في غفلة الدهر ما للفنّ أَوطارُ

الشاعر: حنا الأسعد · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر حنا الأسعد، من العصر الحديث، وتقع في 100 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

في غفلة الدهر ما للفنّ أَوطارُ ... ولا ينيل المُنى للفضل مقدارُ

ولا لآلِ اللُهى والجود مكرمةٌ ... لو فاض من كفّهم بالبذل إبحارُ

ولا لآل النُهى بالرأي صائبةٌ ... لوزالَ في صائب الآراءِ إِخطارُ

ولا لليث الشَرى بالروع مقدرةٌ ... أمسى يصول عليهِ بالوَغى الفارُ

وكم فصيحٍ تردّى آنِفاً صَمماً ... وأبكمٍ قد تبدّا وهو مهذارُ

وكم حَليمٍ لقد خالوهُ ذا حُمقٍ ... وكم حكيمٍ نُهاهُ عندهم عار

وكم جهول أتى يَزهو بغرَّتهِ ... ممدوحةٌ منهُ بين الناس أطوارُ

وكم نِقابٍ فلا تَرجى مناقبهُ ... وكم مَهوبٍ فَلَم يعبأ بِهِ الجارُ

وكَم بَليغٍ لقد ذمَّتــ بلاغتهُ ... وأَبكَمٍ أَعجَمٍ في مدحهِ حاروا

وَكَــــم أَديــــب أريبٍ شاعرٍ لسنِ ... أمسى كباقل أعيت منه أَفكارُ

وَكَم أتوفٍ رقى أسمى المنابر في ... ألفاظ جهلٍ فقالوا تلك أشعار

قالوا غروراً بهِ نجمٌ لهُ غررٌ ... وليــــس يدرون أن النجم غرّارُ

وكم همامٍ لقد أَمسى بلا هِمَمٍ ... أوهت عزائمهُ بالهمّ أكدارُ

وكم شجاعٍ طويل الباع ذي جَلَدٍ ... غُــــلّت أيــــادٍ لهُ والجــــبنُ كرّارُ

وَكَم جسورٍ يَروع الكون هيكله ... قد قيل لا روح فيهِ فهو مجدارُ

وَكَم خسيفٍ ضَعيف القلب ساد عُلا ... تطول منهُ على الباعات أشبارُ

وكم زمينٍ ذليل جاءَ ذا عظمٍ ... يَخلو لهُ في رهان السَبق مِضمارُ

وَكَم سبوح تحاكي الريحَ ثائرة ... تقدَّمتها لدى الغارات أَغيارُ

تــــخيَّلوها كبرذونٍ بِهِ عَرَجٌ ... وأَجبَسُ العير نودي ذاك طيّارُ

وَكَم فقير حقيرٍ يَلتَقي درراً ... وافتهُ في طلعةِ الإقبال أقدارُ

وكم غَنيٍّ سنيٍّ بات مفتقراً ... قــــد فــــرَّ حــــظٌّ لهُ والحــــظُّ فــــرّارُ

وَكَم كَبيرٍ خَطيرٍ كان ذا خَطَرٍ ... لا يَتَّقي خطراً ما شطَّتــ الدارُ

والآن أَمسى وضيعاً والوضيع سما ... قدرا لهُ من غرور الدهر أنصارُ

تَلقى الدراري في هونٍ مُذخَّرَة ... إذ حَفَّ في مركز التيجان إِدخارُ

وَكَم كَريمٍ من الأَلماس في عدمٍ ... تَسموهُ من حرَّةٍ دَهماء أحجارُ

كَم شاهقٍ بات مخفوضاً برفعتهِ ... واعتزَّ في عمقهِ غورٌ بهِ غارُ

وكم صعيدٍ بها نارُ اللظى اِشتعلت ... قَد قيلَ ذي فَلكٌ فيها سِنِمّارُ

وكم صباحٍ بهِ شمس الضحى بَزَغَت ... آلوا مُصرين أن النور أعكارُ

وكم قفارٍ تراها لا حِراكَ بها ... بلاقعٌ لم يزرها الدهرَ زُوّارُ

قالوا بها الأنس قد ضاءَت زواهرهُ ... وَقيل عن مجمعٍ الإيناس أقفارُ

وَكَم مهاةٍ لها شمس الضحى سجدت ... مَليكة الحسن طُرّاً وهي مِخفارُ

قد عابها أهل هَذا الدهر في خَفَرٍ ... يا قوم هَل بعد هَذا الكفر أكفارُ

وَكَم قسيمٍ وسيمٍ ناضرٍ بَهجٍ ... تنبثُّ من فرقهِ للشمس أنوارُ

وَكَم صبيحٍ مَليحٍ صبحُ جبهتهِ ... تَرنو لَهُ من سما الأفلاك أقمارُ

وكَم ظريفِ لَطيفٍ لامعٍ بسنى ... لم تغش أنوارَهُ بالكون أستارُ

وَكَم أَسيلِ كحيلٍ زانَهُ حَوَرٌ ... وَرديَ خــــدٍّ لهُ بــــالفــــرقِ أسفارُ

وَكَم رَقيقٍ رَشيقٍ مائسٍ هَيَفاً ... يضارع البان ليناً وهو خطّارُ

وأحورٍ فاتنٍ من ريش مقلتهِ ... كَم جال بالناس فصّامٌ وهَبّارُ

وأَهيفٍ ذي شطاطٍ لين قامتهِ ... غصنٌ من البان ميّاسٌ ودوّارُ

إن ماس ضاعَت طيوبٌ بالأريج سَرَت ... مِسكاً وفيها من القنطار قنطارُ

أوقد تَبختَرَ منهُ الجعد في أَرَجٍ ... تَطيبُ منهُ بطيب النَشر أمصارُ

تنسَّمُ الكون من أرجاءِ عَرفِهمِ ... أقلُّهم نفحةً قُل ذاك مِعطارُ

قد غودروا واِنثنَت آل الصبابة عن ... تِلك الملاحة قبح الزنج تختارُ

يا رب إني عدولٌ بالشهادة لا ... تكتب عليَّ ذنوبا أنت غَفّارُ

أقول لو جاءَت الجنات مع سقرٍ ... وَقيل هذي سَلامٌ تلك أضرارُ

لقيل عن سَقَرٍ دار السلام وعن ... دار النعيم بها قد أَجَّتـ النارُ

ماذا الصنيع الَّذي لم يَلقَهُ زَمَنٌ ... قبلاً وليس لَهُ في الكون تذكارُ

أَفعلةُ الدهر هذي حين غفلتهِ ... أم قلَّما يَلتَقي للناس أبصارُ

ويحٌ لدهرٍ أَتى ذا الانعكاس بِهِ ... تباً لهُ ما مَضى بالدهر أدهارُ

تَعساً لهُ من ظلومٍ في حُمقٍ ... يُرضي ذوي الجهل للحذاق غَدّارُ

كَم باتَ من عكسهِ ذو الفضل ذا كمدٍ ... وكَم تجدَّثَ من ذا القهرِ سفسارُ

والبارق البادق الهنديُّ في عدمٍ ... وَلَيسَ يعمل في اليعفيد بتّارُ

والسقر أضحى ذَليلاً والبعوض سما ... وأدخر الباز في البأساءِ مخطارُ

وَلينةُ الأيك للفولاذ فاصمةٌ ... ويحطم الصخرة الصمّاءَ فخّارُ

لو شاهَدوا لَينَ الأعطاف ذا هَيَفٍ ... طول الرديني لقالوا ذاك جعظارُ

أَو عايَنوا الراح ضاءَت في مشعشعةٍ ... حبابها في حواشي الكاس أبدارُ

يديرها كَوكَبٌ شطرَ النَديم كما ... تدارُ شَمسٌ أجابوا تلك مصطارُ

لَو جئت في سكرٍ صافٍ ولذتهِ ... لقيل فيهِ سوادٌ وهو صُبّارُ

أو قيل يا قوم إن الشهد ذو دسمٍ ... لقيل هَل بعد ذا الإمقار إمقارُ

أو جاءَ من روضة الولدان ذو حَوَرِ ... أَسيل خدٍّ لآلوا ذاك قُشبارُ

يَثنون مدحاً لِقَومٍ لا ثَناءَ لهم ... وَيَرتَقي من بَني العمياءِ فجّارُ

يا ذا الظلوم الَّذي لم يَخشَ نائبةً ... أَما سمعتَ بأن اللَهَ قهّارُ

أَنّى تجور بأفعال الردى أبداً ... إلى مَ تَبغي أما عن ذاك إِصدارُ

حَتىّ مَ تقهرُ آل الفضل في عملٍ ... لا تَرتَضيهِ بماضي الدهر كُفّارُ

حتىّ ما تزجر ذا المعقول في سَقلٍ ... لَم يأَتِ في مثلهِ من قبل جَزّارُ

حتىّ م تحصر أرباب المحامد عن ... تحصيل آمالهم هل ذاك أصمارُ

حتىّ م تَلقي أولي الألباب في كمدٍ ... إن دام ابّانهُ لم يَبقَ أَعمارُ

حتىّ مَ تَبغي بِهَذا الجور عن سَفَهِ ... من أقبح الظلم في الأرزاء إصرارُ

أَنّي تُساوي جهولاً بأمريٍ فَطنٍ ... هل من أَتوفٍ تساوى فيهِ نبّارُ

أَنّى تخالط في الأسرار كلَّ فَتى ... أَلَيسَ هَذا كتومٌ ذاك مجهارُ

أَنّى تصدِّرُ في السرّاءِ ذا حُمقٍ ... وَيَزدَري في حفيظ العهد شُطّارُ

أَنّى تكبّرُ مقداراً لذي صِغَرٍ ... وَيأَلف القهر في التَصغير كُبّارُ

أَنّى توطي سنيّاً مع أَخي شَرفٍ ... كي يَرتَقي في ذرى العلياء بقّارُ

هَل تجهل العُرف والمعروف قاطبةً ... فــــقــــلت ســــيّان زَبّالٌ وعَطّارُ

أَم تعشق الظلم تأَبى كل معدلةٍ ... أم جاز يعلو على العطريّ بَزّارُ

هَلا تَرى الفرق بين الناس في شَبَهٍ ... هَل يَستَوي نابقٌ فيهم وجَوّارُ

هَلا سمعتَ بأَنَّ الجهل في عَدَمٍ ... وصاحب الفضل للأسرار أسرار

هَلا رأَيتَ رياضَ العِزِّ يانعةً ... هَل ضارعتها من السحراء مقفارُ

هلا تذكرتَ داوداً بنغمتهِ ... ما الحكم إن جاءَ بالتَقليد زَمّارُ

يا فاقد العين هَل تَجتاز في أثرٍ ... وهَل يروقنَّ بعد العين آثارُ

فحد عن الغيّ كن باللَه معتقداً ... فالكفر أن تخدما لأقنان أحرارُ

واخشَ الإلهَ على غيٍّ هممتَ بهِ ... واعلم يَقيناً بأن اللَه جبّارُ

واحبُ البَريَّةــ كلاً ما يَليق لَهُ ... لا تَتبع الغدر إن الجامَ عَيّارُ

أَنى تساعد في هَذا الغرور ولا ... تَرتاب إن فاخر الأبرار أشرار

رَقَّيــــتَ كلَّ دنيٍّ متن ضامرةٍ ... عند الرهان لها بالعدو إِبهارُ

يعتزُّ في جريها تيهاً بلا خبرٍ ... لديــــهِ ســــيّانِ إقبال وإدبار

والشهم غادرتهُ فوق الثرى دَنِفاً ... لم يرقَ متناً ولا تأَتيهِ أكوارُ

وَالكَلب أضحى بمسعاك الردي أسداً ... اسماً وَفي الروع هل للكلب أظفارُ

يا منبع الظلم يا ذا الجور في حَدَثٍ ... في مثلهِ ما أتت من قبل أعصارُ

لا تكثر الجورَ واحذر دَورَ غائلةٍ ... قد قيل في الجور بالإقلال إكثارُ

إِنّي لأهجر يا ذا اللوم ما عَلِقَت ... روحي وما قد نما بالعمر أعمارُ

ولو أَتَتني جيوشٌ منك في كَدَرٍ ... إني جَسورٌ ولي في الروع تزآرُ

وَلي عَلى الجور أَفكارٌ موسَّعةٌ ... لا يَعتَري همتي بالدهر إحسارُ

إني صَبورٌ ولا أرتاد من ضجرٍ ... دأبي ومن شيمتي للنفس إصبارُ

ولا يَروعني الخطب الشديد وإن ... قد حلَّ في كبدي طعنٌ وإِنثارُ

كن كيف شئتَ عليَّ إنّنّي رجلٌ ... صبري سميري وإني فيه دَيّارُ

مازجتَ أهليكَ بالأعمال منعكساً ... ركبان أضراركم في ذا الورى ساروا

إني لاشكوك للمولى القدير ومن ... يلغي البغاة وما في ذاك إنكارُ

يا رب عوناً على كيد الزمان وجد ... بيقظة الدهر لطفا أنت نصّارُ

وارفق بمن جاءَ في بكرٍ تلَت علناً ... في غفلة الدهر ما للفن أوطارُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الفار: فأر: الفَأْرُ، مَهْمُوزٌ: جَمْعُ فَأْرَةٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الفَأْر مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ فِئْرانٌ وفِئَرَةٌ، والأُنثى فَأْرَةٌ، وَقِيلَ: الفَأْرُ لِلذَّكَرِ والأُنثى كَمَا قَالُوا لِلذِّكْرِ والأُنثى مِنَ الْحَمَامِ: حَما … (لسان العرب)
  • بالبذل: بذل: البَذْل: ضِدُّ المَنْع. بَذَلَه يَبْذِلُه ويَبْذُلُه بَذْلًا: أَعطاه وجادَ بِهِ. وَكُلُّ مَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بإِعطاء شَيْءٍ فَهُوَ بَاذِلٌ لَهُ. والابْتِذَال: ضِدُّ الصِّيانة. وَرَجُلٌ بَذَّال وبَذُول إِذا كَانَ ك … (لسان العرب)
  • بالروع: روع: الرَّوْعُ والرُّواع والتَّرَوُّع: الفَزَعُ، راعَني الأَمرُ يَرُوعُني رَوْعاً ورُووعاً؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، كَذَلِكَ حَكَاهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وإِن شِئْتَ هَمَزْتَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه … (لسان العرب)
  • بغرته: بغر: ابْنُ الأَعرابي: البَغَرُ والبَغْرُ الشُّرْبُ بِلَا رِيّ. الْبَغَرُ، بِالتَّحْرِيكِ: دَاءٌ أَو عَطَشٌ؛ قَالَ الأَصمعي: هُوَ دَاءٌ يأْخذ الإِبل فَتَشْرَبُ فَلَا تَرْوَى وتَمْرضُ عَنْهُ فَتَمُوتُ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ: … (لسان العرب)
  • تبدا: بدأ: فِي أَسماء اللهِ عزَّ وَجَلَّ المُبْدئ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً مِنْ غيرِ سابقِ مِثَالٍ. والبَدْء: فِعْلُ الشيءِ أَوَّلُ. بَدأَ بهِ وبَدَأَهُ يَبْدَؤُهُ بَدْءاً وأَبْدَأَهُ وابْتَدَأَه … (لسان العرب)
  • جهول: جهل: الجَهْل: نَقِيضُ العِلْم، وَقَدْ جَهِلَه فُلَانٌ جَهْلًا وجَهَالَة، وجَهِلَ عَلَيْهِ. وتَجَاهَلَ: أَظهر الجَهْل؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ. الْجَوْهَرِيُّ: تَجَاهَلَ أَرَى مِنْ نَفْسِهِ الجَهْل وَلَيْسَ بِهِ، واسْتَجْهَلَه: … (لسان العرب)
  • حليم: حلم: الحُلْمُ والحُلُم: الرُّؤْيا، وَالْجَمْعُ أَحْلام. يُقَالُ: حَلَمَ يَحْلُمُ إِذا رأَى فِي المَنام. ابْنُ سِيدَهْ: حَلَمَ فِي نَوْمِهِ يَحْلُمُ حُلُماً واحْتَلَم وانْحَلَمَ؛ قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبي خَازِمٍ: أَحَقٌّ مَ … (لسان العرب)
  • حمق: حمق: الحُمْقُ: ضِدُّ العَقْل. الْجَوْهَرِيُّ: الحُمْقُ والحُمُقُ قِلَّةُ الْعَقْلِ، حَمُقَ يَحْمُق حُمْقاً وحُمُقاً وحَماقةً وحمِقَ وانْحَمَقَ واسْتَحْمَقَ الرَّجُلُ إِذا فَعَلَ فِعْلَ الحَمْقَى. وَرَجُلٌ أَحمقُ وحَمِقٌ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة