةُ الأَثَر، وَقِيلَ: هُوَ مَا لَيْسَ لَهُ شَخْصٌ مِنَ الْآثَارِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا لَصِقَ بالأَرض مِنْهَا. ورَسْمُ الدَّارِ: مَا كَانَ مِنْ آثَارِهَا لَاصِقًا بالأَرض، وَالْجَمْع … (لسان العرب)
- القرطاس: قرطس: القِرْطاس: مَعْرُوفٌ يُتَّخذ مِنْ بَرْدِيّ يَكُونُ بِمِصْرَ. والقِرْطاس: ضَرْب مِنْ برُود مِصْرَ. والقِرْطاس: أَديم يُنْصَب للنِّضال، ويسمَّى الغَرَض قِرْطاساً. وَكُلُّ أَديم ينصَب للنِّضال، فاسمُه قِرطاس، فإِذا أَ … (لسان العرب)
- شبح: شبح: الشَّبَحُ: مَا بَدَا لَكَ شخصُه مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ. يُقَالُ: شَبَحَ لَنَا أَي مَثَلَ؛ وأَنشد: رَمَقْتُ بِعَيْنِي كلَّ شَبْحٍ وحائلٍ الشَّبْحُ والشَّبَحُ: الشَّخْصُ، وَالْجَمْعُ أَشباح وشُبوح. … (لسان العرب)
- ظلامهم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- فاسد: أسد: الأَسَد: مِنَ السِّبَاعِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ آسَادٌ وآسُد، مِثْلُ أَجبال وأَجبل، وأُسُود وأُسُد، مَقْصُورٌ مُثَقَّلٌ، وأَسْدٌ مُخَفَّفٌ، وأُسْدانٌ، والأُنثى أَسَدة، وأَسَدٌ آسَدٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، كَمَا قَالُ … (لسان العرب)