رسالة من سجين لم يولد
الشاعر: أحمد فراج العجمي · البحر: المتدارك · الغرض: قصيدة حزينة
«رسالة من سجين لم يولد» من شعر أحمد فراج العجمي، وتقع في 117 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تحتَ جنوحِ الليلِ — وقلبي يتلظّى جُرحي
ودموعُ الأسرِ على شفتي — نارٌ تأكلُ كلماتي
وسمائي تُحصي أنّاتي — إنّ سمائي سقفٌ من إسمنتٍ
يتهرّأ كلَّ مساءٍ — كي يكسوَ بالجيرِ المطفيّ شَكاتي
أو عوراتي — وصديقي السجّانُ يلملمُ ذاتي
ويصارعُ بؤسَ حكاياتي — يأتيني كلّ مساءٍ
وعلى عينيْهِ صلاةٌ — وعلى كفّيهِ نجاتي
والحُلمُ هنالكَ مخنوقٌ — ويُدغدِغُ سرَّ مناجاتي
فألوذُ إذا طالَ العدُّ بصلواتي — ما بالُ السجّانِ رحيمٌ؟
وعلى عينيهِ بقايا إنسانٍ منسيِّ العبَراتِ — ما بالُ السجّان رحيمٌ؟
أَلِأنّي أُشبِهُ إخوتَه — وهوائي مسمومٌ
وفضائي محترِقٌ — وندائي مقطوعٌ
وأنا مُنتهَكُ الحُرماتِ — منسيٌّ
وأضيعُ بكلِّ مسافاتي؟ — يا صاحِ
فؤادُكَ أعرِفُهُ — مكلومٌ لمصابي ويئِنُّ لوطأةِ حسَراتي
فيردُّ بصوتٍ يملؤهُ حزنٌ: لا تحزنْ — يا صاحبَ سرّي إنّي سجانُ المَأساةِ
وغدًا ستزورُ صديقًا — وضعته أمُّ في قفَصٍ
لا يعرفُ في الدّنيا غيري رجلًا — يا صاحبَ سرّي لا تسألْ عن حجمِ المأساةِ
*** — بِتُّ أفكّرُ في عرضِ السجانِ
تراودُني أسئلةٌ — ويضجُّ من الفكرةِ قلمي
والخوفُ يصارعُ ألمي — هل يخدعُني؟
ولماذا يخدعُني؟ — أيكافئُني؟
وعلامَ يكافئُني؟ — إنّي أذنبتُ بحقّ فخامةِ سيّدِهِ
وكتبتُ قصيدة شكوى لم أذكرْ فيها أنّ الشعب يمجّدُهُ — وطلبتُ بأنْ يغدوَ لي صوتٌ
في مجلسِ شعبٍ لا يعرفُ غيرَ التصفيقْ — فالبلدُ تسيرُ ولا تدري في أيّ طريقْ
وطلبتُ كذلكَ أن يحكمَنا سيّدُهُ — عشرَ سنينْ
والآنَ فإنّي مذ عشرِ سنينَ — أحطّمُ أحلامي
وأبعثرُ في السّجنِ بقايا أيّامي — يا ويلَ خطابِكَ يا قلمي
أَزهقْتَ بشؤمِكَ عُمري وسلامي — وغدوتُ رهين الحسراتِ
لا أدري هل مازال خطابي — يحيا في صدرٍ حيٍّ
ويوفّر خبزًا لبناتي — ***
دخلَ السجّانُ يزحزحني — هل مازلتُ على حالِكَ؟
مذ أمسِ تخطّطُ لزيارةِ صاحبِنا؟ — هيّا قُمْ لا تجعلْ لحظاتِ حياتِكَ تتشابهُ
ما دمتَ تعيشُ على ذكرى حبٍّ — أو حلمٍ وطنيٍّ محترقٍ
أو وعدٍ مبهوتِ النظراتِ — هيّا فالوقتُ يداهمُنا
من قبلِ قُدومٍ مشؤومٍ لمديرِ السّجنِ يباغتُنا — هيّا يا صاحِ فإنّي أحببتُ صديقي الثّاني أكثرَ منكْ
وأخافُ –على رغمِ نعومتِهِ- منهُ عليكْ — فنهضتُ أصارعُ أوهامي
تُثقلُني خطواتي — وكأنّي سوف أُساقُ لمِقصلتي
أبلعُ ريقي — وأشقَّ إلى الغيب طريقي
وأجرُّ الصوتَ إلى شفتي — والرعب هنالك يتسلّق أسواري
فأحثُّ خطايَ على رغمِ تقاعسِ رئتي — وتذكّرتُ بأنّ الفارسَ يَقْبَلُ أن يَستبدلَ ظهرَ الخيلِ
ولا يقبلُ أن يستبدلَ مبدأَهُ — فإذا بالرّوحِ تُحَلِّقُ
تحملُني للغيبِ — وقلبي يسحبُ خطواتي
وعلى غيرِ العادةِ دقّ السجّانُ البابَ لصاحبِه — فتدحرجَ صوتي في زنزانتِه
مبحوحًا يتنحنحُ — وأمدُّ على خجلٍ نظراتي
فإذا بامرأةٍ تتجمّعُ في ثوبٍ بالٍ — هزّتْ قلبي
شلّتْ أوقاتي — لا تُظْهِرُ للقادمِ مقتًا
أو صوتًا — إلا قعقعةً من صدرٍ يوحي
أنّ هنالكَ حيًّا — قال ادخلْ
ففزَعتُ من الأفكارِ — ألملمُ لحظاتي
وأهرولُ للواقعِ — أحثو في وجهي بعضًا ممّا تُمليهِ العينُ فأَشعُرُ أنّي يَقِظٌ
وأمدّ إلى الزنزانةِ رأسي وحياتي — وأصارعُ أنّاتي
وكأنّي لم أُسجنْ أو أشعرْ بإهانةِ ذاتي — من يغمِسُني الآنَ بسجني؟
من يرحمُني من أسوأ رِحلاتي؟ — كنتُ أظنُّ بأنّي أبأسُ إنسانٍ
لكنّي أنجى إنسانٍ — مادام هناكَ امرأةٌ تستجدي موتًا
وتنامُ على جرحٍ عربيٍّ مخمورٍ — ودعاةُ الحرّيةِ كالثوبِ على جسمِ عراةِ
قال ادخلْ — فنفضْتُ هنالكَ خطواتي
وقفزْتُ لأدخلَ قِمْعَ ظلامٍ — وكأنّي سنبلةٌ فَرَطتْ لا أملِكُ للأمر ثباتي
كشفتْ عن وجهٍ ظمآنٍ — ومعالمِ خدٍّ مُبْتلٍّ
وعيونٍ تَسبِرُ أعماقي — وتهزُّ النبضَ بأوردتي
يتساقطُ أطنانَ فراقِ — قَذَفتْ طلَّتُها صُوَرًا تجتثُّ رسوخي
تغتال صفاتي — وكأني أعبثُ في مرآتي
وخطوتُ وبدري يكسوهُ محاقي — فصرختُ: صديقي
أنقذْني — أخرجْني
فُكَّ خناقي — أرجوكَ فإنّي
أركضُ عكسَ سباقي — وأحنُّ إلى سجني
أحضن قلمي — أتدثّر بصدى أوراقي
أَوْصِدْ بابي — هيّا شُدَّ وِثاقي
قال السجّانُ: صديقي — إنّك لم تعرفْ صاحبِيَ الثّاني
هيّا يا صابرُ سَلِّمْ — عمُّكَ سوفَ يقصُّ عليكَ حكايةَ فرعونَ السجّانِ
فنظرتُ إليهِ فأعياني — طفلٌ ذو خمسِ سنينَ
بلا أسنانِ — منتفِخٌ واللونُ الأصفرُ يرتعُ في خدّيهْ
مدّ إليَّ يديهْ — فجثوتُ
أواري دمعي — وأربّتُ بيديَّ على كتفيهْ
قال أجبني يا عمّي — ما اسمكَ؟
قلت سعيدْ — قال وما معنى اسمِكَ؟
هل في الدّنيا إنسانٌ غيرُكَ يدعى بسعيدْ — قلتُ: صديقي ما ذلكَ ببعيدْ
قال انظر ألعابي — فنظرتُ فإذ ببقايا ورَقٍ
يصنعُ منها تمثالاً ويسميه: عربيّا — وعلى الحائطِ يرسُمُ شطًّا
قلتُ: وأينَ الشطُّ الثاني؟ — قال: وهل للبحرِ شطوطٌ أخرى؟
هل للأمرِ نهايةْ؟ — قلتُ: بُنيَّ تلاعبني؟
قال: — ألاعبُكَ ولكنّي اسمي صابرُ، لست بُنيْ
يا عمّي: قصَّ عليّ حكايةَ — فرعونَ السجانْ
قلتُ: لقد ماتَ — صديقي سأقصُّ عليكَ حكاية عصفورٍ وحصانْ
اسمع يا صاحِ حكاياتي — (كان ياما كانْ)
قال: وما معنى عصفورٍ؟ — قلتُ: سأحكي أخرى
قصةَ طائرةٍ — وسماءٍ ودخانْ
يا عمي ما معنى طائرةٍ؟ — قُصَّ حكايةَ مصباحٍ أو قفصٍ أو سِجْنٍ
أو طبقٍ أو عمٍّ أو أمٍّ أو سجّانْ — هذا ما أعرفه عمّي
هل بلدُك فيها عصفورٌ وحصانٌ وسماءٌ ودخانْ؟ — ففزَعتُ وقمتُ أواري دمعي عن طفلٍ
لا يشعر أبدا بزمانْ — لا يعرف شكلًا لمكانْ
أمسكَ بإزاري — يجذبُني
يا عمّي لا تتركْني — فلقد أصبحَ لي عَمّانْ
لا تتركْني حتى تُسمعُني أغنيَةً — فانهارتْ عيني
والصبر تقوّضَ — وابتلت شفتاي فقالت:
(ماما — زمانها جيّهْ
جيّه — بعد شويهْ
جايبه لعب وحاجاتْ) — آهٍ يا أبأسَ رحلاتي
يا سجّاني — خذني
أرجوكَ فإني — أُقْتَلُ عمدًا
أو أيقظني من كابوسي — أو رُدّ إليَّ حياتي
أخرِجْني من قِمْعٍ — وضميرٍ مجروحٍ
وشريعةِ غابٍ — تقتاتُ منَ الطيرِ المسكينِ
إذا حطَّ قليلًا يبحثُ — عن بعضِ حياةِ
ما أكثرَ أن يحيا العالمُ مكشوفَ السوءاتِ — لم أقدرْ أن أُسعدَ طفلا
ما أبأسَني! — ما أبأسَ قلمي ودواتي!
ما أبأسَ كلَّ حكاياتي! — جرجرْتُ بحَلْقي مُرَّ شَكاتي
وجَرَرْتُ همومي رُغْمَ مماتي — يُرشدُني السجّانُ لسِجْني
لم أحسبْ أني في يومٍ — أخلُدُ لسريري مبهورَ الزفراتِ
مجتثَّ الآمالِ — ومسجونٌ في قفصٍ صدري
والسوطُ يلاحقُ آهاتي — ***
لم يسمحْ لي السجّانُ بأن يتركَ لي أيَّ سؤالٍ — يَشغَلُني
وأبثُّ إليه مناجاتي — قال: اعتُقِلَتْ بنتَ اثني عشر ربيعا
وأبوها كان أديبًا — مثلكَ وبديعا
وخطيبا للنورِ مُشيعًا — سخِطَ الطاغوتُ عليه
فبثَّ جنودَ الكفرِ إليهْ — هربَ الأبُ لم يعرفْ عن درَّتِهِ شيئًا
وأبى أن يبقى للظلمِ مطيعا — حَمَلَتْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.
تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- السجان: السَّجَّانُ : من يتولى أَمر المسجونين أي المحبوسين؛ لم يكن السجّان رحيمًا بالمسجونين.
- المطفي: الْمُطْفِئ : فا.-: المُخْمِدُ؛ هو لِلفتنة مُطفِئٌ: ولأوارها مُخمِدٌ/ مُطْفِىءُ الجَمْر، هو يوم من أيَّام برد العجوز/ مطفىءُ الرَّضفِ، هو الداهية العظيمة تُنْسِي ما قبلَها لشِدَّتها.
- تحصي: تَحَصَّى يَتَحَصَّى تَحَصَّ تَحَصِّياً [حصي] : توقّى؛ هذا الملاكم يَتَحَصَّى ضربات خصمه.
- سقف: سقف: السَّقْفُ: غِماءُ الْبَيْتِ، وَالْجَمْعُ سُقُفٌ وسُقُوفٌ، فأَما قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لبُيوتهم سَقْفاً مِنْ فِضَّة. فَهُوَ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ، أَي لَجَعْلِنَا …
- سمائي: سما: السُّمُوُّ: الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، تقول منه: سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً، فَهُوَ سامٍ: ارْتَفَع. وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ: أَعلاهُ. وَيُق …