صب بكى وجرى للبين مدمعُهُ
الشاعر: حسن حسني الطويراني · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر حسن حسني الطويراني، من العصر الحديث، وتقع في ١٠٠ بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
صب بكى وجرى للبين مدمعُهُ ... رام التصبرَ لو أغنى تصنعُهُ
باللَه رفقاً كفاه ما يروّعُهُ ... لا تعذليه فإن العذل يولِعُهُ
قَد قُلت حقاً ولكن ليس يسمعُهُ ... له فــــؤاد هَــــوى بَــــلوى مُــــعــــذِّبِهِ
لا يستطيع خلاصاً من تصبِّبِهِ ... فما الَّذي فيه يرجى من تقلُّبهِ
جاوزت في لومه حدّاً أضرَّ بهِ ... من حيثُ قدرتِ أن اللوم ينفعُهُ
أَما كفى ما يقاسي من جَفا وقِلا ... من بعد صفو ليالي أنجز الأملا
قد باتَ يشكو من الأيام ما احتملا ... فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا
من عنفه فهو مُضنى القلبِ موجعُهُ ... عــــبــــدٌ هــــواك وعــــزُّ الحــــب ذلَّلَهُ
وكان خال فصار الوَجد يشغلُهُ ... لا تسألي ما جرى فالدَمعُ سائلُهُ
قد كانَ مضطلعاً بالخطب تحملُهُ ... فضُلِّعت لخطوب الدهر أضلُعُهُ
الدهــــر عــــانــــده والحال حَوَّلَهُ ... والخـــــلُّ بـــــاعـــــده والعـــــزُّ ذلَلهُ
إن كنتِ لم تعلمي وجدي وأجهله ... يكفيه من لوعة التشتيت أنَّ له
من النوى كل يوم ما يروِّعه ... في حاله عجب قد ردَّ منهجَهُ
عــــن الســــرور فما همٌّ وفرَّجَهُ ... فوالذي في فؤادي الوَجد أجَّجَهُ
مــــا آب مــــن ســــفر إلا وأزعجَهُ ... رأيٌ إِلى سفرٍ بالرغم يزمعُهُ
يرجو التواصل لولا أنْ تُحَرِّمَهُ ... عليه أيامُه ظُلماً وتَحرِمَهُ
ولم يَزل مستهامَ القَلب مغرمَهُ ... تأبى المطامع لَولا أن تُجشِّمَهُ
للرزق كــــدّاً وكــــم مِــــمَّنـــ يودعُهُ ... وكــــم يــــودع من خلٍّ ومن أَهَلِ
وَكَم يضيّع بين السهل والجبلِ ... لا يشتكي وجلاً إلا إِلى أَملِ
كأنما هو في حل ومرتحلِ ... مــــوكــــلٌ بفضاء الأرض يذرعُهُ
معذبٌ يلتقي من دهره مِحنا ... ولم يَزل جَلِداً في الخَطب ما غبنا
كأنه من نوىً قد صيغ أَين دَنى ... إذا الزَمان أَراه في الرحيل عَنى
وَلو أتى السد أَضحى وهو يزمعُهُ ... كم سارَ ليلاً وعين النجم غافيةٌ
وداس غيلاً وعينُ الليث راعيةٌ ... فما أَفاد ولا أَجدَتْ مغالبةٌ
وما مجاهدة الإنسان واصلةٌ ... رزقاً ولا دعةُ الإنسان تقطعُهُ
وَكَم فَتى شانه الإقدام والهممُ ... قد أخطأت حظَّهـ من دَهره القسمُ
لا تبتئس جف بالمقدورة القلمُ ... قد قسَّمــ اللَه بين الخَلق رزقَهمُ
لم يَخلق اللَه من خلق يضيّعُهُ ... وكم فتى حُفَّ بالنعمى وما شعرا
وآخرٍ فاته ما كانَ منتظرا ... وكل ذاكَ مضى في علمه وجرى
لكنهم مُلِئوا حرصاً فلستَ تَرى ... مسترزقاً وسوى الغايات يقنعُهُ
وتلك أَقدارُنا في اللوح قد رُقمت ... وما لنا في أُمور اللَه إذ خُتمت
والفكرُ كدٌّ إذا ما غايةٌ حُتِمت ... والحرصُ في الرزق والأرزاق قد قُسمت
بَغيٌ ألا إنَّ بغيَ المرء يصرعُهُ ... والأمر لِلّه مبديه ومرجعُهُ
والسر إن لا يقي المجهود مزمعُهُ ... وإنما أمل الإنسان يدفعُهُ
والدهر يأتي الفَتى من حيث يمنعُهُ ... دأباً ويمنعُهُ من حيثُ يطمعُهُ
فكم جهدت على أمرٍ وما قدرا ... وكم سعيتُ وخالستُ القَضا فَدرى
وصرت من بعد ما جر النَوى وجَرى ... أستودعُ اللَه في بغدادَ لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرارِ مطلعُهُ ... كان الوصالُ شهيّاً ليس يقنعُني
منهُ البقا وغرورُ الدَهر يُطمعُني ... وقد وحقك والأيام تمنعُني
ودّعـــــتُه وبـــــودي لو يــــودِّعُــــنــــي ... طــــيبُ الحياة وأنّي لا أودّعُهُ
وكم وقفنا نناجي كي أسارقَهُ ... درّاً وقد بتُّ قبل اليوم ناسقَهُ
وكم يعانقني كيما أعانقَهُ ... وكــــم تشفّع لي أن لا أُفارقَهُ
وللضــــرورات حــــالٌ لا تُــــشــــفِّعــــُهُ ... لم أنسَ والعينُ سَكرَى والفؤادُ صحا
وأبلغُ الدَهر ما لم تَدرِهِ النُّصَحا ... كم رام يكتمُ وجداً جدَّ فافتضحا
وكم تشبَّثَ بي يَوم الرحيل ضُحى ... وأدمــــعي مستهلاتٌ وأدمعُهُ
وبنتُ عنه وطرفي جاد يندفقُ ... ومهجتي فيه بالأحزان تحترقُ
حالي عجيب فلي وجدٌ وبي أَرَقُ ... لا أَكذِبُ اللَه ثَوبُ العذرِ منخرقُ
عني بفرقته لكن أرقّعُهُ ... أَبيتُ أَذكرُ للأقمار طلعتَهُ
وأشتكي لغصون البان قامتَهُ ... كَأَنني بعد ما أَدركتُ غايتَهُ
رُزِقتُ ملكاً فلم أُحسن سياستَهُ ... كذاك من لا يسوسُ الملكَ يخلعُهُ
فاصبر لها واترك التعليلَ والمللا ... واقنع فلن تستطع أن تبلغ الأملا
واترك فمن سره ودٌّ دهاهُ قِلى ... ومن غدا لابساً ثَوب النعيم بلا
شكرٍ عليه فإن اللَهَ ينزعُهُ ... يا رب كن ليَ عوناً في رعايتِهِ
وردَّ غايةَ وَصلي في بدايتِهِ ... لعل يوماً يفي حظي بغابتِهِ
إني أوسّع عذري في جنايتِهِ ... بالبين مني وجرمي لا يوسِّعُهُ
إن التباعدَ أعيى فيكَ حاملَهُ ... فــــلا يَــــزال عَــــلى وَجدٍ به وَلَهُ
كم عاذلٍ ساءَني ما كُنت عاذلَهُ ... كَم قائل لك ذنب البين قلت لَهُ
الذَنبُ واللَه ذنبي لَستُ أَدفعُهُ ... ما لي أجوز مضلاً غال مهيعُهُ
مالي أَجوب الفَضا يعتزُّ بلقعُهُ ... ألا أَبيتُ ظَلامَ الليل أَهجعُهُ
ألا أقمتُ فكانَ الرشدُ أَجمَعُهُ ... لو أَنني حين بانَ الرُشدُ أتبعُهُ
وَلم أُجبها بِلا أَهلٍ وَلا وَلَدِ ... مروَّعَ الرُوحِ صبَّ القَلبِ ذا كَمَد
وهذه حالَتي ما كانَ ذا بيدي ... واللَه ما وَقعت عَيني عَلى بَلَد
في سفرتي هذه إلا وأَقطعُهُ ... أَبيت واللَيل يشجيني بطرّتِهِ
وأَصبح اليَوم يغريني بغرّتِهِ ... إني وَإِن كُنتُ لا أَحظى بوصلتِه
ما اعتضتُ عن وَجه مَن لي عندَ فرقتِه ... كأسٌ أُجرَّعُ منها ما أُجرَّعُهُ
سقاتها طائفٌ فينا منبّذُها ... والعَينُ تشتاقها والكَفُّ يَنبذُها
كَم قُلت من بعد ما اغتصت لذائذُها ... يا مَن أَقطِّعــ أَيامي وأُنفِذُها
حُزناً عليه وَليلي لست أَهجعُهُ ... إني لأعلمُ ما لي عندهم وعذا
بُ الحُبِّ عَذبٌ وإن مرُّ الفراق أذى ... بيني وبين حبيبي خلةٌ ولذا
لا يطمئنُّ لجنبي مضجعٌ وكذا ... لا يطمئن له مذ بنتُ مضجعُهُ
بالله يا سادة ما كان يقنعُني ... منهم وصالٌ ولا واشٍ فيمنعُني
عصرٌ تَولّى بكم واللَه كان هني ... ما كُنتُ أَحسب أَن الدَهرَ يفجعني
به ولا خلت بي الأيام تفجعُهُ ... وَلم أَزل بهمُ في الأغيدِ الرغدِ
لا أَمسَ أَبكي وَلا أَخشى افتراقَ غد ... والقَلب خالٍ من الأحزان والكَمدِ
حتى جَرى الدَهرُ فيما بيننا بيدِ ... عسراءَ تمنعُني حظّي وتمنعُهُ
وكم لَنا كانَ من أُنسٍ وَحُسنِ لقا ... يَردى العَواذل فينا حسرةً وَشَقا
لَكنني كُنت أَدري ليسَ ثمَّ بقا ... وَكُنت من ريب دَهري خائفاً قَلقا
فلم أَوقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزعُهُ ... لَكنّني لم أصاحب عبرةً حُبِست
على البِعاد ولا لي مهجةٌ أَنِست ... بلى وَلا فكرةٌ في سلوةٍ هَجَست
بِاللَه يا منزلَ القَصفِ الَّذي دَرَست ... أَعلامُهُ وعَفَت مُذ بنتِ أَربعُهُ
أَو يا ملاعب آمالٍ لوصلتنا ... أَو يا مجال التهاني من أَحبّتنا
أَو يا منازل من لم يدر حالتَنا ... هل الزَمان معيدٌ فيك لذتَنا
أم الليالي التي أَمضته ترجعُهُ ... قد كُنتَ تُرجَى لِمن وافى به وَلَهُ
وكان فيكَ به أنسُ الصفا وَلَهُ ... واليَوم بانوا فمن ترضى تجملَهُ
في ذمة اللَه من أَصبحت منزلَهُ ... وجاد غيثٌ عَلى مغناك يمرعُهُ
باللَه لو تبدي بدراً أَو تكون سما ... أَو تجري غصناً وتنشي جثةً إرما
هيهات تدرك مثل السادة القُدَما ... من عنده ليَ عهدٌ لا يضيع كما
لي عنده عهدُ صدقٍ لا أضيِّعُهُ ... ومن يعزُّ عليه أن يقال أَذى
قلبَ المشوق فراقٌ قد أَجاد أَذى ... ومن بحبة قلبي في الهوى أخذا
ومن يصدِّعُ قلبي ذكرُه وإذا ... جرى عَلى قلبه ذكري يصدِّعُهُ
أَقولُ حقاً ومن في الكَون يسمعني ... وخلني عن أَمانيّ تطمِّعُني
إني وَحق الهَوى في يَوم وَدَّعني ... لأصــــبرنَّ لدهرٍ لا يُمتِّعني
به ولا بيَ في حالٍ يمتِّعُه ... أَخوضُ من أَدمعي فيما جرى لُجَجا
وأَقحمُ النار من وَجدي بهم وَهَجا ... فإن أَعظم ما يبدي إلى رَجا
علمي بأن اصطباري معقبٌ فرجا ... فأضيق الأمر إن فكرتَ أَوسعُهُ
ولا تغيّرَ عهدٌ من مودتنا ... ولا يَــــرى عــــاذلٌ آثــــار ذلَّتِنا
ونكتم الوَجد حزماً في أَكنَّتنا ... عَسى اللَيالي التي أَمضت بفرقتِنا
قلباً ستجمعني يوماً وتجمعُهُ ... هذا إِذا الدَهر لم تسبق سجيتُهُ
أَو لم تَطُل إذ رجوناه رَويَّتُهُ ... فإن أَبى لم تفد ذا الحَزم حكمتُهُ
وإن ينل أَحداً منا مينتُهُ ... فما الَّذي بقضاء اللَه يَصنعُهُ
على أيّ بحرٍ نُظمت هذه القصيدة؟
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
ما معاني ألفاظها الغريبة؟
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التصبر: صبر: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى: الصَّبُور تَعَالَى وتقدَّس، هُوَ الَّذِي لَا يُعاجِل العُصاة بالانْتقامِ، وَهُوَ مِنْ أَبنية المُبالَغة، وَمَعْنَاهُ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الحَلِيم، والفرْق بَيْنَهُمَا أَن المُذنِب لَا يأ … (لسان العرب)
- الرفق: رفق: الرِّفْق: ضِدُّ العنْف. رَفَق بالأَمر وَلَهُ وَعَلَيْهِ يَرْفُق رِفْقاً ورَفُقَ يَرْفُقُ ورَفِقَ: لطَفَ. ورفَقَ بِالرَّجُلِ وأَرْفَقه بِمَعْنًى. وَكَذَلِكَ تَرفَّق بِهِ. وَيُقَالُ: أَرْفقْته أَي نَفَعْته، وأَوْلاه ر … (لسان العرب)
- تصببه: صبب: صبَّ الماءَ وَنَحْوَهُ يَصُبُّه صَبًّا فَصُبَّ وانْصَبَّ وتَصَبَّبَ: أَراقه، وصَبَبْتُ الماءَ: سَكَبْتُه. وَيُقَالُ: صَبَبْتُ لِفُلَانٍ مَاءً فِي القَدَح لِيَشْرَبَهُ، واصْطَبَبْتُ لِنَفْسِي مَاءً مِنَ القِربة لأَشْ … (لسان العرب)
- تصنعه: صنع: صَنَعَه يَصْنَعُه صُنْعاً، فَهُوَ مَصْنوعٌ وصُنْعٌ: عَمِلَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى … (لسان العرب)
- تعذليه: عذل: العَذْلُ: اللَّومُ، والعَذُل مثلُه. عَذَلَهُ يَعْذِلُه[[. قوله [عذله يعذله] هو من بابي ضرب وقتل كما في المصباح]] عَذْلًا وعَذَّلَه فاعْتَذَل وتَعَذَّلَ: لامَهُ فَقَبِلَ مِنْهُ وأَعْتَبَ، وَالِاسْمُ العَذَلُ، وَهُمُ … (لسان العرب)
- تقلبه: قلب: القَلْبُ: تَحْويلُ الشيءِ عَنْ وَجْهِهِ. قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأَقْلَبه، الأَخيرةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدِ انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظ … (لسان العرب)
- جاوزت: جوز: جُزْتُ الطريقَ وجازَ الموضعَ جَوْزاً وجُؤُوزاً وجَوازاً ومَجازاً وجازَ بِهِ وجاوَزه جِوازاً وأَجازه وأَجاز غيرَه وجازَه: سَارَ فِيهِ وَسَلَكَهُ، وأَجازَه: خَلَّفه وَقَطَعَهُ، وأَجازه: أَنْفَذَه؛ قَالَ الرَّاجِزُ: خَ … (لسان العرب)
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.