أتاني عنك يا مسكينُ قول
الشاعر: عبد الرحمن بن حسان الأنصاري · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، من العصر الأموي، وتقع في 96 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أتاني عنك يا مسكينُ قول ... بذلتُ النِّصف فيه غيرَ آل
دعوتَ إلى التفاخر غيرُ قحمٍ ... ولا غمر يطيشُ لدى النِّضال
أخا ثِقةٍ بفرصته بصير ... شديدَ البَزم معتدلَ الشمال
فدونك فالتمس تلخيصَ فخرٍ ... يقصر دونه أهلُ الكمال
وقد ناضلتُ قبلكَ كلَّ عَضّ ... على الرسلات مرزوق الخِصال
فما يلقى كسردي سروداً ... وما يغلو كغلوي من أغال
فأورثني الصِّدقَ حدودُ صدقٍ ... مضوا متتابعين ذوو فِعال
بآيد منكبٍ وأشدِّ ركنٍ ... وأنزه طعمة وأعفِّ بال
وإني في الحداثة رِستُ عَمرَاً ... وأحكمت الرياسةَ في اكتهال
فأيّة خصلةٍ ترجو نكولي ... بها مسكينُ ويحكَ في الكَلال
أخذن السبقَ قد علِمت مَعدّ ... على الأكفاء في الركض السلال
وأمكنني الفعالَ بفعل قومي ... وأيامٍ تجلُ عن المقال
وقد حادت كلابُ الحيّ مني ... وخافت بعد جدٍ واشتبال
وقد لاقى بنو الزرقاء مني ... لساناً صارماً طلقَ العِقال
فما انتضفوا ومزلهم أمير ... يرهب بالوعيدِ والإحتيال
فلم يفلل توعدٌّه لساني ... ولم يوهن ولم يقطع قبال
وفي خِيف المحصَّبـ قد علمتم ... بهرب الحارثيّ بلا اختيال
نجاشيّ الحماس وذلَلته ... قصائد من طرازي وانتحالي
ولي عن شبِّ قومِك ما كفاني ... بقولٍ صادقٍ غير المحال
فإن تكُ شاعراً من حيّ صدقٍ ... فما تهدِّ كجريّ ذي احتفال
فأمّا ما تقول فغيرُ شكِّ ... لفضلٍ بيّنٍ غير انتحال
ببذلِ المال في عُسرٍ ويُسرٍ ... لأضياف الحداة على الحلال
وضربِ الناس عن عرضٍ جهاراً ... على الإسلام ليس بذي اعتقال
على رغم الأباعد والأداني ... من الأقصَين والشُّنف الموال
فإن تفخر بقومِك من تميمٍ ... فإنّ الأكمَ من صُمِّ الجبال
أنا ابن مزيقيا عمرو نماني ... على أشراف أطوادٍ الجبال
ومن ماءِ السماء ورثتُ جدّاً ... فدوني كلٌّ فخرٍ واختيال
ففخري قاهر للناس بادٍ ... قهور الشمسِ توماض الذُبال
فإن تفضض بها من بحر نجدٍ ... فكم عضَبا وسارا بالرجال
فما وسعاهما ضرباً وطعناً ... يمجُّ كمجِّ أفواه العزالي
فما صبروا لوقعِ سيوفِ قومٍ ... كفَوها بالكفاح من الصِّقال
إذا لبِسوا سوابغَهم ليومٍ ... كريه النجم معتكِر الضلال
وبارز بعضُهم للموت بعضاً ... كظمِّ الخمس بادرن السحال
تيقن من ذا أنه رحاهم ... بصرف الموت إذ دعيت نزال
وجاشت قدرُهم فرأيتُ فيها ... جُناةَ الحرب عادية المجال
تفوزُ قدورهم ولها نفيِّ ... تكبُّ المترفين على السِبال
وخلقُ الله كلُّهم علينا ... بكلِّ عناد أمرٍ واحتيال
فقلنا أسلموا أو قد طعنا ... إليكم فاجهدوا عقد الحبال
نصبّحُ أو نمسي كلَّ يوم ... نُهزهزُ عن يمينٍ أو شِمال
وننغزوهم فنقتلُ كلَّ خرقٍ ... ونسبي كل آنسةِ الدلال
فلا فرَح إذا نِلنا مَنالاً ... ولا جَــــزَع لأيــــامِ المثال
لأنّ محمداً فينا فلسنا ... وإن جلّت مصيبتنا نُبالي
فسائل عن بلائهمُ ببدرٍ ... وقد يشفى العمى عند السؤال
غداةَ رمَوا بجمعهمُ لؤيّاً ... وكبشُهم يزيف إلى الصِيال
فكانوا كالهشيم يشبُّ فيه ... حريق شِبه لَفحٍ في الشمال
وسائل عنهمُ الأحزابَ لمّا ... هجمناهم فخرّت كالثِلال
ونضربُهم على ألمٍ وقَرحٍ ... كضربِ فلاةٍ ولدان ثِقال
وقد حشدت لنا الأحزابُ لمّا ... رأوا ناراً تشبُّ لكلِّ صال
ولفّوا لفّهم لتنالَ نيلاً ... لدينا منهمُ عسر المنال
فجدّدنا لهم نيلاً وآبوا ... كباغي الغي رُدّ بلا بِلال
ويومَ الفتح قد علموا بأنّا ... وطئناهم بواهضةٍ ثقال
فما برحت جيادُ الخيل تهوي ... خلالَ بيوتِ مكةَ كالسعالى
نكفُ أعنّةً منها مراراً ... ونُثنيها فنعطفُ كلَّ حال
فسائل عن حُنينٍ حين ولّت ... جموعُ المسلمين على توال
ونادانا بنصرتنا منادٍ ... فنبنا نوبَ آلفةِ الفِحال
وما فينا غريب من سوانا ... نؤمّ إلى النبوّة كالجمال
فوافينا الرسول فقال شدّوا ... بعونِ الله واسمه ذي الجلال
فما صبروا لشدتنا ولكن ... تولوا مجهضين عن القتال
وأبنا بالنِّهاب وبالأسارى ... وبالبيض المهفهفة الحفال
وأيامٍ سواها قد ذهبنا ... بسبقةِ مجدِها أخرى الليالي
وآسينا الرسولَ ومَن أتانا ... بصدقِ ما يقول بكل حال
فنحن أولو مؤازرة ونصرٍ ... نكانفه ونمنع مَن يوالي
فسل عنا القبائل حين رُدّت ... عن الإسلام كالبقر اليمال
فوافينا بُزاخة غير ميلٍ ... ولا خرَق بمعتزل النِّزال
وأنزعَ بيننا حوضُ المنايا ... بانهال السقاة وبالعِلال
فأفلتهم طُليحتُهم جريضاً ... واتكلّ من نغر أبو حبال
وزُرنا بالبطاح بني تميمٍ ... عـــــلى جُـــــردٍ كـــــالنـــــصــــال
فما تابوا ولا امتنعوا ولكن ... وجدناهم كسائمة المئال
تحارُ جيادنا ونردُّ منها ... خشائشها وتصرف كل حالي
تركنا مالكاً ومسوّديهم ... بمنخرقٍ لسافيّةِ الشمال
وحُزنا عُرسّه من بعدِ بيض ... صفايا مصطفين من الجِمال
بِلا مهرٍ أصبن سوى حدادٍ ... وسُمرٍ من مثقّفة نِهال
وقُدنا لليمامة كلَّ طرفٍ ... أقــــبَّ مــــقلّصٍ نهدٍ طوال
يــــريد لقاء كذّابٍ لئيمٍ ... مسيلمةَ المصرِّ على الضَلال
ففاجأناهُ تحتَ النقع شُعثاً ... كأُسدٍ غامرت تحت الضِلال
وحاسيناهُم جُرَعاً تؤدي ... على كره الحياة إلى الزوال
وأوردنا الحديقة مترفيهم ... نسوقُهم بهنديِّ النّصال
وأقحمنا عليهم كلَّ خَرقٍ ... رَكوبِ الخيل مضطلع النِضال
فكانوا كالحصيد غدت عليهم ... طماطم ليس توصَف بالنكال
وغودر فيهمُ الكذّاب رَهنَاً ... لدائرة العواقب بالتوالي
ورُحنا بالسبايا لم تناظر ... مراضعُها متى أمَدُ الفِصال
فهاتِ كما أعدوا هات قوماً ... كقومي عند مختلف العوالي
ورُم مسكينُ حين تريح رأياً ... سوى الرأي المضلَّل والمقال
ولو جاريت قومك من معدٍّ ... كفوت الطرف عيراً في النكال
سوى رهطِ النبي فثمَّ مجد ... وفعلُ قاهرٍ للناس عال
وقبلك رامَ يجري ذو فَخارٍ ... غزيرُ الشِّعر مشتهر الرجال
أتانا شامخاً يُبدي سروراً ... بشأوٍ كان منه وهو خال
جعلنا بالقصيد له خِشاشاً ... فواتاً في العقيق والإرتجال
ولولا أن تحيدَ اليوم عني ... تركتُك ترك حرٍّ ذي اشتعال
يقول إذا هجاه غير كفؤ ... ذروه ليس نبلُك بالنبال
قعيدَك قد أجبتك لا بفحشٍ ... ولم يكُ غير حقٍ واستطال
فإن تنزع فحظُك نلتَ منه ... وإن تلجُج فجدُّك للسَفَال
ستبعث للجواب أخا حفاظٍ ... على الأقران يُعنف في السؤال
رحيب الباعِ لا قصفاً هدوراً ... شديد الشَغب يوصف بالبَسال
أديـــــب زانـــــه حِــــلم وعِــــلم ... ومجد كان في الحُقَب الخوالي
فإن تحلم فذو حلمٍ جسيمٍ ... وإن تجهل فجهل ذو اغتيال
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البزم: بزم: البَزْمُ: شدَّةُ العَضّ بالثَّنايا والرَّباعِيَات، وَقِيلَ: هُوَ العَضُّ بمقدَّمِ الفَمِ، وَهُوَ أَخف العَضِّ؛ وأَنشد: وَلَا أَظُنُّكَ، إِن عَضَّتْكَ بازِمَةٌ ... مِنَ البَوازِمِ، إلَّا سَوْفَ تَدْعوني بَزَمَ عَلَيْ … (لسان العرب)
- التفاخر: فخر: الفَخْرُ والفَخَرُ، مِثْلُ نَهْرٍ ونَهَرٍ، والفُخْر والفَخار والفَخارةُ والفِخِّيرَى والفِخِّيراءُ: التمدُّح بِالْخِصَالِ والافتِخارُ وعَدُّ الْقَدِيمِ؛ وَقَدْ فَخَرَ يَفْخَرُ فَخْراً وفَخْرَةً حَسَنَةً؛ عَنِ اللِّح … (لسان العرب)
- الخصال: خصل: الخَصْلة: الفَضِيلة والرَّذيلة تَكُونُ فِي الإِنسان، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَجَمْعُهَا خِصَال. والخَصْلة: الخَلَّة. اللَّيْثُ: الخَصْلة حَالَاتُ الأُمور، تَقُولُ: فِي فُلَانٍ خَصْلة حَسَنة وخَصْلة قَبِيح … (لسان العرب)
- النصف: نصف: النِّصْفُ: أَحد شقَّي الشَّيْءِ. ابْنُ سِيدَهْ: النِّصْفُ والنُّصف، بِالضَّمِّ، والنَّصِيفُ والنَّصْفُ؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ جِنِّي: أَحد جزأَي الْكَمَالِ، وقرأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فَلَهَا النُّصْف. وَفِي الْحَدِيث … (لسان العرب)
- النضال: نضل: نَاضَلَه مُناضَلَةً ونِضَالًا ونِيضالًا: باراهُ فِي الرَّمْي؛ قَالَ الشَّاعِرُ: لَا عَهْدَ لِي بنِيضالْ، ... أَصبحتُ كالشَّنِّ البالْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: فِيعالٌ فِي الْمَصْدَرِ عَلَى لُغَةِ الَّذِينَ قَالُوا تحمَّل … (لسان العرب)
- بصير: صير: صارَ الأَمرُ إِلى كذا يَصِيرُ صَيْراً ومَصِيراً وصَيْرُورَةً وصَيَّرَه إِليه وأَصارَه، والصَّيْرُورَةُ مصدر صارَ يَصِيرُ. وفي كلام عُمَيْلَةَ الفَزارِي لعمه وهو ابن عَنْقاءَ الفَزارِي: ما الذي أَصارَك إِلى ما أَرى ي … (لسان العرب)
- بفرصته: فرص: الفُرْصةُ: النُّهْزَةُ والنَّوْبةُ، وَالسِّينُ لُغَةٌ، وَقَدْ فَرَصَها فَرْصاً وافْتَرَصَها وتَفَرَّصها: أَصابَها، وَقَدِ افْتَرَصْتُ وانتَهَزْتُ. وأَفْرَصَتْكَ الفُرْصةُ: أَمْكَنَتْكَ. وأَفْرَصَتْني الفُرْصةُ أَي أ … (لسان العرب)
- تلخيص: لخص: التَّلْخِيصُ: التَّبْيِينُ وَالشَّرْحُ، يُقَالُ: لَخّصْت الشَّيْءَ ولَحّصْته، بِالْخَاءِ وَالْحَاءِ، إِذا اسْتَقْصَيْتَ فِي بَيَانِهِ وَشَرْحِهِ وتَحْبِيره، يُقَالُ: لَخِّصْ لِي خَبَرَكَ أَي بيِّنْه لِي شَيْئًا بَعْ … (لسان العرب)