مدرسة الحب

الشاعر: أحمد فراج العجمي · البحر: الكامل

«مدرسة الحب» من شعر أحمد فراج العجمي، وتقع في 102 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف القاف.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

حُسنٌ على وجهِ الحبيبةِ شَيّقُ — ويكادُ من فِرطِ الوضاءةِ ينطِقُ

السحرُ يمخرُ في بحورِ جمالِها — والريحُ ريحُ المسكِ منها تعبَقُ

والجَبهةُ المرآةُ كالماءِ الذي — لِسكونِه يبدو سماءً تَغرِقُ

والشَّعرُ ليلٌ حالكٌ لا ينجلي — إلا إذا شَقَّ الظلامَ المِفرَقُ

من ذا يَعُدُّ خيوطَه وهو الذي — شُدَّ الزمانُ به وسِيقَ المشرِقُ

وذؤابةٌ منها تهزُّ النيلَ والـ — أُخرى يداعبُها الخيال المُطرِقُ

أحداقها صُبغتْ بأسودَ حالكٍ — حتّى كأنّ الليلَ منها يُطلَقُ

والحاجبانِ كأنّما خُطَّا بِريــ — ـشة مُتقِنٍ كالقوسِ حين يُعلَّقُ

مِن دلِّها رغم اتساعِ المُقلتيـ — ـنِ يَزينُها خَفَرٌ وجفنٌ ضَيِّقُ

ألقٌ يطوفُ بجفنِها فكأنّما — حولَ النخيلِ يطوفُ مُهرٌ أبلقُ

مَن أَرْبَكَ الإحساسَ حين تهلّلّت — عينُ المها فالرِّمْشُ منها يخفقُ؟

مَن ذا يقاومُ طرفَها النعسانَ لا — من عِلَّةٍ والغُنج فيه مشوِّقُ؟

قمرٌ إذا سفرَتْ تلألأ والخدو — دُ تخالُها قمرينِ حينَ تُدَقّقُ

كالأرجوانِ هما ومن لونيهما — يسقي الغروبُ سماءَنا والمشرِقُ

تفّاحتانِ وقد تَقَطَّرتا دمًا — يا نِعمَ ذلكمُ النقاءُ المطلَقُ

والأنفُ ذا هرمٌ ونِعمَ الأنفُ ما — تغري به كُثُبُ الخدودِ وتُطْبِقُ

وفمٌ كمثلِ الوردةِ الحمراءِ فو — قَ وسادةٍ خجلى وبدر يصدُقُ

فأذوق من هذا النميرِ وأرتوي — متضلِّعًا بالشَّهدِ حتّى أعرَقُ

فيفوحُ منّي المسكُ لا أنسى له — أثرًا بريقي ما حييتُ أُذوَّقُ

لا تضربوا عند السؤال لريقها — مثلًا بخمرٍ في الدِّنانِ تُعتَّقُ

فالخمرُ تذهبُ بالعقولِ، وريقُها — هو نبعُ إبداعٍ وأرضٌ تُفتَقُ

ومذاقُهُ سِرُّ القصيدِ وومضةُ الـــ — إلهام أطيافُ الربيعِ تُحلّقُ

فكأنَّ أسواقَ اللطائمِ جُمِّعتْ — في ثغرها والعسجديةُ تَبرقُ

فأظلُّ أسقي العينَ من إشراقِها — وأبِيتُ من ريّا الشذى أستنشِقُ

ماذا إذا نفثتْ على جُرحِ الضّنى — أو أنّها بالقلبِ كانتْ تَرفُقُ؟

والنورُ من بينَ الثنايا جذوةٌ — سطعتْ فهذا الصبحُ منها يُشرِقُ

في صدرِها ارتفعتْ تلالٌ فوقَها — نَبتَتْ حضاراتٌ وظلّتْ تَسمُقُ

رمانتانِ به تألَّقتا هُما — هرمُ الصمودِ وبرجها المتأنُق

ومعَ استقامتِها اعوجاجٌ ساحرٌ — والماءُ بينَ الشاطئينِ مُرَوَّقُ

هو كوثرٌ من جنّةِ المولى ومن — شهدِ الأحبّةِ نهرُها المتدفّقُ

حتّى ذراعيها اشتهيتُ مداهُما — والكفُّ ليّنةٌ تجودُ وتُغدِقُ

يا حضنَها المملوءَ دفئًا ضُمَّني — حتّى كأنّي في الفضاءِ أُحَلّقُ

تأتي إليَّ كأنّها شمسُ الضّحى — فإذا بدتْ أخْفَتْ نجومًا تَبْرُقُ

في مِشيةٍ بدويّةٍ قرويّةٍ — كالغيمِ متئدٌ سُراهُ ويُغرِقُ

والعودُ شلالُ اللآلئِ سِرُّهُ — تحكيهِ سنبلةُ الزمانِ فتصدُقُ

والقدُّ لا تضربْ له ولحُسنِه — مثلًا بغُصْنِ البانِ لمّا يُورِقُ

والخِصرُ مُنْدَقٌّ فمَن ينظرْ له — حسِبَ المجاعةَ منذُ عامٍ تُحْدِقُ

لكنّه ما إنْ رأى أنحاءَها — من نعمةٍ أضحى الجنانُ يُحَدِّقُ

تترجرجُ الأفياءُ حين تهزّها — فيفوحُ منها مسكُها ويُطَوِّقُ

في رِقّةٍ تمشي فيتبعها الورى — كالشمسِ تسعى والكواكبُ تَلحقُ

في ثوبِها الفضفاضِ يمسحُ خطوَها — ينسابُ كالليلِ الطويلِ ويُهرَقُ

وتقودُ أفواجَ الحسانِ بقدرةٍ — في حكمةٍ تمضي كسيفٍ يَفْلِقُ

إن شئتَ أن تسعى على خضرائِها — فاخلعْ بها نعليك يا مَن تَعشقُ

هي درةُ الآفاقِ مَهبِطُ علمِها — وحضارةٌ شمختْ وفجرٌ يَصْدُقُ

وهي اللواءُ الحقُّ في معراجِنا — وإذا افترقْنا فهْي حبلٌ مُوثَقُ

مدَّتْ شِراعَ الحُبِّ والسِّلمِ الذي — رغمَ العواصف دِرعُه لا تُخرَقُ

تتعانقانِ حمامتي وغيومُها — فتفيضُ أمطارُ الهوى وتَرَقْرقُ

تِلكُمْ حبيبةُ قلبيَ الولهانِ قد — أمستْ تصبُّ به شُواظًا يَحرِقُ

يا دَفَّةَ الأكوانِ قِبلةَ حُلمِنا — شُدّي الشِّراعَ إلى غدٍ يتشوَّقُ

ألوانُ طيفِكِ يا حبيبةُ قد غَدَتْ — سوداءَ في ثوبِ الضحيّةِ تحنِقُ

والقاتلُ المأفونُ يَسرِقُ حُلمَنا — غضًّا ويُسكِتُ مَن يشاءُ ويَسحَقُ

من فكرةٍ سوداءَ ينطلِقُ الرَّصا — صُ، وأيُّ فكرٍ بالإبادةِ ينطِقُ

يتجمهرُ الأعداءُ منهمْ خادعٌ — متستّرٌ بالدينِ أو مُتشدّقُ

والآخرونَ السارقونَ تسوقُهم — أطماعُهم حتّى بمالِكِ أُغرِقوا

لا يا حبيبةُ لا تظنّي أنّني — سأظلّ أحرُسُ مرغمًا من يسرِقُ

أنا عنترُ العبسي مُهري غاضبٌ — والنوقُ مَهري في الشوارعِ تسبقُ

من ذا يَردُّ نفورَهنّ ويحتوي — صيحاتِهنّ ومن سِوايَ يُفَرِّقُ

يا أيُّها المغرورُ سلْ مجنونَ ليـ — ـلى كيف كانَ الحبُّ نارًا تَحرقُ

لا .. لا تُجَربْ أن تقيسَ محبّةً — يسعى بها عندَ الكريهةِ فيلقُ

سَلْ نظرةً فتّاكةً من لَحْظها — سبقتْ لقلبكَ كلَّ سهمٍ يُرشَقُ

والعقلَ إذ طاشتْ به أنغامُها — فكأنّه في نشوةٍ يتأنّقُ

والظلَّ تحتَ جناحِها متشابكًا — والحلمَ مخضرًّا وحُسنًا يُهرَقُ

وسلِ المغامرَ كيفَ يعرفُ شَطَّهُ — حينًا يُقبّلُهُ وحينًا يرمُقُ

والشاطئَ المفروشَ عشبًا ناضرًا — والنيلَ يلثُمُ ضفتيـهِ ويُغرِقُ

هذي الحبيبةُ شكَّلَتْكَ بحسنِها — وتكفّلتكَ وأنتَ عودٌ مُورِقُ

صبغتكَ من لونِ السنابلِ فارتوتْ — منها ملامحُكَ التي تتألّقُ

ضمّتكَ مثلَ الأمِّ تُعطي روحَها — فعققتَها ووأدتَ رُوحًا تُشْفِقُ

حتّى غدوتَ جُمانةً في كَنزِها — فسرقْتَهُ والحبُّ لا .. لا يُسرَقُ

أثخنْتَها وملأتَ من دمها الكؤو — سَ ورُحتَ منتشيَ الجوانحِ تغبِقُ

وتركتَ مهجتَها بقارعةِ الطريـ — ـقِ وليس من آسٍ هنالكَ يَقْلَقُ

أتُراكَ من أمٍّ سواها أم تُرا — كَ رضعتَ كُرهًا من عدوِّ يَحنِقُ

من أين أنتَ؟ أما شربتَ على الظما — من نيلِها؟ وبحبْلِها تتعلّقُ

أم لم تَنَمْ في حضنِها وتَذُقْ جنى — جنّاتِها أم خُنتَها يا أحمقُ

قد خُنتَ قِبلَتَها فخانَكَ دربُها — والدربُ دون عُرى المحبّةِ يأبِقُ

فاذكُرْ رُضابَ الشّهدِ من ثَغْرِ النّدى — أم أنّ شِدْقَكَ لم يَعُدْ يتذوقُ

ذُقْ ما رشفتَ من الأسى بعد الرضا — أينَ اختباؤُكَ والدياجي تلحَقُ؟

حقًّا فإنّكَ ما عرَفتَ جمالَها — كلّا ولا لجناحِها تتشوَّقُ

يا قرةَ العينِ التي جُرحتْ ولا — من ذي صلاحٍ بالحبيبةِ يَرفُقُ

هذي دماؤكِ لن تضيعَ سدىً ولن — يسعى بها نحو الوقيعةِ أشدقُ

من سرِّ نبضِكِ سوف يسطعُ حُلمُنا — والفجرُ من عُمقِ الدياجي يُطلَقُ

وترابُكِ المعجونُ من دمِنا ستَنْـ — ـبُتُ منه أفئدةٌ تضِجُّ، وتَحنِقُ

لا لن نرى أفقَ الحبيبةِ حائرًا — إلا رسَمْنا فيهِ شمسًا تَشْرُقُ

أيّانَ يطلبْنا الإباءُ نَطِرْ له — وبرغم ريحِ المُرجفينَ نُحَلّقُ

الحارسونَ الطامعونَ بنيلِنا — خانوهُ حتّى كادَ حزنًا يَشْرَقُ

شنقوا كرامتَهم فِدَى أطماعِهم — والجهلُ في صدرِ الغبيّ مُعَتَّقُ

ومضَوا على دربِ الخيانةِ مالَهم — إلا ضميرٌ بالجحودِ مُوَثَّقُ

إنّ الوفاءَ غدا جنايةَ عصرِنا — عندَ الذي في خُبْثِهِ يتخندقُ

لكنْ بمصرَ برَغم ذلكَ عُصْبةٌ — من فتيةٍ صمدوا ولو أن يُحرَقوا

وتهلّلوا لمصيرِهم حتى غدا — جوفَ العداوةِ بالضغينةِ يَشهقُ

كانوا بظلِّ اليأسِ دومًا بُقعةً — نفذَتْ إلى أرضِ الرجاوةِ تبرقُ

كانوا رجالًا والرجولةُ مبدأٌ — أعلى من البدرِ المنيرِ وأصدقُ

كالموجِ بل كالبحرِ إلا أنّهم — أنأى شطوطًا كالخيالِ وأعمقُ

يمشونَ فوقَ الحلمِ وِفقَ عقيدةٍ — كالرمحِ لا تُلوَى ولا تترقّقُ

والرِّجْلُ إن بُتِرتْ يقولوا إنّها — جزءٌ عساهُ لدارٍ عدنٍ يسبقُ

ها هم أولاء الساهرون بثغرها — حُرّاسُها من كلِّ شرٍّ يحدُقُ

من عُمرِهم من دمعِهم من مالِهم — بذلوا وما أنقى الدما قد أنفقوا

يا مصرُ يا معشوقتي قُومي فقد — غِبنا كثيرًا في حضيضٍ يخنِقُ

هيّا نغادرْ فالفضاءُ يحثُّنا — والمجدُ منتظرٌ ونجمُكِ مشرقُ

هيّا نطرْ كي يستقرَّ المجدُ كي — يرضى بلُقيانا المقامُ الأليقُ

أنا طائرٌ كُوني سماءً ثرّةً — لا شكَّ أنَّ الظنَّ فيكِ مُحقَّقُ

فلَأحمِلنّكِ رغمَ كلِّ مواجعي — إنّ المعالي بارتقائكِ أخلقُ

حتّى إذا انفلقَ الصباحُ تذكّري — رجلاً على رغمَ الإساءةِ يعشَقُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف القاف — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • المشرق: المَشْرِقُ : جِهَةُ شُروقِ الشّمس قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ.-: البلادُ الإسلاميّة في شرقيِّ الجزيرة العربيَّة.- العَربيُّ: مقابل المغرب العربيّ ج مَشارِقُ.
  • المطرق: المِطْرَقُ والمِطْرَقَةُ : آلةٌ من حديد تُطْرَقُ بها المَعَادِن؛ جمع في دكّانه مِطْرقاً لكل معدن. ـ: آلةٌ يُدَقُّ بها الصُّوف والقُطن ليرِقَّ ويَلِين؛ ما تخلَّى النَّدَّافُ عن مِطرقته ولا الجزّار عن ساطوره ج مَطَارِقُ.
  • المفرق: المَفْرِقُ :- من الرأس: حيث يُفْرَقُ الشَّعَرُ.- مِنَ الطَّريقِ: الموضِعُ الذي يَتَشَعَّبُ مِنْهُ طَرِيقٌ آخر؛ قَرَّرْنَا السَّفَر وَتَواعَدْنَا عِنْدَ مَفْرِقِ الطَّرِيقِ/ وَقَفْتُهُ على مَفَارِقِ الحَدِيثِ، أي وُجُوهِه …
  • شيق: شيق: الشِّيقُ: شَعَرُ ذَنَبِ الدَّابَّةِ. والشِّيقُ البُرَكُ، وَاحِدَتُهُ شِيقةٌ: طَائِرٌ. والشِّيق: الشَّقُّ فِي الْجَبَلِ، والشِّيق مَا جُذِبَ، والشِّيقُ مَا لَمْ يَزَلْ، والشِّيقُ رأْسُ الأُدافِ، والشِّيقُ شَعْرُ الْف …

قصائد ذات صلة

  • ضياء الفجر
  • جنات الدنيا
  • فجر الهدى
  • مطر يغسل النفوس
  • لذة
  • محنة الحب
  • متشاعرون
  • علام تبكي العيون