من وحي الكأس
الشاعر: محمود غنيم · البحر: البسيط
«من وحي الكأس» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 33 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
صاغوا لك الشعرَ من زهر ونُوارِ ... وصغتُه لك من حانوت خَمَّار
ما «الروم» -إن قلتُ شعرًا- يا عليُّ، وما ... زبيب «ذوتس»، أو «كونياك أُوتار»؟
حطِّم كئوسَك، واشرب يا أبا حسنٍ ... سلافةً عُصِرت من كَرم أشعاري
لله درُّك شيخًا ليس يُشيعُه ... نهرٌ من الخمر في أحشائه جار!
حمراءُ سحنتُه، بيضاءُ لحيتُه ... لكنَّ صفحته سوداءُ كالقار
إنَّ الشيوخ تقومَ الليلَ في حرمٍ ... لكن عليٌّ يقوم الليل في «بار»
يمشي عليٌّ، فلا يدري: إلى سَقرٍ ... تقودُهُ قدماه أم إلى الدار؟
يضلُّ عن بيته، والشمس طالعةٌ ... وليس يبعدُ عنه قِيدَ أشبار
وربَّما دق باب الجار من خبلٍ ... وربَّما ضربته زوجةُ الجار
يَعُدُّ «ينّي» عليه الكأس أرْبَعةٌ ... أو خمسةً وهْو لا واعٍ ولا دار
وبحسبُ الفأرَ -إذ يبدو له- جملاً ... يَعدو عليه، فيجري خشيةَ الفار
ويطلبُ اللحم من دكَّان فاكهةٍ ... ويشتري الموز من حانوت جزار
وربما خدعتهُ العينُ في رجلٍ ... يمشي، فقال: صباحَ الفُلُّ يا«ماري»
وربما قابلَ «المترو» فقبَّله ... في وجنتيه، وحيَّاهُ «بسيجار»
وربَّما أطلقَ المسكينُ «قُنبُلةً» ... وراح يحسبُها رنَّات أَوتار!
عليُّ، عذرًا إذا أسرفتُ في هذري ... فأنت ذو منزلٍ عندي ومقدار
حيَّيتُ، يا صاح، فيك النُّبلَ أجمعه ... حيَّيتُ فيك لسانًا غيرَ مِعثار
حيَّيتُ فيك حديثًا خفَّ مسمُعه ... وكم حديثٍ يحاكي رجمَ أحجار
ظلٌّ خفيفٌ، وأخلاقٌ معطرةٌ ... لو نُسِّقت أَصبحت باقات أزهار
يكفيك نجلان يزداد الحمى بهما ... كلاهما لامعٌ كالكوب الساري
وندوةُ الشيخ «سعدٍ» أنت بهجتُها ... لله درُّكَ بدرًا بين أَقمار!
لا عيب فيك، سوى كأس تضاجعُعا ... في النوم، تغنيك عن زوجٍ وأصهار
وكلِّ ما أنجبت مصرٌ، وما ولدت ... «باريس» من خرَّدٍ عونٍ وأبكار
الدهرُ أفسد شيئًا أنت تعرفُه ... ما عاد ينفعهُ إصلاحُ عطار
بالأقدمَّية عش في البيت منزويًا ... وأَخْفِ نفسك فيه خلف أَستار
لا تغضَبنَّ على فول، ولا عدسٍ ... ولو أَتوك بسمٍ ناقعٍ هار
عش، يا عليُّ، مليًّا، واقض عمرك في ... كاسٍ، وطاسٍ، وفي لهوٍ، وأَسمار
وخلِّ من شاء يبكي الحظَّ منتحبًا ... ويقطع العُمر في همٍ وأفكار
أترع كئوسك، واشرب كيف شئتَ، وقل: ... يا نفسُ، لا تقنطي من رحمة الباري
ما العارُ إلاَّ الأذى بالناس تُلحقهُ ... ما في المُدام، ولا في الكأس من عار
قد يغفرُ الله للسِّكِّير من كرمٍ ... ويخلدُ الراهبُ الذِّكِّيرُ في النار
عليُّ، هذا قريضٌ كنتَ تطلبُهُ ... فأَدَّ في كلِّ بيتٍ أَلفَ دينار
الشعر غالٍ، ولكنِّي أجودُ به ... عليك، إنَّك -مثلي- جائع عار
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الشيوخ: شيخ: الشيْخُ: الَّذِي استبانتْ فِيهِ السِّنُّ وَظَهَرَ عَلَيْهِ الشيبُ؛ وَقِيلَ: هُوَ شَيْخٌ مِنْ خَمْسِينَ إِلى آخِرِهِ؛ وَقِيلَ: هُوَ مِنْ إِحدى وَخَمْسِينَ إِلى آخِرِ عُمْرِهِ؛ وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْخَمْسِينَ إِلى الث … (لسان العرب)
- بار: بأر: البِئْرُ: القَلِيبُ، أُنثى، وَالْجَمْعُ أَبْآرٌ، بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ، مَقْلُوبٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ الْهَمْزَةَ فَيَقُولُ: آبارٌ، فإِذا كُثِّرَتْ، فَهِيَ البِئارُ، وَهِيَ فِي الْقِل … (لسان العرب)
- تقوده: تقد: ابْنُ سِيدَهْ: التِّقْدَةُ، بِكَسْرِ التَّاءِ، والتَّقْدَةُ؛ الأَخيرة عَنِ الْهَرَوِيِّ: الكُسْبَرَةُ. وَالتَّقْدَةُ: الكَرَوْياءُ؛ وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ: وَذَكَرَ الْحُبُوبَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَعَدّ … (لسان العرب)
- حانوت: (حَنَوَ) الْحَاءُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى تَعَطُّفٍ وَتَعَوُّجٍ. يُقَالُ حَنَوْتُ الشَّيْءَ حَنْوًا وَحَنَيْتُهُ، إِذَا عَطَفْتَهُ حَنْيًا. وَحِنْوُ السَّرْجِ سُمِّي بِذَلِكَ أَيْ … (مقاييس اللغة)
- حطم: حطم: الحَطْمُ: الْكَسْرُ فِي أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَقِيلَ: هُوَ كَسْرُ الشَّيْءِ الْيَابِسِ خاصَّةً كالعَظْم وَنَحْوِهِ. حَطَمهُ يَحْطِمُهُ حَطْماً أَيْ كَسَرَهُ، وحَطَّمَهُ فانْحَطَم وتَحَطَّم. والحطْمَةُ والحُطامُ: مَا … (لسان العرب)
- خمار: خمر: خامَرَ الشيءَ: قَارَبَهُ وَخَالَطَهُ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: هامَ الفُؤادُ بِذِكْراها وخامَرَهُ ... مِنْهَا، عَلَى عُدَواءِ الدَّارِ. تَسْقِيمُ وَرَجُلٌ خَمِرٌ: خَالَطَهُ دَاءٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه عَلَى النّ … (لسان العرب)
- زبيب: زبب: الزَّبَبُ: مَصْدَرُ الأَزَبِّ، وَهُوَ كَثرة شَعَر الذّراعَيْنِ وَالْحَاجِبَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ، والجمعُ الزُّبُّ. والزَّبَبُ: طولُ الشعَرِ وكَثرتُه؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الزَّبَبُ الزَّغَب، والزَّبَبُ فِي الرَّجُلِ … (لسان العرب)
- سحنته: سحن: السَّحْنة والسَّحَنةُ والسَّحْناء والسَّحَناء: لِينُ البَشَرة والنَّعْمة، وَقِيلَ: الهيئةُ واللونُ والحالُ. وَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ السَّحْنة، وَهِيَ بَشَرَةُ الْوَجْهِ، وَهِيَ مَفْتُوحَةُ السِّينِ وَقَدْ تُكْسَرُ، … (لسان العرب)