ما مرأَةُ السَوءِ إِلَّا وَهدةُ العَطَبِ

الشاعر: نيقولاوس الصائغ · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر نيقولاوس الصائغ، من العصر العثماني، وتقع في 78 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ما مرأَةُ السَوءِ إِلَّا وَهدةُ العَطَبِ ... فاحذَر بِلاها وإن نادت فلا تُجِبِ

ذَرها تَشُقُّ قميصاً انتَ لابسُهُ ... واهرُب كيُوسُفَ يوماً فازَ بالهَرَبِ

قبيحةُ الحُسنِ كم ساءَت مَحاسنُها ... كأَنَّها السُمُّ في كأسٍ مِنَ الذَهَبِ

جميلةُ الوجهِ لكِن لا جميلَ لها ... تأبى الجميلَ ولا تُولِي سِوَى الكُرَبِ

ذي ضربةُ القلبِ فاضرِب عن مَضارِبها ... ولا تَــــلج لُجَّةــــ الأحــــزان واللَجَــــبِ

ما فَوَّقَت قَطُّ سهماً من لواحِظِها ... إِلَّا وأَصمَت بذاكَ السهمِ كُلَّ غبي

مَناصلُ الخَتلِ منها أُرهِفَت فَغَدَت ... تغزو الرِجالَ بلا بَيضٍ ولا يَلَبِ

كم غادَرَت قلبَ عانٍ لا حَراكَ بهِ ... وقلَّما فَوَّقَت سهماً فلم يُصِبِ

وكم نفوسٍ مَشَى فيها الرَدَى خَبَباً ... لمَّاــ مَشَت في الهوى نَهداً على خَبَبِ

تبدو لعاشقها في مَنظَر بَهِجٍ ... وتستسرُّ دَهاً في مَخبرَ كَرِبِ

نَضَت نِقابَ الحَيا عنها وقد بَرَزَت ... لَنا بوَجهٍ من الفَحشاءِ مُنتَقِبِ

تُــــولِي عُهوداً ولكن لا بَاتَ لها ... كأَنَّها طُبِعَت طبعاً على الكَذِبِ

مُحِبَّةُ الذاتِ واللَّذَّاتِ عن سَغَبٍ ... رغيبةُ القلبِ لم تَسأَم من الطَلَبِ

فَقرَ المَعِيشةِ نزعَ الشانِ ما فَتِئَت ... هدمَ الحيوةِ لِواءَ العارِ والرِيَبِ

بابَ الجحيمِ ظَلامَ العقلِ مكُدِرة ال ... حَواسِ فَخَّ البَلايا حَلبةَ الصَخَبِ

يَمَّ الوقيعةِ وادي المُنكَراتِ فقُل ... في حُجرِها الشَرُّ مَعها قد نَشَا ورَبي

تَــــاللَهِ إِنَّ هــــواها فاعلٌ أَبَداً ... بِذي الجَهالةِ فعلَ النارَ بالحَطَبِ

ولم تَزَل لِقُلوبٍ مُنذُ هِمنَ بها ... داءً من الجهلِ أو ضَرباً من النُقَبِ

لا صبَّحَتها الأَماني إِنَّ صُحبَتَها ... نارُ فلا تَكُ إِيَّاها بمُصطَحِبِ

مَن يَلمِسِ القارَ يَلصَق في يَدَيهِ ومَن ... يَقُرب مِنَ النارِ هل يَنجُو مِنَ اللَهَبِ

إِنَّ الذينَ قَضَوا منها مَآرِبَهم ... لهم جِوارُ ظَلامٍ في الجحيمِ خُبِي

فلو سَبَرتَ أُهَيلَ النارِ كُلَّهُمُ ... وجدتَ أَكثَرَهم من بالجَمالِ سبِي

ومذ غدا فعلها للفحش منتسباً ... ناديت فانتسبي يا فاجر انتسبي

قالت تبصَّر فِعالي فَهيَ تَغسُبُني ... والِفعلُ يا صاح قد يُغنِي عن النَسَبِ

أَلَستَ تَعلَمُ أَنّي أصلُ كلِّ بِلىً ... فالمَكرُ أُمّي وغدرُ الغادرينَ أَبِي

تَاللَهِ إِن شِئتَ تدري قُبحَ مُنتَسَبي ... أَصِخ لَمِا جاءَ في الأَسفارِ والكُتُبِ

أنا التي لم تُطِع أمرَ الإلهِ وقد ... أسلَمتُ كُلَّ الوَرَى للحُزنِ والوَصَبِ

أخرجتُ آدَمَ من دارِ السَلام ومن ... ذاك السَــــلامِ لدارِ الحَــــرب والحَــــرَبِ

يا حيَّةــ الخُبث لا حُيِيّتِ من بَشَرٍ ... عِفتِ الحَيا واستَعَضتِ قِلَّةَ الأَدَبِ

أَيَا فَجارِ إلى كم تَعبَثينَ بنا ... أَيَا وَقاحَ المحيَّاــ قَدكِ فاتَّئِبي

لا كنتِ يا مَنبَعَ العِصيانِ من قِدَمٍ ... إذ أَنتِ أصلُ البلى والهَيجِ والشَغَبِ

لولاكِ ما طُرِدَ الإِنسانُ منخذلاً ... لدارِ نارِ الأَسَى والضنكِ واللَغَبِ

كَــــلَّا ولا نُزِعت منهُ بَرارتهُ ... بأكلةٍ من فواجي قلبكِ الرغِبِ

واعتاضَ بالذُلّ بعدَ العِزّ حيثُ غدا ... مــــمَّاــــ بِهِ هَــــدَف الأَعراض والنُوَبِ

تَبّاً لها أُكلةً أَفضَت بآكِلِها ... إلى الرَدَى بجزيل الضُرّ والسَغَبِ

لولاكِ ما أَهلكَ اللَهُ البريَّةَ بال ... طُوفانِ عدلاً وأَلقاها إلى الغَضَبِ

لولاكِ ما أَسِفَ اللَهُ الرحيمُ على ... إبداعِ عالَمِهِ من سالف الحُقَبِ

لولاكِ لم يَمُتِ ابنُ اللَه مُرتفعاً ... على الصليبِ رقيقَ الحكُم والشَجبِ

يا راحةً حيثُما راحت جَنَت تَعَباً ... لا خيرَ في راحةٍ تُفضِي إلى التَعَبِ

ويــــا عَذاباً رآهُ جاهلٌ عَذِبا ... ولم يَكُن لِذَوي الأَلبابِ بالعَذِبِ

مهما تشاءِي فقولي إِنَّني رجلٌ ... لسُوءِ صُنعِكِ أَضحَى ذمُك أَربي

لما تخذت المرا والمفترى دأباً ... تخذت هجوك ما بين الورى دأبي

كم قد سلبت فتى حراً وبزته ... أغراك ذا السلب في المسلوب لا السلب

وكم تناهبتِ ألبابَ الرجالِ وكم ... افنيتِ ثَروةَ ذي إِرثٍ وذي نَشَبِ

وكم عزيزٍ حسيبٍ في هواكِ غدا ... ذُلاً مُهــــانــــاً بلا عِزٍّ ولا حَسَبِ

وكم ذَوَى منكِ يا ريحَ السَمُوم فتىً ... غَضُّ الشبيبةِ يزهو بالصِبا الرَطِبِ

وكم لعبت بهامٍ في الخداع وكم ... اتهمت حراً بريئاً مات بالرعب

كم ياتَ مرفوع قدرٍ منكِ منخفضاً ... لمّا نصبتِ شراكَ اللحظِ للنَصَبِ

كلَّفتِ أَسراكِ عِبئاً لو تَحمَّلَهُ ... صُمُّ الشوامخِ لاندَكَّتــ إلى التُرَبِ

تَــــاللَهِ إِنَّ أُصُــــولَ الإِثــــم أربعةٌ ... تَبّاً لَمِن كانَ عنها غير مُحتَجِبِ

وَهيَ النسا والغِنَى والسُكرُ يَشفَعه ... قُبحُ البَطالةِ ذاتِ اللَهو واللَعبِ

كيفَ التَخَلُّصُ من هذي الفِخاخ إذا ... لم تَلتفت مريمٌ نحوي وتَلطُفَ بي

بتولةٌ لم أَضِق ذَرعاً فعُذتُ بها ... إلَّا وفَرَّجَتِ الضِيقاتِ بالرُحُبِ

ما أَسفَرَت لحليفِ الغَمّ طلعتُها ... إلَّا وبَـــــدَّلَتِ الأَحـــــزانَ بـــــالطَـــــرَبِ

بِكرٌ ووالدةٌ فاعظِم بها لَقَباً ... إِشــــارةً بِهِــــما عن أَشرَفِ اللَقَبِ

رَقَت بمجدٍ إلى السَبعِ الطِباقِ وقد ... أَزرَت بأَفلاكها والسبعةِ الشُهُبِ

سُلطانةُ الأرضِ طُرّاً والسماءِ لقد ... عَلَت بدُونِ حِجابٍ عاليَ الحُجُبِ

لذا الملائكُ دانت نحو خِدمَتِها ال ... فُضلَى وكلُّ رسولٍ فاضلٍ ونَبِي

والآبُ فَــــخَّمــــَها والإِبنُ كَرَّمَها ... والرُوحُ عَظَّمَها في أَمجَدِ الرُتَبِ

يــــا أُمَّ افــــضــــلِ مــــولودٍ بمَولِدِهِ ... رَجـــــاءُ آدَمَ مِـــــمَّاــــ رامَ لم يَــــخِــــبِ

لقد حَصَلتِ لإِنقاذِ الوَرَى سَبَباً ... إِنَّ المُسبَّبَ منسوبٌ إلى السَبَبِ

وقد تملَّكتِ كُلِّي يا بتولُ لذا ... سِواكِ لو شبتُ مع حُبِّيكِ لم أَشُبِ

كأَنَّ فضلَكِ مرأَى ناظري بَصَري ... فحيثُما مِلتُ عن عَينَيَّ لم يَغِبِ

وعائبٍ قد لحاني في مَحبَّتها ... إِلَيكَ عنِّيــ فلو أَنصفتَ لم تَعِبِ

لو ذُقت َيا لائمي مَجنَى مَحامِدِها ... لم تُوجِبِ الآنَ ما بالحُبِّ لم يَجِبِ

هذي التي أَدرَكَتنا بالنجاةِ وقد ... كُنَّاــ وريحَ مَساوِي العُمر كالقَصَبِ

هذي التي عَمَّنا إِفضالُ نائِلِها ... ماذا البُحورُ وماذا فائضُ السُحُبِ

اني اميل بذكرى مدحها طرباً ... كأنني ثمل من خمرة العنب

كرِّر نِداها وقُل يا خيرَ بِنتِ أَبٍ ... يا خيرَ بنتِ ابٍ يا خيرَ بِنتِ أَبِ

طوباكِ يا مريمُ البكرُ التي نَشَرَت ... راياتِ آياتِها في العُجمِ والعَرَبِ

مالي سِوَى ظِلِّكِ المأمون إِنَّ بهِ ال ... أَمانَ يُنقِذُ نفسي من يدِ الرَهَبِ

لكِ السلامُ أَيَا سؤلي ومُعتَمَدي ... ما غنَّتـ الوُرقُ أَسحاراً على القُضُبِ

لكِ السلامُ مَدَى الأَيام ما رَفَعَ ال ... حادي عقيرتَهُ في السِيرِ بالنُجُبِ

لكِ السلامُ من الرَحمان ما سَمَحَ ال ... فِكرُ الضنينُ بمدحٍ فيك بالنُخَبِ

لقد تَزيَّنَ شِعري في مديحكِ مِثلَما ... تَــــزيَّنــــَ ثَغرُ الكأسِ بالحَبَبِ

فدُونكِ النظمَ دُرّاً فيكِ منتظماً ... بمِدحةٍ نُظِمَت للحُسن بالسُحُبِ

تُشجِيهِ غِريّدةٌ في روضةٍ رَوِيَت ... من نَوءِ بحرٍ بسيطِ المدحِ مقتَضَبِ

حُسنَ التَخَلُّصِ يا ختمَ المواهبِ في ... حُسنِ الختامِ لراجيكِ الأَثيمِ هِبي

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الختل: ختل: الخَتْل: تَخادُعٌ عَنْ غَفْلَةٍ. خَتَلَهُ يَخْتُلُهُ ويَخْتِلُهُ خَتْلًا وخَتَلاناً وخَاتَلَهُ: خَدَعه عَنْ غَفْلة؛ قَالَ رُوَيْسٌ: دَهَاني بِسِتٍّ، كُلُّهنَّ حَبِيبةٌ ... إِليَّ، وَكَانَ الموتُ ذَا خَتَلانِ والتَّخ … (لسان العرب)
  • العطب: عطب: العَطَبُ: الْهَلَاكُ، يَكُونُ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ. عَطِبَ، بِالْكَسْرِ، عَطَباً، وأَعْطَبه: أَهْلَكه. والمَعاطِبُ: المَهالِكُ، واحدُها مَعْطَبٌ. وعَطِبَ الفَرَسُ والبعيرُ: انْكَسَرَ، أَو قامَ عَلَى صاحِبه. وأَ … (لسان العرب)
  • بالهرب: هرب: الهَرَبُ: الفِرارُ. هَرَبَ يَهْرُبُ هَرَباً: فَرَّ، يَكونُ ذَلِكَ للإِنسان، وَغَيْرِهِ مِنَ أَنواع الْحَيَوَانِ. وأَهْرَبَ: جَدَّ فِي الذَّهابِ مَذْعُوراً؛ وَقِيلَ: هُوَ إِذا جَدَّ فِي الذَّهَابِ مَذْعُوراً، أَو غير … (لسان العرب)
  • بلاها: بلا: بَلَوْتُ الرجلَ بَلْواً وبَلاءً وابْتَلَيْته: اخْتَبَرْته، وبَلاهُ يَبْلُوه بَلْواً إِذَا جَرَّبَه واخْتَبَره. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: لَا أُبْلِي أَحداً بَعْدَك أَبداً. وَقَدِ ابْتَلَيْتُه فأَبْلاني أَي اسْتَخْبَ … (لسان العرب)
  • تجب: تجب: التِّجابُ مِنْ حِجَارَةِ الفِضَّة: مَا أُذيب مَرَّةً، وَقَدْ بَقِيتْ فِيهِ فِضَّةٌ، القِطْعَةُ مِنْهُ تِجابةٌ. ابْنُ الأَعرابي: التِّجْبابُ: الخَطُّ مِن الفِضَّةِ يَكُونُ فِي حَجَر المَعْدِن. وتَجُوبُ: قبِيلةٌ مِن ق … (لسان العرب)
  • تلج: تلج: التَّوْلَجُ: كِناسُ الظَّبْي، فَوْعَلٌ عِنْدَ كُرَاعٍ، وِتَاؤُهُ أَصل عِنْدَهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: مُتَّخِذاً فِي صَفَواتٍ تَوْلَجا وَفِي تَرْجَمَةِ تَرِبَ: التَّوْلَج الْكِنَاسُ الَّذِي يَلِجُ فِيهِ الظَّبْيُ وَغَيْ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة