أَخــلَّايَ أَيــنَ المُــعــوِلاتُ النــوائِحُ

الشاعر: نيقولاوس الصائغ · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رثاء

هذه القصيدة من شعر نيقولاوس الصائغ، من العصر العثماني، وتقع في 86 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الحاء، وغرضها قصيدة رثاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أَخــلَّايَ أَيــنَ المُــعــوِلاتُ النــوائِحُ — وأَيـنَ النُـعَـى والمُـثـكَـلاتُ الصوائحُ

وأَيــنَ الذي يـبـكـي بـعـيـنٍ سـخـيـنـةٍ — دِمــاءً تُــلظِّيــهـا الحَـشَـى والجـوارحُ

رُبــوعٌ غـدت فـي وَحـشـةٍ بـعـدَ أُنـسِهـا — لذا سَــفَــحَــت فـي سَـفـحِهِـنَّ السـوافـحُ

تَــضــرَّمَــتِ الأَحــشــاءُ حــتَّى شُـواظُهـا — لســائِر مَــحـوَى ظـاهـر الجِـسـمُ لافـحُ

ولم يَـبـرَحِ التبريحُ يُضرِمُ في الحَشَى — لهــيــبَ أَســىً أَذكَــت صِـلاةُ البـوارحُ

فـهـل يُـمـكِـنُ الإِضـمارُ والشأنُ ظاهرٌ — وهـل تُـكـتَـمُ الأَسـرارُ والشـأن بائِحُ

فـــبـــي كَــمَــدٌ وأراهُ ذَيــلُ تَــجَــلُّدي — ولكــــنــــه أورتــــه فـــي القـــوادح

وأَجـهَـدتُ نـفـسـي فـي استِتارِ مَصابها — مَــخــافـةَ أَن تَـسـطُـو عـليَّ المـفـاضـحُ

ونـــاهـــيـــكَ دهـــرٌ شَــوطُ كــلِّ مُــلِمَّةٍ — وكـــلٌّ بـــهــذا الشَــوطِ ســارٍ وســارحُ

تَهــدَّمَ رُكــنٌ وانــهَــوَى شـامـخُ الذُرَى — وقُـــوِّضَ صَـــرحٌ مــا لعُــليــاهُ مــاســحُ

وغُـــيِّضـــَ بـــحـــرٌ زاخــرٌ لا مُــزاخِــرٌ — لذاخــــرهِ إذ أَفــــرَدَتـــه الصـــوالحُ

عَــجِــبــتُ لرَمــسٍ ضَـمَّ بـحـراً عَـرَمـرَمـاً — وكــوكــبِ أُفــقٍ غَــيَّبــَتــهُ الأَبــاطــحُ

حَـنـانَـيـكَ عـبـدَ اللَهِ غـادرتَ صُـحـبـةً — لضِـيـقـتـهـا الجُـلَّى تَـضِـيـقُ الصـحاصحُ

أُحــاشــيــكَ أَن أَدعُــوكَ بــحــراً لأَنَّهُ — وَرُودُكَ عَــــذبٌ والبُــــحــــورُ مــــوالحُ

فــمــا الشــرقُ إِلَّا شــارقٌ بــبُـكـائهِ — عـليـكَ وغَـربُ الغَـربِ بِـالدمـعِ سـافـحُ

فـيـا لَكَ خَـطـبـاً عَـمَّ شـرقـاً ومَـغـرِباً — فــــخُـــصَّ بـــهِ كـــلٌّ قـــريـــبٌ ونـــازحُ

اخــيــر يــوم العــام عــنــد غـوؤبـه — قــد انـطـفـأ مـنـه وعـنـا المـصـابـح

فـأَغَـرَبَـتِ الشـمـسـانِ واخـتَـفَـتـا معاً — فــظَــلنـا ووَجـهُ الكَـونِ أَسـفَـعُ كـالحُ

ووُشِـــحَ بـــالأَكـــفـــانِ وجــهٌ مــكــرَّمٌ — عــليــهِ مــن الفــضـل السـنـيِّ وشـائحُ

لقـد وجـبـت شـمـس الضـحى قبل حينها — وأوجـــب نـــجــمٌ بــالمــلامــح لامــحُ

وغَـلَّ الثُـرَيَّا غائلُ الدهرِ في الثَرَى — وغــالت فُــؤادَ الفَـرقَـدَيـنِ الفَـوادحُ

فـهـل سـافـت العَـيُـوقَ سـيَّاـفةُ الرَدَى — وهــل رَمَــحَ الجَــبَّاـرَ بـالمـوتِ رامـحُ

نَــحــا عــن دِيــارٍ وانـتَـحَـى لِدِيـارةٍ — ومـا زالَ فـيـهـا وَهـوَ للمـجـدِ طـارحُ

إلى أَن قَـضَـى مـا بـينَ رُهبانِها وهم — لَدَيـــهِ وكـــلٌّ نــاحــبُ القــلبِ نــائِحُ

كـــهـــالةِ بــدرٍ جُــثَّمــاً بِــصَــلاتِهِــم — بـــأَلسِـــنـــةٍ سُـــجٌ وأَيـــدٍ مـــســابــحُ

وسَـــلَّمَ طَـــوعــاً فــي يَــدِ اللَهِ رُوحَهُ — بـــكـــلِّ أمـــانٍ وهـــو جَــذلانُ فــارحُ

فـهـذا خِـتـامُ التـاركِ العـالَمَ الذي — بِــوادي بَــوادِيــهِ تَــجُــوحُ الجــوائِحُ

وعـاشَ مـع الأَبرارِ في الديرِ ناسكاً — تُــقــدَّمُ بــالإِمــســاكِ مــنــهُ ذبــائِحُ

لقـد كـانَ لي سـعـدَ السُعودِ فمُذ قَضَى — تَــقــاضــانـيَ السـعـدُ الذي ليَ ذابـحُ

وأَودَعَــنــي إذ لم يَــكُــن لي مُـودِّعـاً — وديــعــةَ نــارٍ أُودِعَــتـهـا الجـوانـحُ

تَــنــازعَ عــقــلي الحـالتـانِ فـنـادبٌ — عَــــوارفَهُ طَـــوراً وطَـــوراً فـــمـــادحُ

فـلم أَدرِ هـل تَـنـعَـى عـليهِ المنايِح — مَـدَى الدهـرِ أم تُثنِى عليهِ المدائحُ

أَمــا إِنَّهــُ بــحـرُ المَـجَـرَّةِ بـالحِـجَـى — فــضــائِلُهُ فــيــهِ الدراري السـوابـحُ

ونُــقــطــةُ بــيــكــار بـدائِرَةِ العُـلَى — خُــطــوطُ التُــقَــى كـلٌّ بـهِ لا يُـبَـارِحُ

حديدُ النُهَى والعَزمِ والحَزمِ والقُوَى — وسَهــلُ اللِقــا سَـمـحُ الأَكُـفِّ مُـسـامـحُ

يُـــقـــطّــبُ لكــن لا غَــضُــوبٌ ونــافــرٌ — ويَـــبـــسُـــمُ لكـــن لا لَعُــوبٌ ومــازحُ

تُـــقـــادُ إليـــه كـــلُّ نــفــسٍ أبــيــةٍ — كــأن بُــرَةٌ مــنـهُ عـليـهـا النـصـائح

فــمــا زالَ مـأهـولَ المـغـانـي لأنـهُ — مُــشــيــرٌ عـجـيـبٌ صـائِبُ الرأي نـاصـحُ

يُــبــادِرُهُ إن فــاهَ عــقــلٌ ومِــســمَــعٌ — وإِن صَـــمَّمـــَ الآراءَ صَــمَّ المُــطــارِحُ

فـكـم مـن نُـفُـوسٍ قـد دَهـاهـا عُـتُـوُّها — غَــدَت ولَهــا عــن غَـيِهـا مـنـهُ كـابـحُ

بــتــأنــيِــبِه آضَــمــت نُــفـوسٌ شـواردٌ — وتــهــذيــبِهِ ارتــاضَــت رُؤسٌ جــوامــحُ

بـتِـريـاقِهِ الشـافـي المـجرَّبِ كم شَفَى — لديــغَ هــوامِ الإِفــكِ والحــقُّ واضــحُ

وفَــنَّدَ بــالتــفــنــيــدِ كــلَّ عـضـيـهـةٍ — وأَرتَــقــةٍ فَهــوَ الكَــمِــيُّ المُــكـافـحُ

وبَــرهَــنَ بــالبُــرهــانُ كــلَّ يـقـيـنـةٍ — فـدانَ لهـا هـامُ العـنـيـدِ المُـنـاطِحُ

وكــم رَدَّ بـالرَدِّ الخـطـيـرِ نُهـىً لهـا — جَــمــاحٌ إلى مَهــوَى الرَدَى ومَــطـامِـحُ

مــعــانــي جِـدالٍ جَـدلُهُـنَّ قـد انـفَـرَت — بــهِ جُــدُلٌ مـا صـافَـحَـتـهـا الصـفـائِحُ

وكَــم ضــاقَ صَــدرٌ مــن مـعـانٍ ضُـئيـلةٍ — أَبــانَ خــوافــيــا بــمــا هُــوَ شــارحُ

ورَدَّ عــلى عَــجــزِ الأَضـاليـل صَـدرَهـا — فــفــاءَت بــعــجــزٍ ذَيَّلـتـهُ الفـواصـحُ

أزالَ رِتــــاج المُـــشـــكِـــلاتِ كـــأَنَّهُ — لأَقــفـالِ أَغـلاقِ المـعـانـي مـفـاتـحُ

وأَلقَــحَ عــقــمــاءَ الفُهُــوم بــنـاتـجٍ — مـن العِـلمِ فـانـصـاعـت بهِ وهي لائحُ

حَـوَى مَـنـطِـقـاً عِـلمـاً ولفـظاً تَجانَسَا — فـان فـاهَ قـلتَ الطـيبُ والمسكُ فائِح

ونـحـواً وصـرفـاً صـارفـاً فـيـهِ نـحـوَهُ — إلى اللَه لم يَـجـنَـح لهُ عـنـهُ جـانحُ

ونــظــمــاً وإِنــشــاءً ونــثــرَ رســائِلٍ — تُــراسِــلُ رَيَّاـهـا العُـطـورُ النـوافـحُ

وحــازَ بــمَــيــدانِ اليَــراعِ بَــراعــةً — أَبَـت أَن تُـجـاريـهِ الفُـحـولُ القوارحُ

وإِعــرابَ أَســفــارِ تَــمــنَّعــَ خِــدرُهــا — جَــلاهــا بَـيـانٌ مـنـهُ للمـنـعِ فـاتـحُ

ووعظاً نَهِيٌّ الأمرِ والنَهيِ في النُهَى — تَــنــاهـت بـهِ فـالجـهـلُ عـنـهـنَّ زائِحُ

واصــح صــنــعــاً فــي اصـطـنـاع ضـائع — وتـلك اخـتـصـاصـات لهـا اللَه مـانـح

ولم يــلف بــطــالاً ولو عـمـر سـاعـةٍ — ولكــــنـــه الجـــســـم والروح كـــادح

تًــصـدَّر بـالتـقـديـمِ كُـلاً كـمـثـلِ مـا — تُــصــدِّرُ أبــوابَ الكِــتــابِ الفـواتـحُ

فــأَثــن ولا تــنــثــنِ فــيــهِ مَــبَــرَّةً — فـمـا صـالحٌ يـأبـى الثـنا عنهُ صالحُ

ذكـا حـاسـدٌ مـن نـشـرِ مـعـروفـهِ وقـد — طَـوَى كَـشـحَهُ مـنـهُ عـلى النـارِ كـاشحُ

فــأَتَّى تَــوارَى نــشــرُ طِــيـبِ صـنـيـعِهِ — وهـل تـخـتـفي الأَطيابُ والعَرفُ نافحُ

وهـل يُـنـكَـرَنَّ البـدرُ والضـوءُ شـاهـدٌ — وهــل تُـجـحَـدَنَّ الشـمـسُ والنُـورُ لائِحُ

فـتـىً لم يَـخَـل إلَّا الصـنـيعةَ مَربَحاً — فـلم يَـألُ عـنـهـا فَهـيَ نِعمَ المرابحُ

غـــديـــقُ الحِــبــا لكِــنَّهــُ لا مُــرحِّبٌ — غــديــقُ الأَيــادي للمــكــارمِ مــائحُ

خِــلالٌ كــالإِغــريــضِ حُــسـنـاً ونَـضـرةً — بــغــيــرِ ابــتِـذالٍ وَهـيَ طَـلعٌ وبـالحُ

وطــبــعٌ كــمــاءِ المُــزنِ صَـفـواً ورِقَّةً — مَـدَى العُـمـرِ بـالإِحـسـانِ وافٍ وسانحُ

ومــســتــأثــرٌ طــبــعـاً بـكـلِّ فـضـيـلةٍ — لهُ سَـــعَـــةٌ فُــضــلَى بــهــا ومَــنــادِحُ

أَضــاقَ نِــطــاقَ النُـسـكِ حِـفـظـاً لِعـفَّةٍ — جـــوارحُهُ مـــنـــهـــا هِـــزالٌ طِـــلائحُ

طــويــلُ أَيــادٍ وافــرُ الجُــودِ كـامـلٌ — وفــي كــل وزنٍ مــســتــقــيــمٌ وراجــحُ

أمـيـنٌ عـلى حِـفـظِ السـرائِرِ لم يـكـن — بـــفـــيــهِ لســانٌ بــالســرائِرِ بــائحُ

كـــأَنَّ وراءَ القـــلبِ مـــنـــهُ لِســانَهُ — فــلا كــاشــفٌ سِــتــراً ولا هُـوَ قـادح

ولا نــاكــثٌ عـهـداً ولا نـاهـكٌ حِـمَـى — وِدادٍ ولو أَن طَـــوَّحَـــتـــهُ الطـــوائِحُ

ومـنـتـبـهُ الطَـرفَـيـنِ قـلبـاً ونـاظراً — عـلى الخـيـرِ مِـقـدامٌ عـن الشرِّ جانحُ

نـجـا بـنـجيح الرأيِ من مقَتِصَ العِدَى — وأُنــجِــحَ ســعــيــاً فَهـوَ نـاجٍ ونـاجـحُ

وصَـــرَّدَ ســـهــمَ اليــأس رَغــفُ رَجــائهِ — وكَـــسَّرَ فَـــخّــاً هَــيَّأــَتــهُ الكــواشــحُ

وراعَ الأَعـــادي والحـــواســـدَ جَـــمَّةً — كــمـا رَوَّعَـت قـلبَ البُـغـاثِ الجـوارحُ

فَــتــىً لم يـهـله نـزغٌ حـاسـدِ نـعـمـةٍ — كـمـا لم تَهُـل ليـثَ العرينِ النوائِحُ

فــيــرثـيـهِ بـالأَشـعـار بـادٍ وحـاضـرٌ — ويـبـكـيـهِ فـي الأَسـفـارِ غـادٍ ورائحُ

وتَـنـعاهُ أَعماقُ المعاني على المدى — ورامــوزُهــا مــا عـامَ فـيـهِـنَّ سـابـحُ

ولو أَن تَوارَى الذِهنُ من جَزَع الأَسَى — لأَورَى بــهِ زَنــدٌ مــن الوجــدِ قــادحُ

قَـدِ اقـتَـرَحَـت مـدحـاً عـليـنـا نِـكاتُهُ — فــغِــرنـا لهُ لكـن غَـرَتـنـا القـرائحُ

لَئن دامــتِ الآثــارُ تَــنــدُبُ فَــقــدَهُ — فـلا غـرو أن دامـت عـليـهِ المـنايِحُ

فــوُرقُ الحِــمَــى كُـلٌّ عـليـهِ بـأَيـكِهـا — نَــعــاءً ونــعــتــاً نــائحــاتٌ صــوادحُ

تَــغــمَّدهُ الرَحــمــنُ فــي ظــلِّ رحــمــةٍ — وبــلَّ ثَــراهُ وابــلُ الغــيــثِ نــاضــحُ

وجــازَت لهُ فــيــنــا وحـازَت شَـفـاعـةٌ — مـن اللَه حُـسـنَ الصـفـحِ فـاللَهُ صافحُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الحاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • بائح: أيح: أَيْحَى: كَلِمَةٌ[[. قوله [أُيحى كلمة إلخ] بفتح الهمزة وكسرها مع فتح الحاء فيهما. وآح، بكسر الحاء غير منوّن: حكاية صوت الساعل. ويقال لمن يكره الشيء: آح بكسر الحاء وفتحها بلا تنوين فيهما كما في القاموس.]] تُقَالُ لِل …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة