من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
وقال محمد بن زريق البغدادي نادماً على الإفراط في طلب الدنيا وكان قصد الأندلس في
طلب الغنى فلم يرجع لبغداد رحمة الله عليه
لتغذليه فإن العذل يولعهقد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حداً أضر بهمن حيث قدرت أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاًمن عنفه فهو مضني القلب موجعه
قد كان مضطلعاً بالخطب يحملهفضيقت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من لوعة التفنيد أن لهمن النوى كل يوم مايروعه
ماآب من سفر إلا وأزعجهرأي إلى سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حل ومرتحلموكل بفضاء الأرض يذرعه
إذ الزمان أراه في الرحيل غنىولو إلى السند أضحى وهو يزمعه
تأبى المطامع إلا أن تجثمهللرزق كداً وكم من يودعه
وما مجاهدة الإنسان توصلهرزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهملم يخلق اتلله مخلوقاً يضيعه
لكنهم ملئوا حرصاً فلست ترىمستربزقاً وسوى الغايات يقنعه
والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمتبغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ماليس يطلبهيوماً ويمنعه من حيث يطمعهُ
استودع الله في بغداد لي قمرابالكرخ فلكِ الأزرار مطلعهُ
ودعتهُ وبودي لو يودعُنيصفو الحياة وإني لا أودعه
وكم تشفع أني لا أفارقهوللضرورات حالٌ لا تشفعه
وكم تشبث بي يومَ الرحيل ضحىوأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذبُ الله ثوبُ العذرُ منخرقعني بفرقته لكن أرقعهُ
أني أوسع عذري في جنايتَهبالبين عنه وقلبي لايوسعهُ
أعطيت ملكا فلم أحسن سياستهكذاك من لايسوس الملك يخلعهُ
ومن إذا لابساً ثوب النعيم بلاشكر الإله فعنه الله ينزعهُ
اعتضتُ عن وجهِ خلي بعد فرقتهكأساً أجرعُ مكنها ما أجرعهُ
كم قائل ليَ ذنبُ البين قلتُ لهالذنب والله ذنبي لستُ أدفعه
هلاّ أقمتُفكان الرشد أجمعهلو أنني يومَ بانَ الرشدُ أتبعهُ
إني لأقطع أيامي وأنفذهابحسرةٍ منه في قلبي تقطعه
بمن إذا جع النوام بتُّ لهُبلوعةٍ منهُ ليلي لستُ أهجعهُ
لا يطمئنُّ لجنبي مضجعٌ وكذالا يطمئنُ له مذْ بنتُ مضجعهُ
ماكنتُ أحسبُ أنّ الدهر يفجعنيبه ولا أن أبي الأيامُ تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا بيدِعسراءَ تمنعني حظي وتمنعهُ
بالله يامنزل القصف الذي درستآثارهُ وعفتُ مذ غبتُ أربعهُ
هل الزمان معيدٌ فيك لذيتنا؟أم الليالي التي أمضته ترجعهُ
في ذمة الله من اصبحت منزلهوجادَ غيثٌ عل مغداكَ يمرعهُ
منْ عنده ليَ عهدٌ لا يضيعهُكما له عهدُ صدقٍ لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكرُه وإذاجرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهرٍ لا يمتّعنيبهِ ولا بيَ في حالٍ يمنّعه
علماً بأنّ اصطباري معقب فرجاوأضيقُ الأمر إن فكرتَ أوسعه
علّ اللّيالي التي أضنت بفرقتناجسمي ستجمعني يوماً وتجمعه
وإن تنل أحداً منّا منيّتهفما الذي بقضاء الله يصنعه
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع