باب الكريم
الشاعر: سعيد بن خلفان الخليلي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة وطنية
«باب الكريم» من شعر سعيد بن خلفان الخليلي، من العصر الحديث، وتقع في 114 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة وطنية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تقدم إلى باب الكريم مقدما ... له منك نفسا قبل أن تتقدما
وعرج على باب العليم فسله من ... مواهب نور العلم بحراََ قليذما
ممن لم يكن بالعلم في الناس مبصراََ ... فلا عاش إلا في الضلالة والعمى
ومن لا له في عزة العلم نسبة ... فليس له إلا إلى الذلة انتما
ومن لا له من ثروة العلم ثروة ... فمن ثروة الدارين قد صار معدما
نعم علماء الدين في الأرض رحمة ... على الثقلين عمت الكل منهما
بهم شرف الدارين ثم فهم به ... ملائكة باهت ملائكة السما
ألم تر في القرآن أن أولياؤهم ... ملائكة الرحمن فالله أعلما
أقرت جميع الكائنات بفضلهم ... عليها فحوت البحر في البحر هينما
ولم لا ولو لا هم تلاشت جميعها ... ولم يبق منها في الوجود لها سما
هم خلفاء الله في أهل أرضه ... بهديهم أمت البسيطة قوما
لحكمهم الدين تدين وقد عنت ... سلاطين أهل الأرض اعظم أعظما
وآراؤهم تقضي بهن ملائك السـ ... ـموات فيما قد أحل وحرما
ولو لم يكن نص الكتاب أتى بها ... صريحا ولا الهادي بها قد تكلما
غدوا قدوة الأملاك لما هم اقتدوا ... بما لهم رب الملائك ألهما
وذلك من أدنى رفيع مراتبا ... لهم لم يعدوها فخارا ومكرما
فما استحسنوا فالله يقضى بحسنه ... وما استقبحوا الا قبيحا مذمما
وربك من والوه فهو وليه ... ومن خاصموه كان لله أخصما
هم أغنياء العصر والعصر أهله ... قد افتقروا والمال بينهم نما
يروم كنوز الأرض غيرهم وهم ... أصابوا كنوز العرش وفرا ومغنما
وهم في الثرى قاموا وارواحهم إلى ... سما العرش والكرسي أدونها سما
وما قنعوا بالعرش والفرش كله ... فجازوا إلى اعلا مقام واعظما
ولو وقفوا بالعرش والفرش لحظة ... لعدوه تقصيرا وجرما ومأتما
تقدم في ذلك الخليل بقوله ... لجبريل دعني منك لله مسلما
لملة إبراهيم شادوا فشاهدوا الـ ... ـتلفّت للشرك الخفي متمما
فقاموا بتجريد وداموا بوحدة ... عن الإنس روم الأنس فيها تنعما
بخلوة لي عبد وسري بينه ... وبيني عن الأملاك والرسل كتما
وما بلغوا ذاك لمقام بقوة ... ولكن بنور العلم قد بلغوا الحمى
عشية أعطوه عهودا مطاعة ... على طاعة منهم غداة تحكما
وقد بايعوه أنفسا مطمئنة ... ببيعته والعقد بالعهد أحكما
فجد بهم في السير للخير والجاََ ... بهم أخطر الأهوال حين تقحما
فأبعدهم عن كل إلف وعادة ... وعودهم شرب الشدائد علقما
فمن بعد عادي النوم والشبع والروا ... غدو حِلف إلف السهد والجوع والظما
فندمانهم عاد البكاء تندما ... وأزمانهم بالنوح قد عدن مأتما
وأوردهم بالحزن لجة أدمع ... واورى بهم للخوف نار جهنما
شدائد عدوها فوائد فاغتدت ... عوائد أعياد السرور تنعما
ولو جانبوها روم غير جنابها ... لعدوا بحكم العدل ذا العدل مأثما
هم صدقوه وهو أصدق وعده ... واوفى ذمام حبله ليس أفصما
به نهجوا في كل منطمس الصوى ... فكان لهم في كل ميهاء معلما
ويملي لهم في السير عن كل كامن ... وجال إلى أسوى طريق وأقوما
وقاسمهم بالله أني ناصح ... فأنهى إلى أبهى مقام وأكرما
وحل لهم رمزا وكنزا مكتما ... من السر قد كان الرحيق المختما
وقال لهم هذا المقام وهذه الـ ... ـخيام وذا باب المليك وذا الحمى
فمالي فيما بعد ذلك مصعد ... ولا موعد من بعد ذلك ألزما
هنالك قد تطوى الصحاف وتنشرالـ ... .ـسجاف فلا يطوى مجدك فافهما
ولا تفتح الأبواب إلا عناية ... لمن شاءه ذاك المليك تكرما
فسلم إليه الأمر واطرح المرا ... ولا تك في شيء من الأمر مبرما
وقل بلسان الحال مالي وسيلة ... ولا حيلة والهج بقولك ما وما
فإن تك لا شيئا هناك فإنه ... رناك لما أدناك أذلك قد رمى
وإن ساعة أقناك أبقاك خالدا ... بوصف له باق صفاتك أعدما
وإن هو جلى فيك بعض صفاته ... فما كنت أنت الآن أنت المقدما
وفيها مقامات لأهل سلوكها ... شموسا وأقمارا تنير وأنجما
فمن ذاق منها نغية مات رغبة ... ومن لم يذقها مات بالغم مسقما
معالم تستهدي الحلوم بهديها ... العلوم بها كان العليم المعلما
فعرفهم إياه منه كرامة ... وأشهدهم إياه منه تكرما
وخلقهم بإسم العليم تفضلا ... وكان لهم بإسم المبين مسوما
وكان لهم عنه فكانوا له به ... وقام بهم عنهم إليهم مكلما
فمذ عرفوه لم يروموا تعرفا ... إلى غيره والغير ثم تعدما
وليس لهم جهل هناك ولم عسى ... لهم أن يروا من بعد ذلك مبهما
وما علموا شيئا بعلمهم وقد ... أحاطوا بعلم العرش والله علما
هم لوحه المحفوظ كانت قلوبهم ... بها قلم الأنوار للسر رقما
مواهب قد دقت عن الفهم وارتقت ... عن الوهم رقت عن نسيم تنسما
بها انطوت الأكوان في طي علمهم ... من العرش والكرسي والأرض والسما
فكانت جميع الكائنات مصاحفا ... لهم تهب السر المصون المكتما
لطائف لم تودع صحائف كاتب ... تطالعها الأفهام والله ألهما
وكم أدركوا بالعقل أمرا منزها ... عن النقل في الألواح لن يترسما
يضيق فضا الأكوان عن شرح بعضه ... وكل لسان كلّ بل ظل مقحما
به صحف الأرواح أشرق نورها ... وصين عن الألواح إذ كن أظلما
لذلك فاطلب أن يكن لك مطلب ... ترى كل مطلوب سوى ذاك مغرما
ففي قصده قصد السبيل ومن عدا ... سبيل الهدى نحو الردى قد تيمما
فكن واقفا بالباب في كل ساعة ... ترى الذل فيه عزة وتكرما
وجانب رياش الجاه والعز والغنى ... وكن باضطرار وافتقار مؤمما
وإن شئت عز العلم فالعلم عزة ... لباس لبوس الذل لله مسلما
وإن كنت تبغي العز والجاه في الدنا ... فدع عنك داعي العلم وارحل مسلما
ودع عنك أدناس المطامع طافحا ... لمولاك عنه طامعا جل منعما
ففيه الغنى بالفقر إذ رؤية الغنى ... هناك الغنا بل منهما اقصده معدما
فلا راحة ترجى لمن رام راحة ... ومهما بذلت الروح صادفت مغنما
ففي بذلها صون لها إن تقبلت ... وإلا فقد سيقت إلى ذلك الحمى
هنيئا لها فخرا بما قد تعرضت ... لذاك الحمى لو كان مطلبها احتما
وأن أمّ أبواب الملوك مؤمل ... فيمم إلى أبوابه متقدما
فأبوابه فتح وما ثم حاجب ... وافضاله شرح وما ثم محتمى
لأبوابه ما عشت أغشى ولم أكن ... لأخشى رقيبا أو عذولا ملوما
فعندي فيه عاذلي مثل عاذري ... ومن فيه عاداني كمن بي ترحما
سأرحل عنهم أجمعين إلى الذي ... به لذّ لي ذلي وعزي تهجما
عسى أنني أدعى دعيّا ببابه ... إذا لم أكن باسم الخديم موسما
وإلا فإن أدعى به متطفلا ... فقدري بهذا الإسم يخترق السما
وأن ادع لا شيئا هناك فأنني ... بذاك لقد أصبحت في الناس مغرما
وماذا عسى أدعى وماذا عسى أرى ... فما كنت فيما يرتضيه لأسأما
وإن كان لي من لوم نفسي حاجب ... جعلت اللجا مني به لي سلما
وبين يدي نجواي لما قصدته ... جعلت الرجا أرجى شفيع واكرما
وما كنت أرجو أن يخيب راجيا ... ولو لم يكن أهلا ليدنى ويكرما
وما أنا أرجو باجتهادي وصله ... وما لاجتهادي أن يكون المقوما
تركت اجتهادي واعتيادي إذ غدا ... مرادي اعتمادي مسلما ومسلما
وحكمته في كل أمري إرادة ... وفعلا وملبوسا وشربا ومطعما
واجريت مني النفس فيما يريده ... بأمر وزجر أن أحل وحرما
فمالي إلى ما صدني عنه مطمح ... وأن جد لي أمرا فلن أتلعثما
ومالي لا أسعى إلى ماله دعا ... ومالي لا أرضى إذا ما تحكما
ومالي من سعي ومالي من رضا ... سوى نسبة منه بها قد تكرما
ولا قدرة لي أن اريد مراده ... فكيف مرادي أن أرد كنت أظلما
مرادي لي أن لا أرى لي إرادة ... وتلك له عين الإرادة في العمى
فصمتي ذكري والسكون تصرفي ... ونومي وردي حيث كان المنوما
وأشهد منه المنع ضربا من العطا ... وفي الفصل معنى الوصل بالأصل قيما
فما شاء فليفعله ما شاءه أشا ... وما أنا ممن بالمشيئة آثما
فلا قصد لي والقصد لي ترك رؤيتي ... بقصدي وليس الترك عندي محرما
وإن كان قدري حط عن دون قصده ... فقصدي لهذا القصد لي شرف نما
وإن لم يكن إلا أماني قصده ... فلا عشت من تلك الأماني معدما
وإن لم يكن إلا محبة قصده ... فعدت ولي من ذلك القصد منتمى
وإن لم تكن إلا محبة من مضى ... إلى قصده ذرني بها متنعما
وأن لم تكن لي في هواهم حقيقة ... فدعني أعش في حبهم متوهما
وإن لم يكن لي ثم حظ أرومه ... إليك فأبلغنى المقام المعظما
وإن لم اكن أهلا لما قد سألته ... فإنك أهل منةٍ وتكرما فحبي لما
وإن لم تكن مبلغا ما أردته ... ترضى أرى لي أحزما
وحمديك لي في كل حال حمدته ... فلا زلت قوالا به متكلما
فهذا بفضل منك قد صار ديدنى ... فلا عشت يوما حلت عنه مصمما
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- الثقلين: ثقل: الثِّقَل: نَقِيضُ الخِفَّة. والثِّقَل: مَصْدَرُ الثَّقِيل، تَقُولُ: ثَقُلَ الشيءُ ثِقَلًا وثَقَالَة، فَهُوَ ثَقِيل، وَالْجَمْعُ ثِقالٌ. والثِّقَل: رُجْحَانُ الثَّقِيل. والثِّقْل: الحِمْل الثَّقِيل، وَالْجَمْعُ أَثْق … (لسان العرب)
- الدارين: الدَّار: المنزل اعتبارا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمّى البلدة دارا، والصّقع دارا، والدّنيا كما هي دارا، والدّار الدّنيا، والدّار الآخرة، إشارة إلى المقرّين في النّشأة الأولى، والنّشأة الأخرى … (مفردات الراغب)
- العليم: علم: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ العَلِيم والعالِمُ والعَلَّامُ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، وَقَالَ: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ*، وَقَالَ: عَلَّامُ الْغُيُوبِ*، فَهُوَ اللهُ ال … (لسان العرب)
- باهت: بأه: مَا بأَهَ لَهُ أَي ما فَطِنَ [فَطَنَ]. (لسان العرب)
- فسله: فسل: الفَسْل: الرَّذْل النَّذْل الَّذِي لَا مُروءة لَهُ وَلَا جَلَدَ، وَالْجَمْعُ أَفْسُل وفُسُول وفِسَال وفُسْل؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: والأَكثر فِيهِ فِعال، وأَما فُعول ففرْع دَاخِلٌ عَلَيْهِ أَجروه مُجْرَى الأَسماء، لأَن … (لسان العرب)