من «نفح الأزهار في منتخبات الأشعار» لشاكر شقير (ت ١٣١٤هـ)
الباب الأول في الغزل
للوزير أحمد بن زيدون كتب بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله في قرطبة بعد مفارقته لها ويأسه من لقائها يتشوقها ويستديم عهدها
أضحى التنائي بديلاً عن تدانيناوناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحناشوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
يكاد حين تناجيكم ضمائرنايقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبينكم أيامنا فغدتسوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفناومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانيةقطوفها فجنينا منه ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فماكنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهمحزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي ما زال يضحكناأنساً بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوابأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقوداً بأنفسناوانبت ما كان موصولاً بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنافاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم تعتقد بعدكم إلا الوفاء لكمرأياً ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرناإن طال ما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاًمنكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلاً عنك يشغلناولا اتخذنا بديلاً منك يسلينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق بهمن كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنامن لو على البعد حياً كان يحيينا
يا روضة طال ما أجنت لواحظناورداً جلاه الصبا غضاً ونسرينا
ويا حياة تملينا بزهرتهامنى ضروباً ولذات أفانينا
ويا نعيماً رفلنا من غضارتهفي وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالاً وتكرمةوقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةفحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلهاوالكوثر العذب زقوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثناوالسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمناحتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو أنا ذكرنا الحزن حين نهتعنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراًمكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهلهشرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف جمال أنت كوكبهسالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختياراً تجنبناك عن كثبلكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعةفينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح وتبدي من شمائلناسيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظةفالحر من دان إنصافاً كما دينا
فما ابتغينا خليلاً منك يحسبناولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعهبدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أولى وفاء وإن لم تبذلي صلةفالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
وفي الجواب قناع لو شفعت بهبيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيتصبابة منك نخفيها فتخفينا
لأبي الحسن علي بن زريق البغدادي وكانت له ابنة عم قد كلف بها أشد الكلف ثم ارتحل عنها من بغداد لفاقة علته فقصد أبا الخيبر عبد الرحمن الأندلسي في الأندلس ومدحه بقصيدة بليغة فأعطاه عطاء قليلاً. فقال ابن زريق أنا لله وأنا إليه راجعون سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء. ثم تذكر فراق ابنة عمه وما بينهما من بعد المسافة وتحمل المشقة مع ضيق ذات يده فاعتل غماً ومات. قالوا وأراد عبد الرحمن بذلك أن يختبره فلما كان بعد أيام سأل عنه فتفقدوه في الخان الذي كان فيه فوجدوه ميتاً وعند رأسه رقعة مكتوب فيها هذه القصيدة
لا تعذليه فإن العذل يولعهقد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزت في نصحه حداً أضر بهمن حيث قدرت أن النصح ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاًمن عنفه فهو مضني القلب موجعه
قد كان مضطلعاً بالخطب يحملهفضلعت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من روعة التنفيذ أن لهمن النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجهعزم إلى سفر بالرغم يزمعه
يأبى المطالب إلا أن تكلفهللرزق سعياً ولكن ليس يجمعه
كأنما هو في حل ومرتحلمؤكل بفضاء الله يذرعه
إذا الزمان أراه في الرحيل غنىولو إلى السند أضحى وهو يقطعه
وما مجاهدة الإنسان واصلةرزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه
قد قسم الله بين الناس رزقهملا يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم كلفوا حرصاً فلست ترىمسترزقاً وسوى الغايات يقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمتبغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعهعفواً ويمنعه من حيث يطمعه
أستودع الله في بغداد لي قمراًبالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعنيصفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي أن لا أفارقهوللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحىوأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب العذر منخرقمني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايتهبالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكاً فلم أحسن سياستهوكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلاشكر عليه فعنه الله ينزعه
إعتضت من وجه خلي بعد فرقتهكأساً يجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي دقت البين قلت لهألذنب والله ذنبي لست أدفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعهلو أنني حين بان الرشد أتبعه
لو أنني لم تقع عيني على بلدفي سفرتي هذه إلا وأقطعه
يا من أقطع أيامي وأنفدهاحزناً عليه وليلي لست أهجعه
لا يطمئن بجنبي مضجع وكذالا يطمئن به مذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب أن الدهر يفجعنيبه ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بينناعسراء تمنعني حقي وتمنعه
وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاًفلم أوق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل القصر الذي درستآثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتناأم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزلهوجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيع كماعندي له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذاجرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعنيبد ولا بي في حال يمتعه
علماً بأن اصطباري معقب فرجاًفأضيق الأمر إن فكرت أوسعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتناجسمي ستجمعني يوماً وتجمعه
وإن تغل أحداً منا منيتهلابد في غده الثاني سيتبعه
وإن يدم أبداً هذا الفراق لنافما الذي بقضاء الله نصنعه
النص من طبعة المطبعة الأدبية ببيروت (١٨٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع