أســى وافـى بـحـادثـة البـريـد
الشاعر: ابن شهاب العلوي · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر ابن شهاب العلوي، من العصر الحديث، وتقع في 90 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أســى وافـى بـحـادثـة البـريـد — وحـــزن دايـــم وجـــوى بـــزيــد
مــصــاب هــد مـن جـلدي وصـبـري — بـكـارث خـطـبـه الركـن المشيد
عــلى أنـي ربـيـط الجـاش ثـبـت — وإن حـشـدت مـن الدهـر الجنود
ولكــن الليــالي فــاجــأتــنــي — بـمـوجـعـة يـذوب لهـا الجـليـد
كــأن ضــئيــلة لســعــت فــؤادي — فـحـم بـسـمـهـا الجـسـد الجليد
فــكــل مــصــيــبـة جـلل سـواهـا — لدي وكـــل ذي خـــطـــر زهـــيــد
لقـد قـطـفـت يـد الأيـام غـضـا — مــحـل غـراسـه قـلبـي العـمـيـد
أحــال الدهــر رونــقــه وأذوى — نـضـارة عـوده الزمـن العـتـيدُ
وأنـشـبـت المـنـيـة فـيـه ظفراً — فــكــاد الحـي مـن جـزع يـمـيـدُ
وجـدن عـليـه بـالدمع البواكي — وكــان بــنــفـسـه كـرمـاً يـجـودُ
وســامـتـه الكـواعـب أن يـفـدَّى — بـهـن لو الفـداء هـنـا يـفـيـدُ
وأصــبــح وهـو فـي حـشـم عـديـدٍ — وأمــســى وهــو مــغـتـرب وحـيـدُ
تــرحــل قـاصـداً نـزلاً قـريـبـاً — رجــوع النــازليــن بـه بـعـيـدُ
وأم رحــاب مـن تـلقـى مـنـاهـا — إذا نــزلت بــسـاحـتـه الوفـودُ
مـضـى واخـتـار بعد جوارنا أن — يـــجـــاوره الرؤف بــه الودودُ
فــيــالله مــن قــمــرٍ بــقــبــرٍ — تــعــظــمــه لســاكــنـه اللحـودُ
وكـم يـا ليـت شـعـري مـن عفافٍ — تــضــمــن ذلك الجــدث الجـديـدُ
وطــيــب شــمــائلٍ وجـمـيـل ذكـرٍ — عــليــه خــرائد الغـنَّاـ شـهـودُ
وعـــرض طـــاهــر وخــلال حــمــدٍ — لهـا المـيـزان والشـعرى عقود
غـــرائز هـــاشـــمـــيــات وخــلق — جـمـيـل زانـه الخـلق الحـمـيـدُ
يــرشــحــه لهــا نــســبٌ مــنـيـفٌ — لمــحـتـده ذرى العـليـا سـجـودُ
نـمـتـه عـروق مـجـد أخلصته ال — عــمــومــة والخــؤلة والجــدود
لقــد أودى فــأدوع نــار وجــدٍ — لهــا مـا بـيـن أضـلاعـي وقـودُ
فـقـدت بـفـقـده الدنـيا جميعاً — بــروحــي ذلك الإلف الفــقـيـدُ
أقـام لعـشـرتـي عـشـريـن عـاماً — وكـــل أولئك الأيـــام عـــيـــدُ
بـه ابـتـهـجـت سـميّات المغاني — وتـاه بـعـزّه القـصـر المـشـيـدُ
يـصـرف كـيـف شـاء نـفـيـس مالي — ونــفـسـي والعـبـيـد له عـبـيـدُ
وكـــل فـــعـــاله أعـــمــال بــرٍّ — وكــــل خـــصـــاله كـــرمٌ وجـــودُ
فـمـا نـقـم الحـفـيّ عليه أمراً — يــعــاب بـه ولا فـاه الحـسـود
وليـس وإن سـمـا قـدراً وشـانـاً — بـذي صـلفٍ ولا الشـكـس الكنود
ولم يـرفـع على الجيران صوتاً — وإن جـاروا ويـصفح أن يكيدوا
ولم يغتب سواه ولا اشتكى من — نـمـيـمـته القريب ولا البعيد
وليــس بــســيــئٍ ظــنـاً إذا مـا — أسـاء الظـن بـالنـاس الحـقـود
ولم يـنـطـق ولو مـزحـاً بـعورا — عـدو المـرء مـا لا يـسـتـعـيـد
نــفــور عــن ســفـاسـف كـل أمـر — وعــن مــا لا يـليـق بـه شـرود
تسربل بالنزاهة واكتسى بالن — بــاهــة والحــيــاء له عــقـيـد
دعــتـه الغـيـد سـيـدهـن طـوعـا — ومــن ذا بـعـد غـيـبـتـه يـسـود
وأجــمــعــت العـقـائل أنـه فـي — ســمـات المـجـد ليـس له نـديـد
لهــن بـحـسـن سـيـرتـه اقـتـداءٌ — يــزيـن ورأيـه الرأي السـديـد
صـفـاتٌ جـاء مـطـبـوعـا عـليـهـا — له ولهــا بـه اقـتـرن الوجـود
وإرث خــــلفــــتــــه له أصــــول — كـرامٌ مـن بـنـي الزهـراء صـيد
ولو مـنـهـا فـرضـنـا جـحـد شيءٍ — لألقـم دونـه الحـجـر الجـحـود
نــفــيـس قـد تـكـون مـن نـفـيـس — وحــيــد فــي مــحــامــده فـريـد
بــلا ثــمــن حـظـيـت بـه لحـظـي — بـخٍ لو دام فـي الدنـيـا سعود
أيـحـسـن بـعـده فـي رأي عـيـني — مــن الدنـيـا طـريـفٌ أو تـليـد
وهــل أســلو بــلى أسـلو سـلوي — إلى يــوم يــقـوم بـه الهـجـود
وهــل بــتـداول الأيـام حـزنـي — يــقــل لفــقــده لا بــل يـزيـد
وهــل يــبــلى مــعــاذ الله ود — له بــالقــلب مــمــتــزج أكـيـد
فـلا عـيـشـي يـطـيب ولا شرابي — يــروق ولا كـرى جـفـنـي يـعـود
وتـأبـى شـيـمـتـي أن يـزدهـيني — عـقـود فـي الخـراعـب أو بـنود
وكــيــف يــلذ بــالعــلات وصــل — نــعــم مــنــهـن لذّ لي الصـدودُ
سـيـبـدو لي خـيـال مـنـه مـهما — تـــراءت غـــرّة للعـــيـــن خــود
بــحــرمــة ودّه أقــســمــت أنــي — أحـــب إليـــه لو ســاغ الورود
ومـالي فـي الحـيـاة هوىً ولكن — قـضـى ببقاي ذو العرش المجيد
أأبـقـى والمـغـانـي عـنـه صـفر — وآونــة الحــيـاة البـيـض سـود
وتـحـزنـنـي الولائد أن أراها — وقـد صـبـغـت بـأدمـعها الخدود
أســى يــبــكــيـن لا لحـذار ذلٍّ — فــإن أبــاتـه العـدد العـديـد
وقــيــن الســوء طــالعـهـن إلا — بــغــيـبـة شـخـصـه أبـداً سـعـود
ولولا أن هـــذا الرزء حـــكــم — مـن الفـعـال فـيـنـا مـا يـريد
لقــارعــت المــنــون قـراع حـرٍّ — تـهـاب شـبـا قـواضـبـه الأسـود
وخـــضـــت لدرئه غــمــرات حــرب — يـشـيـب لهـولها الطفل الوليد
ولكــن ليـس هـذا الخـطـب مـمـا — تـقـهقهره الجيوش ولا الجنود
فـخـفـض يـا فـؤاد عـليك واصبر — فـمـا المـوتـور قـبـلك مستقيد
ومــا جــزع عــلى مــيـتٍ بـمـغـنٍ — ولا ضـرب الحـسام ولا النقود
وسـلم إن فـي التـسـليـم أجـراً — وفـي عـدم الرضـى ورد الوعـيد
جــرى قـلم القـضـاء فـكـل مـاض — مـن الدنـيـا إليـهـا لا يـعود
وليــس لذي مــقــام أو حــطــام — يــتــاح بــهـذه الدار الخـلود
لريـب الدهـر في كل ابن أنثى — ســهــام لا تـطـيـش ولا تـحـيـد
ومـن مـن صـرفـه يـنـجو ومن ذا — عـلى ظـهـر البـسـيـطة لا يبيد
وبـالأمـم التـي سـلفـت وصـارت — مـن المـنـسـي يـعـتـبـر البليد
فـكـم غـدر الزمـان بـذات قـرب — ومــبــعــدة كـمـا بـعـدت ثـمـود
وكـم نـقـضـت من الدنيا عليهم — مــواثــيــق وكـم نـكـثـت عـهـود
وكـم ذي زهـو افترست سباع ال — فـنـاء وخـانـه الأمـل المـديد
ولكــن الورى فــي غــفــلة عــن — مــصــارعــهــم كــأنــهــم رقــود
سـفـاهٌ بـابـن آدم حـيـن يـلهـو — ويــلعــب والحــمـام له عـتـيـدُ
تـنـاخ بـسـوحـه نـجـب المـنايا — وشـيـمـمـتـه القـساوة والجمودُ
وليــس بــمـا يـؤل إليـه يـدري — أمــقــبــولٌ فـيـنـجـو أم طـريـدُ
لعــمــرك إنــه لقــريــنُ خــســرٍ — ومـحـفـوظ الكـتـاب بـذا شـهـيدُ
ولم يــفــلح سـوى عـبـد له فـي — ربـا الإيـمـان بـنـيـان وطـيـد
وصـدّق واتّـقـى المـولى وأعـطـى — ولم تــتــعـد مـنـه له الحـدود
ولولا ســبــق رحــمـتـه تـعـالى — لحــل عــذابــه بــهــم الشـديـد
عــلى جــدث بــه مــمـن فـقـدنـا — لطـيـف الروح والجـسـم الوئيد
تــحــيــات مــعــطــرة الحـواشـي — يـضـوع بـشـنـر عـبهرها الوجودُ
وصــيــب رحــمــة وســجــال غـيـث — مـن الرضـوان جـادَ بـه الحميدُ
وشــيـعـت المـلائك مـنـه روحـاً — إلى الأفـق المـبين لها صعودُ
وأسـكـنـه المـهـيـمـن فـي جنانِ — دعــائم دورهـا الدر النـضـيـدُ
يــطــوف ريــاضـهـا فـي عـبـقـري — مــجــلّله لهــيــكــلهـا البـرود
تــســامــره هــنــالك أم هــنــدٍ — وفــاطــمــة المـطـهـرة الخـرود
وكــل شــريـفـة تـنـمـي إلى مـن — هـم فـي مـركـز الفـخـر العمود
إلى آل الرســول عــليـه أزكـى — صــلاة الله مــا حــن الرعــود
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البريد: البَرِيدُ : الرسول الذي ينقل الأخبار والرسائل.-: المسافة بين كل منزلين من منازل الطريق/ إدارة البريد، هي إدارة رسمية يودعها الناس رسائلهم وطرودهم لإيصالها الى جهات محددة.-: مجموعة الرسائل والطرود التي تنقلها إدارة البريد …
- الجاش: جأش: الجَأْش، النفْس وَقِيلَ القَلْب، وَقِيلَ رِباطُه وشدّتُه عِنْدَ الشَّيْءِ تَسْمَعُهُ لَا تَدْرِي مَا هُوَ. وَفُلَانٌ قَوِيّ الجأْشِ أَي القَلْب. والجَأْش: جأْش القلبِ وَهُوَ رُوَاعُه. اللَّيْثُ: جَأْش النَّفْسِ رُوا …
- الجليد: الجَلِيدُ : من تَحَلّى بالصّبر والثّبات؛ كان الخليفة رجلاً جليداً.-: النّشيط غير البليد.-: النّدى الذي يسقط فيجمد؛ الجَليد يضرّ بالمزروعات ج جُلَداءُ وجِلادٌ.
- الركن: ركن: رَكِنَ إِلَى الشيءِ ورَكَنَ يَرْكَنُ ويَرْكُنُ رَكْناً ورُكوناً فِيهِمَا ورَكانَةً ورَكانِيَةً أَي مَالَ إِلَيْهِ وَسَكَنَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَكَنَ يَرْكَن، بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْمَاضِي وَالْآتِي، وَهُوَ نَادِ …
- العميد: العمِيد : المشغوف عشقاً، هو عميد القلب مأخوذ اللب.-: الشديد الحزن.-: المريض لا يستطيع الجلوسَ حتى يُعْمَدَ من جوانبه بالوسائد؛ زرت صديقي العميد فأحزنني حاله،-: السيد المعتمد عليه في الأمور؛ هو عميد الأسرة كلها.-: مدير كل …
- المشيد: المُشَيَّدُ : مفعـ. ـ من البناءِ: المُطَوَّل المُعَلََّى أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
- بزيد: زيد: الزِّيادة: النُّموّ، وَكَذَلِكَ الزُّوادَةُ. وَالزِّيَادَةُ: خِلَافُ النُّقْصَانِ. زَاد الشيءُ يزيدُ زَيْداً وزِيداً وَزِيَادَةً وَزِيَادًا ومَزِيداً ومَزاداً أَي ازدَاد. والزَّيْدُ والزِّيدُ: الزِّيَادَةُ. وَهُمْ ز …
- بسمها: بسم: بَسَمَ يَبْسِم بَسْماً وابْتَسَمَ وتَبَسَّم: وَهُوَ أَقلُّ الضَّحِك وأَحَسنُه. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: التَّبَسُّم أكثرُ ضَحِك الأَنبياء، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالس …